مشغل طرزي: صمود في وجه العواصف

Camille Tarazi at Maison Tarazi workshop طرزي

:مشغل طرزي

صمود في وجه العواصف

بدأ ديمتري طرزي مشروعه التجاري الأول في العاصمة اللبنانية بيروت في العام 1862، وكانت تلك البداية التي أرست الدعائم القوية لشركة عائلية عريقة تتمتع بتاريخ حافل بالإنجازات. انضم إلى ديمتري، شقيقه ندره الأصغر بعد وقتٍ قصير من تأسيس الشركة، وقاما معاً ببناء مصنع للتطريز بخيوط الحرير ومعرض للسجاد والنحاس القديم والأثاث الشرقي.

في العام 1894، قرر الأخوَان طرزي فك الشراكة، لكن ديمتري استمر في توسيع شركته وأعماله التجارية بمساعدة أبنائه. إذ أن سبعةً من أصل ستة عشر ابناً ساروا على خطاه وتعاقبوا على إدارة الشركة. وعندما ازدهرت تجارة الأثاث الشرقي والتحف فتحت العائلة متجراً لها في بيروت، ومن ثم قامت العائلة بفتح فرعٍ جديدٍ للشركة في القدس في العام 1895، وفرعٍ آخر في دمشق بعد أربع سنوات، في الوقت الذي كانت تشهد فيه المنطقة نشاطاً تجارياً كبيراً وشكلت منطقة جذب واستقطاب لأعدادٍ كبيرة من السياح والمسافرين.

توفي ديمتري في العام 1903، لكنّه كان على ثقة ويقين أن إرثه سيبقى خالداً. وقام الجيل الثاني من عائلة طرزي بتقاسم الالتزامات والمسؤوليات، وقام الأخوة بافتتاح خمسة فروعٍ جديدة للشركة العائلية في كلٍ من القاهرة والإسكندرية وبيروت ودمشق والقدس.

إلا أن رياح القدر لم تجرِ كما تشتهي سفن العائلة، فقد اضطرت عائلة طرزي التي كانت حينها مثقلةً بالديون وتواجه أعباءً مالية كبيرة إلى إغلاق فروع الشركة في كلٍ من مصر والقدس، تلتها مصيبةٌ أخرى تمثلت باحتراق فرع الشركة في دمشق في العام 1924. ورغم كل الظروف والصعوبات قبلت العائلة التحدي وقامت برهن كل ما تملك لسداد ديونها وإعادة بناء سمعتها، وواجهت هذه العائلة الشجاعة العديد من العقبات والمحن ودفعت ثمناً باهظاً لكي تبقى قادرةً على مواصلة شغفها في تصاميم الديكور وتجارة التحف والأثاث الشرقي.

ومن ثم توالت الأيام والأعوام، قامت خلالها العائلة بافتتاح فروعٍ جديدة للشركة وإغلاق أخرى، وانضم إليها أفراداً جدد ورحل عنها آخرون. وعلى الرغم من ضعف ملكية الشركة وإغلاق كافة فروعها، إلا أن الشركة العائلية ما تزال قائمة حتى يومنا هذا، ليبقى نشاطها قائماً عبر فرع واحد نشط وفعّال قاوم كل الصعاب. يروي لنا السيد كميل طرزي، والذي يعدّ من الجيل الخامس لعائلة وإرث طرزي، كيف أن جدّه الأكبر اشترى حصص إخوته وقلّص ملكية وفروع الشركة بحيث تركزت في فرع واحد وهو “ميزون طرزي” في بيروت والذي يديره في الوقت الحالي السيد كميل ووالده ميشال طرزي.

قامت مجلة ثروات بإجراء مقابلة مع السيد كميل لتعرف الأسباب التي دفعته إلى الانضمام لشركة العائلة، وأهمية توثيق إرث العائلة، وكيفية مواصلة الشركة لأنشطتها على الرغم من تاريخها المضطرب.
Maison Tarazi Camille Tarazi

ما سبب انضمامك لشركة العائلة؟

درست الفن والديكور الشرقي، وهو شغفٌ لطالما رغبت في تحقيقه، وأعتقد أن تعلقي بالديكور الشرقي تعزز من خلال عشقي وحبي الكبيرين لتاريخ العائلة وأعمالها من خلال توليها تنفيذ عددٍ من المشاريع الكبرى والإشراف عليها. على سبيل المثال طُلِب من والدي العمل ترميم السفارة الفرنسية في بيروت في العام 1995، وهو المشروع ذاته الذي عمل على تنفيذه عم جدّي في بداية القرن العشرين. وهذا يعني أن السفارة الفرنسية مثالٌ حيّ على أعمال ومهارات الأجيال المتعاقبة من عائلتي.

