إدارة المواهب في الشرق الأوسط

z026_bxp45642h

إدارة المواهب في الشرق الأوسط

يعني مصطلح إدارة المواهب من الناحية النظرية والمجردة   عملية دمج كافة المبادرات والبرامج والعمليات المختلفة التي تسهم في تطوير الموظفين والاحتفاظ بهم. ومع أن هذه الضرورة الاستراتيجية تحتل الصدارة في كافة المؤسسات الكبيرة في العالم المتقدم وتعمل بمثابة درعهم الواقي في حرب البحث عن المواهب، فإنها ماتزال تخطو أولى خطواتها في الشركات التجارية بمنطقة الشرق الأوسط. وفي عالم نجحت فيه عملية إدارة الموظفين بالكاد من التحول من “شؤون الموظفين” إلى “الموارد البشرية”، فإن إدارة المواهب تطفو على السطح تدريجيًا من خلال مجموعة صغيرة من المؤسسات -وإن كان عددها في تزايد- تستكشف هذا التوجه الجديد. تتناول إنجي عبدون رئيسة الموارد البشرية بشركة إي إف جي هيرميز بالشرق الأوسط ما يجب القيام به وما يجب الامتناع عنه بالنسبة لإدارة المواهب والتواصل اللازم بين الموارد البشرية والإدارة العليا.

يمكنك مطالبة العديد من متخصصي الموارد البشرية أو الأعمال  بتعريف إدارة  المواهب، وسوف تحصل على تعريفات مختلفة بعدد الذين تسألهم. ففي حين يراها البعض مترادفة مع إدارة الأداء، سوف يستخدمها آخرون لوصف ممارساتهم في تعيين الموظفين، بينما قد يشير  آخرون إليها على أنها تخطيط وتنظيم العمالة بشركتهم. أما التعريف الأكثر انتشارًا والذي يعتقد الكثيرون أنه يصف بدقة هذا المفهوم الجديد فيرى إدارة المواهب على أنها الإطار الذي يجمع بين كل ما تقدم؛ كل شيء بداية من تنظيم العمالة إلى التعيين إلى تطوير القيادة وأخيرًا وليس أخرًا إدارة الأداء. وعلى هذا الأساس، تكون إدارة المواهب اتجاه استراتيجي ثري متعدد الأوجه وقوي لإدارة رأس المال البشري، ولكن للأسف مازال إحادي الجانب في الشرق الأوسط .

في عالم يمكن القول أنه في أمس الحاجة إلى نهج أكثر رسوخًا للتعامل مع رأس المال البشري به، نجد أن إدارة المواهب مازالت تحبو وتصارع للحصول على الموقع الذي تستحقه في أجندة الإدارة العليا. ولكن بالنظر إلى وضع المنطقة من منظور الأعمال، قد يعتقد المرء أن إدارة المواهب سوف يتم التعامل معها كأولوية استراتيجية وسيكون من السهل ترويجها كمفهوم للإدارة العليا. ولكن مثلها في ذلك مثل العديد من الأمور في مجال الموارد البشرية، سيتطلب هذا من الموارد البشرية المزيد من الوقت حتى  تتمكن من اختراق الحاجز التقليدي المحيط باستراتيجيات إدارة المواهب في المؤسسات الموجودة بالمنطقة. وما السبب؟ حسنًا … كبداية، سوف يتطلب إحراز أي تقدم في مجال إدارة المواهب  إلى إيضاح فعلي لأهمية المواهب وإدارة المواهب بالنسبة لمؤسسة ما ولماذا تحتاجها. فهي ليست شيئًا يمكن لمؤسسة نسخه من مستودعات أفضل الممارسات والأساليب ثم تطبيقه كما هو. وفي غياب هذا التحليل الذاتي، سيكون من المحال تقريبًا المضي قدمًا وتطبيق استراتيجيات إدارة المواهب. كما أن الأمر يتطلب كذلك مشاركة ضخمة ومتواصلة من جانب الإدارة العليا، والتي لأسباب جلية تركز اهتمامها على الاستراتيجيات البارزة التي تدر الأموال على مؤسساتها. وكلما سارعت الإدارة العليا في إدراك أن وجود أسلوب مناسب لإدارة المواهب يمكن أن يتحول إلى الاستراتيجية الأكثر ربحية للمؤسسة، انعكس هذا بالإيجاب على استدامة هذه الاستراتيجيات.

