إنعكسات الأزمة المالية علي أسواق المال العالمية والعربية

المال

إنعكسات الأزمة المالية علي أسواق المال العالمية والعربية

لقد شهدت أسواق المال العالمية في الربع الأخير من العام الماضي أزمة طاحنة كادت أن   تعصف بالنظام المالي العالمي، وتم إعتبارها أنها الأخطر علي الإقتصاد العالمي منذ أزمة  الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي. وقد كان تأثير هذه الأزمة بالغ الشدة علي كل الأسواق وتوالت الاحداث علي كافة القطاعات في الإقتصاد العالمي، ومنطقتنا العربية لم تكن بعيدة عن هذا فلقد تعرضت أسواق المال في المنطقة لتأثيرات سلبية من جراء هذه الأزمة إنعكست علي أداء البورصات والشركات في المنطقة.

 ولقد دفعت هذه الأزمة دفعت الجميع إلي طرح تساؤل هام حول مستقبل أسواق المال سواء إن كان ذلك علي مستوي العالم أو علي المنطقة العربية. وما هو تأثير ذلك علي المؤسسات والشركات التي تتعامل مع هذه الأسواق؟  وما الذي يجب عمله لتجنب حدوث مثل هذه الأزمات؟

الدكتور سامح الترجمان، رئيس مجلس إدارة أوبليسك لإدارة الأصول في مصر، يتناول هذه الأسئلة ويقدم الحقائق حول الأحداث الأخيرة وأثرها على الأسوال المالية العالمية والعربية.

:الموضوع

في الواقع لقد شهد العالم في شهر سبتمبر من عام 2008 بداية أحداث يمكن تسميتها كما ذكر بعض الخبراء بالإعصار المالي المدمر، وقد راح ضحيته في أقل من أسبوع مؤسسة ليمن برزرز وهي إحدي أعرق مؤسسات بنوك الإستثمار في العالم وتبعها إختفاء مؤسسة ميرل لينش من خلال إستحواذ بنك أوف أمريكا عليها، ثم جاء تعثر شركة AIG العملاقة والتي تعد أكبر شركة تأمين في العالم. ثم إمتد ليشمل شركات خارج المؤسسات المالية كشركة جنرال موتورز عملاق صناعة السيارات الأمريكية. وما أصاب المؤسسات في القارة الأمريكية إمتد إلي قارة أوروبا ومنه إلي باقي أنحاء العالم.

وقد أدت هذة الأحداث إلي مسارعة الحكومات علي مستوي العالم إلي التدخل وبصورة غير مسبوقة لمساندة شركاتها العملاقة، وذلك من خلال حزمة مالية ضخمة لمساعدتها علي الخروج من هذة الأزمة. وقد كان الدافع الرئيسي لهذا التدخل هو إعادة الثقة إلي الأسواق المالية، وكذلك الإستجابة إلي الضغوط الشعبية لوقف النزيف المالي الذي ترتب علي  سقوط هذه المؤسسات الضخمة.

لقد جاء عام 2009 لتشهد أسواق المال تعافي مصحوب بحذر من الظن بأن هناك إنتهاء كامل لأثار هذه الأزمة حيث أن كافة المؤشرات والتقارير توضح أن تدخل الحكومات السالف ذكره قد ساعد علي تخفيف الأثار الحادة لهذه الأزمة علي الإقتصاد العالمي، ولكنه من المتوقع أن هذه الحكومات لن تستطيع الإستمرار في هذا الدعم مما جعل الخبراء يحذرون من ضرورة الحذر في التعامل مع ما يمكن أن نواجه أسواق المال في الفترة القادمة. الأمر الذي يجعلنا نطرح السؤال ما هو مستقبل أسواق المال وخاصة في المنطقة العربية عامة وما الذي تعلمناه من هذه الأزمة وكيف ستؤثر علي الشركات التي ستعمل في هذا السوق والذي ستحاول الحصول علي تمويل مشروعاتها عبر أسواق المال.