كان قبول والدي تنفيذ هذا المشروع مصدر إلهامٍ لي لمواصلة دراستي في الهندسة المعمارية، وانضممت إلى الشركة العائلية في العام 1998 عندما كنت طالباً، لتوكل إليّ بعد أعوامٍ قليلة عددٌ من المهام والمسؤوليات. والدي هو رجل عظيم منحني المساحة والصلاحيات الكافية لامتلاك زمام المبادرة والتقدم في العمل بخطى ثابتة. ونحن نعمل معاً الآن كفريق واحد وكصديقين. هذه الثقة مهمة للغاية في الحفاظ على الشركة العائلية وضمان استمراريتها، وموظفونا يشعرون بذلك ويشاركونني الرأي أيضاً، والدليل أن البعض منهم ما زال يعمل معنا منذ عدة أجيال، فنحن في النهاية عائلة واحدة كبيرة.

هل تعمل حالياً مع أحدٍ غير والدك؟

حالياً أعمل أنا ووالدي فقط. كان والدي في البداية يعمل في مجال الضيافة الفندقية. وبسبب ظروف الحرب التي أدّت إلى إقفال الفندق ومن ثم الى بيعه. ومن جراء ذلك قرر جدي وشقيقه فضّ الشركة.

هل هذا هو الفرع الوحيد الذي تبقّى من فروع الشركة؟ 

في عام 1988 بعدما حلت الشركة بين جدي اميل وأخوه الفريد بسبب ظروف الحرب، أسس أبي شركة جديدة  وهكذا بدأنا من الصفر.

هل تمارس شركتكم الأعمال الأساسية ذاتها ؟

في أربعينيات القرن الماضي، تنوعت أعمال الشركة لتشمل الضيافة والتي شكّلت نوعاً من التوسع الطبيعي لتصنيع الأثاث،

إذ قام جدّي وشقيقه بافتتاح فندقٍ لهما في بيروت بعد افتتاحهما فندقين آخرين في الرباط والدار البيضاء، بالإضافة إلى أنشطتهما في دمشق، وهدفت كل تلك الأنشطة والأعمال إلى تقديم خدمات الضيافة والخدمات السياحية.

شهدت فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي محاولات لم تكلل بالنجاح ثم انتهى الأمر بنا إلى تقليص أعمالنا وأنشطتنا واقتصارها على بيروت فقط. وبحلول العام 1975، تركز جلّ اهتمام جدّي على الديكور الشرقي والترميم وقرر الإبقاء على محال الأثاث والعمل في تصميم الأثاث الشرقي والديكور الداخلي للمنازل. وقمنا بإحياء هذا النشاط في سبعينيات القرن الماضي، فأحد أشقاء جدّي كان متخصصاً في الديكور أوائل العام 1900.building at Maison Tarazi

لماذا صمدت شركتكم العائلية أمام تاريخها العاصف؟

ما زالت شركة العائلة تزاول أعمالها وأنشطتها بفضل ولاء الأشخاص الذين نتعامل معهم. فبعض عملائنا هم أولاد وبنات عملاء جدّي، ثم إن العمل يتميز بأنه متعدد الأجيال من حيث عائلتنا أو عملائنا أو حتى موظفينا. وعلى الرغم من أن البعض من موظفينا السابقين أصبح لديهم ورشات عملٍ خاصة بهم، إلا أنهم لا يتوانون عن مساعدتنا والوقوف معنا كلما اقتضى الأمر.

تربطنا علاقات عمل مع شبكة من الموردين في لبنان وسوريا، (كنا في الماضي نذهب إلى هناك مرة واحدة على الأقل في الأسبوع)، إلا أنه وبسبب الوضع القائم في سوريا قمنا بنقل معظم أعمالنا وأنشطتنا إلى لبنان، ومع ذلك فإننا لن ولم نخيب ظن شركائنا السوريين. صحيح أنه لم يعد لدينا تواجد هناك، لكن التكنولوجيا ووسائل الاتصالات الحديثة تبقينا على اتصال مع موردينا السوريين، الذين يتلقون مختلف المعلومات عبر الهاتف والبريد الإلكتروني. إننا نواجه مرةً أخرى التحديات ذاتها التي واجهناها قبل عشرات السنين، ذلك لأننا نعيش في منطقةٍ لا تخلو من التعقيدات أبداً.

ما هي آليات العمل الحالية لشركة العائلة؟

لدي شقيق وشقيقة لكنهما لا يبديان أيّ رغبة في العمل بالشركة أو بالانخراط في أنشطتها وأعمالها، لكنهما في الوقت ذاته يقدمان الدعم الكبير، وذلك من خلال الآراء والنصائح التي يقدمانها، ولا سيما أن شقيقتي تتمتع بذوقٍ كبير وتساهم في الترويج لأعمال وأنشطة الشركة. وأخي يقوم أيضا بدعم نشاط الشركة من خلال العلاقات العامة مما يؤدي إلى دعم المؤسسة واستمرارها. ومن ناحية أخرى فأنا أمنح شركة العائلة جل اهتمامي على الرغم من أنّ مجال عملها ضمن الظروف الحالية يشكل تحدياً كبيراً.