أعتقد أن هناك وفرة في المواهب بمنطقة الشرق الأوسط، سواء كانت مواهب تمت تنميتها محليًا أو مواهب واردة من الخارج أو مواهب محلية عائدة من الخارج. لا تكمن المشكلة في نقص المواهب وإنما في كيفية تعامل المؤسسات معها وإدارتها. وفي وسط ما يطلق عليه “الحرب بحثًا عن المواهب”، سيكون النجاح الحقيقي في تنمية المواهب التي تظفر بها و كيفية الحفاظ عليها؛ فالأمر لا ينتهي بضم هؤلاء الموظفين المتميزين إلى شركتك. إن أكبر الأخطاء التي ترتكبها المؤسسات هي إغفال الموظف الجديد بمجرد انضمامه إليها وقيامه بمهام وظيفته. فالتطوير المهني وإدارة المواهب تبدو كما لو كانت “تحدث” لفئة قليلة مختارة بمحض الصدفة أو الحظ بدون وجود نظام أو أساس. أما الأداء، والذي يعد حجر الزاوية لأي مبادرة لإدارة المواهب، فيتم تقييمه في أفضل الأحوال مرة كل عام -هذا بافتراض حدوثه من الأساس- ويبدو أن قيمته الوحيدة الواضحة تتعلق بتحديد ما يسمى بالترقيات والعلاوات والحوافز. والموظفون الذين يحصلون على تقييم أقل من المأمول ومكافأة مالية أقل (تبعًا لذلك)، نادرًا ما يتم تزويدهم بأي نوع من التوجيه أو الخطوات العملية التي يجب عليهم اتباعها لتحسين الأداء. ولكن -وإحقاقًا للحق- لا يقع الخطأ بالكامل على المدير  التنفيذي؛ فهذا أمر يجب أن يتعاون فيه ا لمدير التنفيذي مع الموارد البشرية لضمان حصول الموظفين على الأدوات اللازمة وفرصة منصفة لتحسين أدائهم. وغالبًا لا يكون  المدراء التنفيذيين معتادين على العمل الجماعي مع الموارد البشرية؛ فالعلاقة بينهما قد تكون متكلفة حيث يساعد قسم الموارد البشرية في عملية التوظيف، وفي مرحلة لاحقة قد يتدخل لإنهاء خدمة الموظف إذا كان أدائه دون المستوى المطلوب. وما يحدث في الوسط ليس أمرًا تم تشجيع المدراء على التعاون بشأنه مع الموارد البشرية فضلا عن التعامل معه في الأساس، وهو ما قد يؤدي إلى شعور بعدم الرضا لدى الطرفين. لكن لا تقتصر المشكلات فقط على الموظفين أصحاب الأداء المنخفض: ماذا عن الموظفين أصحاب الأداء المتميز الذين تترك لهم مهمة الكفاح للحصول على حقوقهم؟ بالطبع هم يقومون بعمل جيد ويحصلون على أموال أكثر لتميزهم، لكن في الأغلب لا يكون هذا كافيًا. الموظف الطموح المتميز في عمله سيتوقع كذلك الحصول على فرص للتطوير المهني والترقية التي تقدم له ما هو أكثر من مجرد لقب وظيفي ومزايا مختلفة. بعض الموظفين -أو فعليًا معظمهم- يرغبون في ما هو أكثر من المال، إنما يريدون رؤية أنفسهم يتطورون  و يرغبون في خوض تجارب وتحديات جديدة أيضاً. وما لم تكن المؤسسة راغبة في وضع الأسس لتوفير هذا على أساس منتظم ومتواصل، فسوف تخسر الموظفين الموهوبين، بل وقد تجد صعوبة في تعيين موظفين جدد. لا يعني هذا أنه لا يوجد فرص للتطوير المهني وأن الموظفين الطموحين لا يجدون تحديات، وإنما هو ليس بالأمر الذي يمكن للمؤسسات مواصلة تقديمه على نحو غير منتظم أو بمفردها. إذا كانت المؤسسات الموجودة بالمنطقة تتوقع مواصلة التنافس مع بقية العالم وربح حرب البحث عن المواهب، فلا بد من تغيير هذا الأسلوب غير المدروس في إدارة رأس المال البشري.

