الوساطة كوسيلة اتصال في خلافات الشركات العائلية

الوساطة كوسيلة اتصال في خلافات الشركات العائلية

الوساطة كوسيلة اتصال في خلافات الشركات العائلية

تضم الشركات العائلية محيطين مختلفين. تُعتبر العائلة محيط التأثير الأول إذ تشمل عادةً العلاقات الشخصية والعواطف. بينما تؤلف الشركة المحيط الثاني حيث تخدم العديد من المصالح الخاضعة لقواعد السوق. لا شكّ أن التداخل بين هذين المحيطين يُنتج في كثير من الأحيان مجموعةً كبيرةً من المصالح التي تكشف عن حساسيات في كثيرٍ من جوانبها، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء خلافات شخصية ومهنية. قد يكون النزاع في الشركة العائلية إما ذي طبيعة رأسية مثل قضايا اقتسام التركة بين الورثة، أو ذي طبيعة أفقية مثل الخلافات الناجمة عن العلاقات بين أفراد العائلة العاملين معاً. توضّح كارول خزامي، بصفتها وسيط إصلاح ومدير مشروع الحل البديل للنزاعات ADR التابع لمؤسسة التمويل الدولية IFC في لبنان، كيف تُسهم الوساطة في إيجاد حلٍ فعّالٍ لهذين النوعين من الخلافات، إذ تعمل على كشف أسباب انقطاع الاتصال والتي تُعزى غالباً إلى عمق الخلافات في الشركات العائلية. 

الوساطة في الشركات العائلية

يتسم النزاع في الشركات العائلية بعددٍ من الصفات النمطية. وغالباً ما يبرز هنا التفاعل المشحون عاطفياً باعتباره أحد أهم العوامل المُحفزة لنشوء النزاع في الشركات العائلية. تتلخص السمة الثانية شائعة الحدوث في ممانعة أفراد العائلة اللجوء إلى النظام القضائي لحل خلافات الشركة بهدف تجنّب التشهير والتبِعات التي سيتركها إجراء كهذا على العلاقات العائلية. تُعبر السمة الثالثة عن تضمين مظالم خفية والتي تكون عادةً ذات طبيعة عاطفية وتتخفى وراء أحد المخاوف التجارية حيث تتفاقم نتيجة نقص قنوات التواصل المناسبة. تتحد جميع هذه السمات الرئيسية لخلافات الشركات العائلية لتكوّن تحدياً على المدى البعيد. إن عدم معالجة هذه المشاكل الشخصية الخفية التي تنشأ في العائلة سيؤدي حتماً إلى تكريسها بل ونقلها إلى الجيل التالي. حيث تُضاعف مسألة توريث الخلافات من المخاطر التي قد تؤثر سلباً على النمو وتهدد استمرار الشركة. أثبتت الوساطة أنها علاج فعّال إذ يُمهّد الحوار المستمر الطريق أمام أفراد العائلة للعمل والتعاون معاً. فمن خلال إعادة التأكيد على خطوط التواصل التي تراعي مصالح كافة الأطراف، سيصبح من الممكن الحفاظ على العلاقات الشخصية والمهنية.

لا تُشكل الوساطة بديلاً مستساغاً عن المحكمة فحسب، بل عن التحكيم أيضاً، إذ توفر وسيلة غير مُكلفة لحل الخلافات التجارية. إنها تُعتبر عملية مرنة يتم إعدادها بشكلٍ سري حيث يقوم الشخص المحايد بتقديم مساعدة إيجابية للطرفين للتوصل إلى اتفاق عبر التفاوض لحل أحد الخلافات أو النزاعات. تتحكم أطراف النزاع طوال عملية الوساطة هذه بالشروط النهائية للحل المُرتقب. يُوصى بالوساطة عندما تكون المفاوضات المباشرة غير مُجدية وعند الحاجة إلى إيجاد حلٍ أسرع وأقل كلفة وعند الرغبة في تجنّب مسألة التشهير للحفاظ على سمعة الشركة العائلية. علاوةً على ذلك، تُتيح الوساطة الحفاظ على العلاقات بين الأطراف المعنيّة. باعتبارها عملية قائمة على المصلحة، يسعى الوسيط إلى  توسيع نطاق الخلاف بهدف اكتشاف وإصلاح أكثر المُضاعفات المتأصلة.

تتكون الوساطة عادةً من أربع مراحل: الانفتاح والاستكشاف والمقايضة والحكم النهائيّ. حيث تُركّز مرحلة الاستكشاف على العقبات المصيرية بالنسبة للشركات العائلية وعلى المخاوف الكامنة. فمن خلال توجيه أسئلة إلى الأطراف المعنيّة وتشجيع إجراء نقاش مفتوح للتعبير عن المظالم وتحديد المصالح على المدى البعيد يتم التوصل إلى حل يُمهد بدوره الطريق لاتخاذ الإجراءات الفعليّة. تُعد الخبرة والمهارات التي يستخدمها الوسطاء لاستئصال دوافع الخلافات لدى الشركات العائلية بمثابة حزمة من المميزات المقترنة بهذه الوساطة.

