إرثٌ من المحبّة

إرثٌ من المحبّة

إرثٌ من المحبّة قصة عائلة هنريكيز الرائعة

حوار مع كريستينا هنريكيز

المحبة. العاطفةٌ الأقوى التي عرفها البشر على الإطلاق. الحب، كما قيل في كتب الأدب والشعر وكافة أشكال الفنون الأخرى، هو الشعور الذي يمنحك نشوةً لا تُضاهى، الشعور الذي يمنحك قوةً لا حدود لها ويسبب لك البؤس المطلق، أو هو أفضل عذرٍ للقسوة الجميلة.

والحب، من منظور الهيكلية المحددة للشركات العائلية، تارةً يكون قريباً لطبيعته كقوة محركة متأرجحة، وتارةً يكون عقبة في حد ذاته. ففي حين أنّ الحب الذي نشعر به تجاه العائلة يمكن أن يشكّل دافعاً وسبباً لتعلقنا بالعمل وتعزيز ولائنا وإلتزامنا به، قد يصبح في المقابل عبئاً ثقيلاً ومصدراً لشعورنا بالذنب، حيث لا قراراتٍ تلوح بالأفق وتصبح معه الأمور ضبابية.

تخبرنا كريستينا هنريكيز، أحد أفراد عائلة ومجموعة هنريكيز من السلفادور، في لقاء مع مجلة ثروات، القصة الرائعة وراء تأسيس شركة العائلة، وتوضح لنا صعوبة أن تحب وأن تكون محبوباً، ولماذا يكون الحب حتمياً على الرغم من أنه العاطفة الوحيدة التي نعيش كلنا من أجلها.

مجموعة هنريكيز في سطور  

تُعتبر مجموعة هنريكيز الجيل الثالث للشركة العائلية من السلفادور، وقد أسسها ماريو كوهين هنريكيز الذي تعود أصوله إلى جزيرة كوراساو في جنوب البحر الكاريبي مقابل فنزويلا. ماريو الذي فقدَ والديه في سنٍ مبكرة، وتولّى أعمامه وعماته رعاية أشقائه وشقيقاته، اتخذ خطوةً جريئة وتحمّل مسؤولية مصيره لوحده بِأن غادر جزيرة كوراساو إلى بنما ومن ثم إلى السلفادور، لينضم لعائلةٍ ألمانية كانت تملك متجر بيعٍ بالتجزئة، عمل بجدٍ إلى أن أصبح في العام 1926 صاحب المتجر بالإشتراك مع رجلٍ يدعى هربرت دي سولا ليقوما معاً بتأسيس شراكة دي سولا – هنريكيز. وفي العام 1951، اشترى ماريو وولداه راؤول ولويس حصة دي سولا وقاموا بتأسيس شركة “أم سي هنريكيز وشركاه”، والتي واصلت العمل في قطاع التجزئة.

كريستينا هنريكيز هي واحدة من الأفراد السبعة للجيل الثالث لعائلة هنريكيز، وتفخر بإنجازات عائلتها وتصف طابع جدّها المتصلب والمتعنت بأسلوبٍ طريف، وتقول: “حتى وقتٍ قريب جداً كان يُعرَف عن جدّي وعائلتي كلها اقتناصهم لفرص العمل، إذ أننا لم نعمل أبداً في الشركة على تركيز أعمالنا في نشاطٍ رئيسي أو قطاعٍ محدد، بل لطالما كانت لدينا محفظة متنوعة ضمّت مختلف الاستثمارات، وشركتنا لاتزال حتى وقتنا الحاضر شركةً قابضة تشمل مختلف الاستثمارات.”

عادةً مايجري تناول مسألة الخلافة في الشركة العائلية ومحاولة معرفة عمّا إذا كان الجيل القادم مهتماً بأنشطة العائلة أم لا، ورغم ذلك لم يشعر ماريو هنريكيز بالإحباط أو الخذلان لمعرفته أنّ شغف أبنائه كان منصباً على قطاعاتٍ أخرى غير قطاع البيع بالتجزئة، لكنّه في الوقت ذاته عرف كيف يقنعهم بالانضمام إلى شركة العائلة. وتوضح كريستينا الأمر بقولها: “كان جدي يحسن معالجة الأمور وإدارتها، فحين أكتشف أن عمّي لويس مهتمٌ بالقطاع المصرفي، قام بشراء أسهمٍ في إحدى البنوك. كما اشترى مزرعة عندما علم أن والدي متعلقٌ بالقهوة والزراعة، لطالما كان جدّي يسعى لتحقيق شعاره وهاجسه كي يُبقي الأمر داخل نطاق العائلة.”