تعتبر عملية تحديد حاجة المؤسسة إلى ترسيخ كيفية إدارتها للمواهب ما هي إلا خطوة أولية صغيرة في عملية طويلة، ومع ذلك يجب تقسيم هذه الخطوة إلى أجزاء متناهية الصغر للحصول على أقصى درجات الالتزام والتأثير. وبالرغم من ضرورة التعريف بهذه العملية وتطبيقها على مراحل، فلا بد من وضع خطة شاملة لضمان تكامل كافة الأجزاء والمراحل مع بعضها البعض على المدى البعيد والحرص على إسهامها في تحقيق الهدف النهائي باجتذاب المواهب الداخلية ودعمها والإبقاء عليها. وبغض النظر عن تعقيد المؤسسة أو بساطتها، فليست هذه بالمهمة السهلة، وأي مدير للموارد البشرية يعتقد أن باستطاعته الضلوع بها بمفرده تنتظره مفاجأة مؤلمة. يفتخر القائمون على الموارد البشرية بأنهم “أصحاب” مبادرات رأس المال البشري في مؤسساتهم، وبأنهم يخوضون معركة يومية لبناء مصداقيتهم بدون الاضطرار إلى الاختباء خلف الإدارة العليا. ومع ذلك، فالتعريف بإدارة المواهب وتطبيقها كمفهوم وأسلوب للإدارة لا يمكن أن يكون مبادرة رأس مال بشري مملوكة بالكامل للموارد البشرية. وما لم تكن إدارة المواهب مملوكة ومدعومة كلياً بواسطة الإدارة العليا، فلا أمل لها بأن تتطور وتنمو للوصول إلى قدراتها الحقيقية. وبمرور الوقت، يجب تضمين برنامج منظم لإدارة المواهب كجزء جوهري من الاستراتيجية الشاملة للمؤسسة وبدون الالتزام بهذا البرنامج من الإدارة العليا لن يصبح أكثر من مجرد برنامج آخر للموارد البشرية. ويكون المعيار الحقيقي لنجاح أي برنامج لإدارة المواهب هو إلى أي مدى سيندمج في الاستراتيجية وعملية تخطيط الأعمال وأسلوب المؤسسة الشامل في إدارة رأس المال البشري.

وفي ظروف اقتصادية مثل التي نشهدها حاليًا، قد تتردد المؤسسات في تقديم برامج جديدة يمكن أن تكلفها الكثير من المال، والذي يشعر الكثيرون بضرورة تخصيصه على نحو مختلف. وفي حين أن وجود برنامج متكامل الجوانب لإدارة المواهب سيتطلب استثمار مالي على مراحل متعددة وفي مجالات مختلفة، فإن تغيير طريقة التفكير لا تكلف شيئًا أكثر من التحول عن الأسلوب التقليدي لإدارة رأس المال البشري بالإضافة إلى إيمان حقيقي ورغبة في الحصول على المزايا المرتقبة لاتباع أسلوب جديد. إن التسليم بوجود مجموعة من المواهب، ثم استثمار الوقت اللازم لتحديدها وتنميتها يتطلب وقتًا والتزامًا أكثر مقارنة بما يتطلبه من نفقات مالية، ومع ذلك فالعائد الاستثماري قد يكون بلا حدود. والسؤال هو: هل هناك فرص استثمارية أخرى يمكن قول الشئ نفسه عنها؟

إنجي عبدون،

رئيسة الموارد البشرية،

إي أف جي هيرميز – الشرق الأوسط

الإمارات

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 6, 2010

Tags from the story