مما لا شك فيه أن السبب الرئيسي للأزمة التي نتحدث عنها جاءت نتيجة توافر سيولة كبيرة في النظام المالي كنتيجة مباشرة للعولمة وما ترتب عليها من حرية حركة للأموال بين الأسواق المختلفة ويضاف إليها الثروات التي بدأت تتراكم من الطفرات الهائلة في اسعار المواد الخام وخاصة البترول. وقد أدت هذه السيولة إلي تشجيع المؤسسات المالية لعملائها إلي التوسع في الإقتراض لتمويل التوسعات الإستثمارية للأفراد والشركات وقامت بنوك الإستثمار بتقديم ادوات مالية متعددة ومعقدة للغاية لتوريق هذه الديون وتم طرحها في أسواق المال لتداولها.

وقد واكب ذلك أن الأجهزة الرقابية فى الدول المختلفة تساهلت مع المؤسسات المالية فى الإفصاح عن خطورة هذه الأدوات الذى يتم تداولها , بالإضافة إلى تغاضيها عن تطبيق صارم لقواعد الملاءة المالية مما عرض هذه المؤسسات لمخاطر كبيرة و ترتب عليها سقوطها فى أزمة سيوله طاحنة جعلتها تعجز عن الوفاء بإلتزاماتها المالية مما أدى إلى إفلاسها أو إلى تدخل الحكومات لإنقاذها من الإفلاس .

و قد ترتب على التدخل الحكومى غير المسبوق لإنقاذ النظام المالى العالمى و مؤسساته إلى توافر الرغبة فى تعديل بعض القواعد التى تحكم عمل هذه الأسواق و التى ستشكل الأطار الأساسى الذى ستعمل عليه الأسواق فى الفترة القادمة.

أهم هذه القواعد التى ستحاول كل الجهات الرقابية فرضها بشدة على كل المؤسسات التى تعمل فى أسواق المال هى القواعد الخاصه بالملاءة المالية فمن الواضح أن الإتجاه الأساسى فى هذا المجال سيكون فى تقوية الهيكل المالى لهذه المؤسسات  بحيث يجعل لديها قدرة أكبر على التعامل مع إلتزامتها المالية خاصه فى حالة تعرضها لخسائر, فالجميع متفق على أن المخاطر التى تواجه الشركات الماليه ستظل موجودة لن تختفى  و لكن قوة مركزها المالى سيجعلها تتعامل معها بشكل أكثر كفاءة و دون أن يؤثر سلبيا على الأسواق.

كما أنه اصبح واضحا أنه سيكون هناك تركيز شديد على قواعد الإفصاح و الشفافية بحيث يكون كل الأطراف المتعاملين فى الأسواق على درايه كاملة بالمعلومات المتعلقة بعمل هذه المؤسسات و المنتجات المالية التى تقدمها لعملائها ليتم التداول عليها. كما سيتم الإفصاح عن المكافاءت التى تصرف للعاملين فى هذه المؤسسات مع ربطها بمعايير واضحة لتحقيق التوازن بين مصلحة هذه المؤسسات و مصالح العاملين بها.

zIMG_0378

كما أنه سيتم فرض رقابة صارمة علي المؤسسات التى تقوم بمنح درجة الجدارة الائتمانية للأوراق المالية التى تصدرمن المؤسسات المالية المختلفة لمنع تضارب المصالح الذى ينتج نتيجة دفع المؤسسات المصدرة للأوراق المالية أتعاب المؤسسات التى تقوم بتقييم الجدار الائتمانية  لتلك الأوراق.

كما يضاف إلى ذلك اتجاه المؤسسات الرقابية على مستوى العالم فى التنسيق الكامل بينها فى رقابة المؤسسات التى يتداخل نشاطها فى أكثر من دوله, حيث أن الازمة المالية الأخيرة كشفت أن غياب هذا التنسيق يؤدى إلى كوارث فى الأسواق ويجعل من الصعب تدارك أثارها علي نظام المالي العالمي.

ويضاف إلي ذلك أن قواعد المحاسبة سيتم التشديد عليها بحيث تجعل من القوائم المالية الصادرة عن المؤسسات والشركات التي تتعامل في الأسواق المالية معبرة بوضوح عن كافة المعلومات والمخاطر التي تتعلق بها.

ويمكن القول أن ما سبق سيكون أوضح التغيرات التي ستحكم أسواق المال في الفترة القادمة والحقيقة أن معظمها ليس بجديد  إنما سبق الحديث عنه قبل هذه الأزمة، ولكن مما لا شك فيه أن الأحداث الأخيرة أكدت أهمية تفعيل هذه القواعد بصورة أكثر صرامه مع إدخال التعديلات عليها لتجعلها أكثر كفاءة في تحقيق الدور المطلوب منها.