في العام 1979 شهدت السلفادور حرباً أهلية جلبت معها الصعوبات والويلات لعائلة هنريكيز، وكان على العائلة اتخاذ بعض القرارات الحاسمة. تقول كريستينا: “علمنا أنّ والدي وعمّي كانا معرضين لخطر الاختطاف، لذلك قررت العائلة الانتقال إلى ولاية ميامي الأمريكية لفترةٍ من الوقت.” في البداية كانت العائلة تأمل أنّها ستكون إقامةً مؤقتة، لكن الأشهر الستة أصبحت سنة وأكثر، وقرر لويس وراؤول استئجار مكاتب لهما في ميامي. وتضيف كريستينا: “لقد وجدوا أنفسهم في ميامي ضمن مكتبٍ مستأجر وكان جلّ ما فعلوه في البداية هو قراءة الصحف المحلية بحثاً عن فرصٍ جديدة ليبدآ من الصفر. ولو اعتبرنا أنّ شيئاً جيداً قد حصل في تلك الفترة العصيبة، فهو تعلم العائلة كيفية التماسك والبقاء معاً كعائلة واحدة أكثر من أيّ وقتٍ مضى.”

بشكل عام، لدى كل جيل قصة خاصة به تشكل علامة فارقة في تاريخ العائلة، تلك العلامة في عائلة هنريكيز كانت علاقة المحبة التي جمعت الأخوين لويس وراؤول والتي حددت طبيعة الأعمال وعرفّت العائلة. وتوضح كريستينا الأمر بالقول: كانا يملكان طباعاً مختلفة، لكنهما لم ينفصلا عن بعضهما بل كانا دائماً يساندان بعضهما بعضاً، وساد بينهما تفاهمٌ عميق لم يهتز أبداً، حتى أنهما كانا يملكان الحساب المصرفي ذاته حتى وفاة والدي. تزوجا من أمي وخالتي، وكان أبناء العمومة الأربعة يحبون بعضهم وتجمعهم علاقة قوية جعلتهم متقاربين لدرجة أنهم تزوجوا في غضون أسبوع لكي يتمكنوا من الذهاب في شهر العسل معاً.” وقد عمل لويس وراؤول على إدارة شركة العائلة بطريقة بدت وكأنها انسجام تام، تكاملا فيما بينهما من خلال شخصياتهم وطباعهم المختلفة وكانا قدوةً لأطفالهم في التفاهم والمحبة.

 

المحبة بين الماضي والحاضر

كانت كريستينا هنريكيز في الثانية والثلاثين عند وفاة والديها، وهنا تصف المشاعر المحزنة بكل صراحة وتقول: “عندما توفي والدي راؤول ووالدتي فيلما قبل ثلاثة عشرة سنة، أصبح عمّي لويس الأب والراعي الوحيد، وهذا مادفعني للتعرف عليه بطريقةٍ مختلفة. كانت الصورة التي رسمتها له في ذهني أنّه رجلٌ صارم وجدّي للغاية، لكنّي أردت أن أتعرف عليه كإنسان، أردت أن أفهم طبيعة العلاقة التي جمعته بوالدي وتلك المحبة التي أبقتهما متماسكين يكنان لبعضها مشاعر الولاء والاحترام.”

يَعتبر جيل كريستينا أنّ إدارة شركة العائلة والإشراف عليها كانت رحلةً من التفاهم والألم امتزجا معاً، وهنا تضيف كريستينا: “لكنني أعتقد أيضاً أنّ ما أبقانا معاً متحدّين ومتماسكين هو تلك العلاقة التي جمعت بين والدي وعمّي الذين كانا قدوة ومثالاً يحتذى.”