دراسة الحالة

تُفسّر دراسة الحالة التالية كيف يمكن للوساطة المساعدة في تحسين التواصل داخل الشركات العائلية، وتؤدي بالتالي إلى إيجاد حل أقل تعقيداً لأي خلافٍ داخلي: لنفترض أن هناك شقيقتان شريكتان في شركة محاماة أسسها والدهما. عندما تُوفي الوالد، عبرّت الشقيقتان عن عدم رغبتهما في العمل معاً وفي تقسيم أصول الشركة. وهكذا تم الاتفاق على مصير كافة الأصول باستثناء طاولة قديمة قامت الشقيقة الصُغرى بشرائها لتُستخدم في غرفة مؤتمرات الشركة. بينما تطالب الشقيقة الكبرى بها بسبب دفعها فيما مضى مبلغاً كبيراً لتجديد الطاولة إذ لم يكن من اللائق وضعها في غرفة الاجتماعات. عند تقسيم أصول الشركة، زعمت كل شقيقة بحقها في الحصول عليها. يبدو هذا الأمر مبدئياً بمثابة نزاع واضح على أحد الأصول المنقولة. وهنا تتوافر ثلاثة خيارات لحل هذا النزاع:

يُعتبر “خيار الهجوم” بمثابة الخيار الأول الذي يمكن تفعيله عبر اتخاذ إجراء قانوني. ربما يقضي هذا الخيار على العلاقات الشخصية بين الشقيقتين حيث يناضل عادةً محامي كل منهما في سبيل ما يعتقد إنه في صالح موكلته. سوف يركّز المحاميان على الأصل المادي (الطاولة في هذا المثال) دون مراعاة أي جانب آخر. قد يؤدي تبني هذا الحل إلى توزيع الطاولة إلا أن علاقة الشقيقتين لن تستمر طويلاً بعد صدور الحكم.

يتمثل الخيار الثاني في “الهروب أو الاجتناب”. سوف تتجنب الشقيقتان النظام القضائي لكنهما ستفشلان في العثور على حلٍ لنزاعهما على الطاولة. فشلت المفاوضات المباشرة لعدم قدرة كل منهما على التعبير بصدق عن سبب أهمية هذه الطاولة. وهكذا لن يتم حل النزاع لعدم معالجة الأسباب الأساسية.

تُشكل “الوساطة” الخيار الثالث. كما هو موضّح أعلاه، سيقوم الوسيط، الطرف الثالث المحايد، بالاجتماع مع الشقيقتين على حِدة أو سوياً بهدف تحسين التواصل وبلوغ حل يرضي الطرفين. يُقوم الوسيط بدورٍ مفيدٍ للغاية نظراً لامتلاكه مهارات خاصة ترتبط مباشرة بالعلاقات (تطوير التواصل والتفاعل بين الطرفين) والعمليات (وضع نظام عمل فعّال والحفاظ عليه) والمحتوى (توفير القوى الدافعة والتطور عبر المشاركة الفعالة مع الطرفين والمحتوى). وهكذا يتمحور دور الوسيط في توفير التواصل بين الشقيقتين عبر تعزيز الثقة. يتحدث المشاركون في الوساطة بكل ارتياح إذ يلتزم الجميع بالسريّة. بعد تهيئة المحيط المناسب لإجراء الوساطة، سيقوم الوسيط بتوسيع المنظور عبر تفهمٍ أفضل لاحتياجات وطلبات الشقيقتين. وربما تبرز معلومات ذات طبيعة عاطفية لتكشف أن الطاولة المتنازع عليها ما هي سوى رمز لضغينة وإحباط قديم، قد تعود أحياناً إلى عهد الطفولة أو إلى فترة أحدث خلال مرحلة عملهما مع والدهما في شركة المحاماة. سوف تنتهي مرحلة الوساطة هذه عندما يتضح أصل النزاع بين الشقيقتين وتشعر كل منهما بالراحة الآن بعد أن حصلتا على فرصة الإفصاح عما لم يكن بوسعهما التعبير عنه أثناء المناقشات المباشرة. سيتم بعد ذلك النظر إلى المطالبة بالطاولة في إطارها المناسب، وضمان الحفاظ على علاقتهما وسمعتهما، مما يتيح للشقيقتين الاتفاق على الحل الأنسب لإنهاء الخلاف.

يتضح من دراسة الحالة أعلاه أن الوساطة تزود أداة يمكن تطبيقها على الشركات العائلية المهتمة باكتشاف أصل الخلافات. لكي تنجح الوساطة، يجب أن تتوافر لدى الشركات الرغبة في مواجهة المشكلات التي قد تبرز أثناء العملية والتعامل مع التبِعات. تُعتبر الوساطة دون أدنى شك وسيلة فعالة يمكن من خلالها التعامل مع حالات انقطاع التواصل الأساسية التي تُسبب معظم حالات الخلاف في الشركات العائلية دون المجازفة بإضافة المزيد من المشاكل عبر الإضرار بالسمعة أو إقامة الدعاوي القضائية المزعجة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 17, 2013

Tags from the story