وتدفعنا هذه القواعد الجديدة التي ستحكم أسواق المال العالمية للحديث عن الأسواق العربية في ضوء هذه الأحداث، كيف يمكن لها أن تتعامل مع هذه المتغيرات.

في الحقيقة يجب أن نوضح أن أسواق المال العربية ما تزال في مرحلة النمو لوجود الكثير من القواعد وخاصة في مجال الإفصاح والشفافية وتعارض المصالح والرقابة علي التداول في الأسواق والملاءة المالية تحتاج غلي إستكمالها حتي يمكن القول بإن الأسواق المالية في المنطقة قد وصلت إلي درجة من النضج الذي يشجع المستثمرين إلي التعامل معها بثقة أكبر.

ولكن أيضا مما لا شك فيه أن هذه الأسواق سوف تتعرض لضغوط شديدة سواء من جانب المستثمرين في المنطقة أو من جانب الجهات الرقابية في الأسواق المختلفة وخاصة بعد وضوح الرغبة كما ذكرنا من قبل من ضرورة التنسيق في الرقابة علي الأسواق بصفة عامة علي مستوي العالم لتفادي الأثار السلبية لتعارض القواعد التي تحكم الأسواق المالية مع بعضها البعض لأحداث التعديلات المطلوبة لرفع كفاءة أسواق المال في المنطقة العربية.

ويمكن القول أن عدم التعامل بجدية في أحداث هذه التعديلات سوف يجعل أسواق المنطقة تدفع ثمن باهظ سواء في قدرتها علي جذب الإستثمارات إليها أو في مساعدة شركات المنطقة التي ترغب في الحصول علي التمويل اللازم للتوسع في نشاطها. مما يؤدي إلي صعوبة تحقيق نمو حقيقى فى اقتصاديات المنطقة, و ما يترتب على ذلك من تبعات.

أنا أؤمن أن أسواق المال فى المنطقة العربية لم تلعب بعد دورها الحقيقى فى التنمية الإقتصادية لهذه المنطقة و انه من المهم الأن أن تبدء هذه الأسواق و القائمين عليها بالعمل بكل قوة لإستكمال القواعد اللازمة التى تمكنها من تقديم المساندة لعملية النمو الاقتصادى فى المجتمعات العربية.

كما أن هذا سيؤدى بالتبعية إلى حدوث طفرة كبيرة فى مجال الشركات العربية سواء كانت مقيدة و مطروحه للتداول فى البورصات أو شركات عائليه أو حتى حكوميه. لأنه من المنتظر لهذه التعديلات أن تضغط و بشدة على القائمين بإدارة هذه الشركات بضرورة تطبيق القواعد الخاصه بالشفافيه و الإفصاح و قواعد الحوكمة و قواعد المحاسبة الصارمة التى تؤدى إلى صدور قوائم ماليه معبرة بصورة حقيقية عن موقف الشركات التى يقومون بإدارتها.

و تكمن أهمية هذا الموضوع فى أنه من المنتظر أن تتنامى الرغبه فى التأكد من أن التمويل المتاح فى أسواق المال بكافة مؤسساته يجب أن يذهب فقط  إلى المؤسسات و المشروعات التى تحترم القواعد التى سبق ذكرها بحيث سيكون هناك صعوبه شديدة لأى مؤسسة فى الحصول على التمويل الذى يلزمها للقيام بتنفيذ قراراتها الاستثمارية اذا تجاهلت هذه القواعد.

وفى الختام أشير أن الازمات الطاحنة فى أسواق المال دائما ما تكون مصدر لتعديلات تجعل هذه الأسو
اق أكثر كفاءة و قدرة على مواجهة التحديات , و اعتقد أن الازمة الأخيرة التى واجهتها الأسواق ليست استثناء من هذه القاعدة. كما أن التجارب أوضحت أن توافر السيوله المالية بوفرة كبيرة يجب الا يمنع من وضع قواعد واضحة و محددة و صارمه فى ذات الوقت حتى نطمئن أنها ستسخدم بدرجه عاليه من الكفاءة حتى لا تتحول هذه السيوله إلى عبء يؤدى بها لأن تكون سبب فى حدوث كارثه مالية تعصف بالجميع كما حدث فى الأزمة التى تناولتها فى هذا المقال.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 5, 2010

Tags from the story