وتقول كريستينا: “كان أمراً طبيعياً أنّ عمّي لويس أراد من أولاده ومنّا أيضاً أن يكون شعورنا تجاه بعضنا، هو ذلك الشعور الذي جمع بينه وبين والدي، لكن وجدنا أنفسنا نحن الجيل الثالث لا نملك تذكرة الدخول تلك لشركة العائلة،” وهنا تبتسم كريستينا على الرغم من أنّ هذه المناقشات كانت مؤلمة وصعبة لها ولعائلتها. وتضيف: “بالطبع كلنا نحب بعضنا بعضاً كأبناء عمومة وأشقاء، لكن لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال مقارنة هذه المحبة بتلك التي جمعت بين عمّي ووالدي. بعد نشوب الحرب الأهلية، البعض منا ترك السلفادور والبعض الآخر بقي فيها، وبشكلٍ طبيعي وحتمي نشأنا بعيداً عن بعضنا وكلٌ منا له اهتماماته الخاصة. وكان من الصعب جداً أن يتفهم عمّي أنّ الإتحاد لا يأتي من خلال الارتباط معاً في العمل وإنما هو خيارٌ وشعورٌ نابعٌ من القلب.”

حاول لويس هنريكيز، الفرد الوحيد المتبقي من جيله، لَمّ شمل العائلة وجمعها مرةً أخرى. تقول كريستينا: “أخي الأكبر ماريو هو الشخص الأكثر تعلقاً وانخراطاً بالعمل في شركة العائلة، لأنّه كان موجوداً هناك في ميامي أثناء محاولة والدي وعمّي البدء من جديد، لذلك تجد مشاركته في العمل واضحةً للغاية ولعلّه أكثر شخصٍ يقدر شركة العائلة ويحترمها. أمّا من تبقى منا، فلا نزال مترددين في اتخاذ قرار المشاركة والانخراط في العمل.” يُشار إلى أنّ كريستينا ومع مرور الوقت أصبحت من حاملي الأسهم وشاركت في المجلس العائلي.

المحبة والشعور بالذنب 

في حين أنّ المحبة كان العامل الذي جمع بين الأخوين من الجيل الثاني وأبقى العائلة متماسكة، إلاّ أنّها شكّلت عامل ضغطٍ كبير على الجيل الثالث، وتشرح كريستينا الأمر وتقول: “شعرنا بالذنب لأننا لم نستطع أن نحبّ بعضنا كما أحبا بعضهما، وساد بيننا نحن الأخوة وأبناء العمومة شعورٌ بالفشل والاحباط لأننا لم نستطع القيام بالعمل كما قام به والدي وعمّي.”

مرّت العائلة بمرحلةٍ طويلةٍ وشاقة قاربت عقداً من الزمن حتى تمكنت من استعادة هذا المستوى من الانسجام والوئام وبمشاركة من الجيل الثالث. وتعلّق كريستينا: “إنّ الشيء الذي أبقانا مع بعضنا متماسكين هو ذاك الرصيد الهائل من المحبة التي جمعت بين والدي وعمّي، وكان أصعب شيءٍ في هذه الرحلة التي استمرت لأكثر من عشر سنوات هو إدراكنا أنّ الحب في معناه الحقيقي هو أن تناضل، أن تكافح وتختلف بمودة في آرائك مع غيرك”. وتضيف كريستينا أنّه في حين أنّ هذا الأمر قد يبدو واضحاً للبعض، لكنّه كان شيئاً صعب الفهم والإدراك بالنسبة لعائلة هنريكيز التي نشأت وفقاً لمقاييس المحبة والوئام التي وضعها لويس وراؤول. وتردف قائلةً: “أحياناً عندما كانت لدينا آراء مختلفة كنا نشعر أننّا نرتكب خيانة، لذا توجب علينا تعلم كيف نتشاجر مع بعضنا ونختلف بمحبة ونظهر على طبيعتنا وسجيتنا.”