ما هي دوافعك لتأليف كتاب حول شركة العائلة؟

اعترتني رغبة عارمة بإنشاء أرشيف وإعادة اكتشاف تاريخ عائلتي خلال تلك العملية. أحياناً يتكون لدى الناس انطباع أننا مجرد حرفيين، وهذا أمر واقع وحقيقة لا مفر منها سببها أنّ والدي عمل بيديه خلال الحرب، ولكننا نريد أن يعرف الناس ما نقوم به حقاً وما هي طبيعة التصاميم والأشكال التي نقوم بإنجازها. لقد تابعت دراستي في الفنون والتصميم الشرقي بهدف المساهمة بإضافة جديدة لشركة العائلة. وأعتقد أن تأليف الكتاب هو دافع للجيل اللاحق ومثال حيّ للمثابرة رغم كل المصاعب.

هل تشكّل المحن التي مرت بها الشركة العائلية مصدر إلهامٍ لك؟

إنها في الواقع تشكّل حافزاً لنا لإيجاد حلول لمختلف المواقف والظروف التي نجد أنفسنا في مواجهتها. لقد واجهنا الكثير من المصاعب والمحن، ولكن لطالما آمنا بأن إرضاء العميل هو الهدف والغاية مهما كانت الظروف، ولطالما سعينا إلى تشجيع وتحفيز الحرفيين العاملين لدينا للخروج بمشاريع مبتكرة وإبداعية، فهم يعولون علينا في أعمالهم ومشاريعهم ولا سيما في ظل تراجع السياحة وتبدل وتحول الأولويات والأذواق.

في لبنان هناك عقلية سائدة يتشارك فيها الجميع وهي موقف أو سلوك لطالما تبناه أبناء جيلي الذي نشأ وترعرع خلال الحرب الأهلية، وهذه العقلية مفادها أنه لا يمكننا الاعتماد على أيّ شخص إلا أنفسنا، ولطالما عملنا على التكيف والتأقلم مع مختلف ظروفنا واعتدنا ألا ننتظر المبادرة من الآخرين، ونحاول قدر الإمكان عدم التركيز كثيراً على ما يجري حولنا، وهذا ماجعلنا شعباً قوياً للغاية.

ما هي تطلعات الشركة وخطتكم للمستقبل؟

أرغب في تعزيز فن الديكور الشرقي والترويج له  وتطويره بما يلائم العصر الحديث لدى الجيل القادم، ولاسيما أن الكثير من الناس لا يدركون أهمية الحرف التقليدية. الناس في لبنان يعتريهم الفضول، وهذا سبب آخر دفعني لتأليف كتاب حول شركتنا العائلية لإظهار حقيقة ما نحن عليه. لطالما سعيت إلى تعزيز وتشجيع الحرف التقليدية والتأكيد على أهميتها، لا سيما وأن الأجيال الجديدة التي تدخل هذا الميدان بحاجة إلى مرجعية ومصدر إلهام.

لقد عملنا مع العديد من المصممين وحتى أولئك المتخصصون في عالم الأزياء وتبادلنا معهم مهاراتنا الحرفية، وسنبدأ في الوقت القريب العمل على تجهيزات أحد المعارض الفنية، بالإضافة إلى سعينا لتوسيع منتجاتنا وخدماتنا. نحن كشركة متخصصة في الديكور لا يزال في جعبتنا العديد من الأفكار, لأننا نعشق التراث ومختلف الإمكانيات والفرص التي توفرها تلك المهن التقليدية، ونريد للطراز الشرقي أن يستمر ويواصل تألقه وهذا بحاجة إلى مهارات ابتكارية وإبداعية. نعمل حالياً على افتتاح فرعٍ آخر بحلّة جديدة تجمع بين أصالة التراث والحداثة، ونأمل أن يعمل هذا المشروع على جذب واستقطاب الأجيال القادمة.

أما عن مستقبل الشركة واستمراريتها، فلدي ابن أخ عمره سنتان وقد بدأت بالفعل باصطحابه معي إلى الورشة، وهو ما كان يفعله والدي معي عندما كنت في عمره، وأحتفظ بذكرياتٍ جميلة عن تلك الفترة، وأعتقد أنه من المهم أن يتواجد مثل هذا الرابط – على الأقل من الناحية العاطفية – حتى في حال عدم انضمام أحد أبناء الجيل القادم إلى شركة العائلة.

Tags from the story

Leave a Reply