وعند سؤالنا عن كيفية تغلبهم على تلك المرحلة الصعبة، أجابت كريستينا بالقول: “باعتقادي أنّ الشخص الذي أحدث فرقاً كبيراً في هذا الأمر كانت زوجة أخي الأكبر. إنّها حقاً امرأةٌ رائعة غيّرت طريقة فهمي للحب. فكثيراً ما كنت أشعر بالانزعاج بعد حضوري لأحد اجتماعات المساهمين المضنية والشاقة، لكنّها كانت دائماً تذكرني بالسبب الذي جعلني أحضر الاجتماع من الأساس. أخي وزوجته لديهما طريقة ساحرة في جعلنا نفكر في الصورة الأكبر والأشمل وأن نأخذها بعين الاعتبار.” وكريستينا ممتنةٌ لها في ذلك، وتضيف: “كشخصٍ محايد، كانت تنظر إلى خلافاتنا وشجاراتنا على أنّها تحمل في طيّاتها بذور خيرٍ للعائلة، وهو أمرٌ لم أكن أفكر به من هذا المنظور.”

وتقول كريستينا: “أعتقد أنّ الخوف تملّكنا جميعاً في البداية لأن نتصرف على طبيعتنا وسجيتنا، وبالنسبة لنا كانت المحبة مجرد فكرةً مثاليةً جداً سعينا جميعاً للوصول إليها.” وتؤكد كريستينا أنّها تركت شركة العائلة لبضع سنوات حتى تفكر ملياً في الأمر وتستكشف ذاتها. وتشرح الأمر قائلةً: “علمت أنّه كان عليّ الذهاب بعيداً وأن أكون سعيدةً وأكتشف الأمور التي أبرع بها وتكفيني ذاتياً بعيداً عن العائلة لكي أجلب معي السعادة إلى المنزل. كنت قد أمضيت فترة الثلاثينات من عمري أحاول أن أتصرف كوالدتي في المحافظة على العائلة وإبقائها متماسكة، معتقدةً أنّه يمكنني أن أجسد تلك المثالية في الحب، لكن شعرت في فترةٍ من الفترات أنني اكتفيت، فغادرت. بعدها أصبحت أكثر صدقاً مع نفسي ونتيجةً لذلك أصبحت علاقتي مع الجميع أكثر واقعية. لم أشعر بالخوف من أن أغضب خلال اجتماعات مجلس الإدارة، ولم أكن خائفةً من تحدي عمّي. فقدت شعوري بالخوف بأن لا أكون جزءاً من العائلة، وشعرت أنّه يمكنني العودة وأن أحبهم كما أحب نفسي.”

تعلمت عائلة هنريكيز بشكلٍ تدريجي كيفية تحويل المحبة فيما بينهم إلى مصدر قوة وثروة حقيقية مرةً أخرى. تقول كريستينا: “نحن نهتم ببعضنا بعضاً وهذا يكفي. فالمحبة كل المحبة تكمن في هذه الجزئية، وهي أكثر واقعية من مجرد نسخة مثالية كنا نظن أنّ علينا أن نرقى إلى مستواها. المحبة تتأرجح ما بين صعودٍ وهبوط وهناك مساحة فاصلة بينهما.” وهنا تتنهد كريستينا ويرتسم الرضى على محيّاها. وتردف قائلة: “سأمضي قدماً في حياتي، لكنّ هذا لا يعني أنني لا أحب عائلتي. بل على العكس من ذلك فأنا أتواصل حالياً مع إخوتي وأخواتي أكثر من أيّ وقتٍ مضى. هناك مستوياتٌ متعددة لعاطفة الحب هذه، وكان التحدي الأبرز أمام جيلنا والذي أعقب رابطة الأخوة تلك، هو قبول فكرة أنّه بنمو وتطور العائلة، يجب أن ينمو كذلك تعريف الحب ويتطور، وأنّ الأمر لم يعد يقتصر على شخصين اثنين، بل هناك العديد من الأشخاص وأشكالاً كثيرة ومتنوعة من الحب متداخلة في هذه العلاقات.”

في النهاية تمكنت عائلة هنريكيز من التغلب على عقبة كبيرة حددت معالم موروثها، بالإضافة إلى إعادة تشكيل منظورها حول مفهوم الحب. وتختم كريستينا بالقول: “إنها روح ريادة الأعمال، فنحن عائلةٌ تلتزم بوعودها وتتمتع بالنزاهة والشجاعة، وهي قيمٌ ينادي بها عمّي ويلتزم بها، وهذا ما يربطنا معاً وسيبقينا كذلك.”

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 25, 2015

 

Tags from the story