موغلي: حول الإرشاد والإشراف في الشرق الأوسط

موغلي

مع ارتفاع نسبة البطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتصل حالياً إلى 10,3%، وهو المعدل الإقليمي الأعلى في العالم (منظمة العمل الدولية 2011)، تحتاج الدول العربية بمفردها إلى توفير ما يقرب من 80 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2020 (البنك الدولي)، وهذا هدف صعب التحقيق بحد ذاته. تتمثل إحدى وسائل التعامل مع هذه المهمة الشاقة والتغلب على البطالة في احتضان ودعم ريادة الأعمال المستدامة وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة. تؤدي مؤسسة موغلي، والتي أسّسها توني بيري، دورها من خلال تقديم الإرشاد والإشراف لرواد الأعمال في الشرق الأوسط.

يعتقد توني بيري أن هناك وسيلة شديدة الفعالية لتوفير فرص عمل مستدامة على المدى الطويل تتمثل في إرشاد ودعم وتمكين رواد الأعمال الذين يبدأون مشروعات ، ومساعدتهم على تطوير وتنمية مهاراتهم القيادية وقدرتهم على اتخاذ القرارات. ومن منطلق هذا الاقتناع أسس بيري مؤسسة الإرشاد والإشراف “موغلي”. مهمة موغلي هي توفير مرشدين لإلهام ودعم وتمكين رواد الأعمال من إدراك قدراتهم وإمكانياتهم على الصعيد الشخصي والمهني، وتشجيع عملية توفير فرص العمل المستدامة، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. تعمل المؤسسة على تحقيق هذا من خلال توظيف وتدريب والتوفقين بين المرشدين ورواد الأعمال في علاقات متعلقة بالإرشاد والإشراف للأعمال من خلال “برامج خبرات مرشدين موغلي” MME. ييمثل دور المرشد في هذه العلاقة بتقديم الأمل والطموح لمساعدة رواد الأعمال على بناء الثقة، والحد من المخاطر، والتركيز على التنمية الشخصية للأفراد، وتوسعة شركاتهم، والتعامل مع التحديات التي قد تظهر مع الوقت.

ومما يثير الإعجاب أن النفع من هذه العلاقة والتبادل لا يقتصر على رواد الأعمال والمتدربين فحسب، فقد أدرك بيري أن المرشدين كذلك يستفيدون بدرجة هائلة من التجربة من خلال التطور الذي يعود على مهاراتهم الشخصية والقيادية. غالباً ما تكون عمليّة التعلم فترة لاستكشاف الذات ينتج عنها تطوير لمهارات وكفاءات جديدة يمكن تطبيقها والاستفادة منها في حياتهم الشخصية والمهنية. بداية من التقارير المنشورة وصولاً إلى تقارير وتحليلات تأثير برامج موغلي، يكون للإرشاد تأثير واضح ومؤكد على قدرة رواد الأعمال على تنمية أعمالهم باستدامة، بالإضافة إلى التعلم والتطور وإرشاد الآخرين. ولهذا السبب تسعى مؤسسة موغلي جاهدة لوضع الإرشاد والإشراف في قلب عملية تمكين ريادة الأعمال بالإضافة إلى الريادة على المستوى الشخصي والاحترافي.

لا يزال توني بيري وإلى يومنا هذا يقوم بإدارة مؤسسة موغلي بمساعدة ابنته كاثلين، وقد نجح في إدارة 24 برنامج MME في الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين والمملكة المتحدة. وقد قاموا بتدريب حوالي 200 مرشداً والتوفيق بينهم وبين رواد الأعمال ذوي قدرات النمو العالية من كافة الخلفيات والمراحل العمرية والقطاعات للدخول في علاقة إرشاد وإشراف مدتها سنة واحدة بدعم من مؤسسة موغلي. وتماشياً مع خططها ببدء العمل في مصر وتونس والمغرب والجزائر وقطر والإمارات، نجحت موغلي في الحصول على تمويل لتقديم أكثر من 20 برنامج MME إضافية خلال العام 2012-2013، بحيث تقوم بتدريب 240 مرشداً إضافياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فقط.

مقابلة مع توني بيري مؤسس موغلي

ماذا كان سبب إلهامك لبدء مؤسسة موغلي؟

أنتجت الأسواق سريعة النمو رواد أعمال نجحوا في تطوير شركات ضربت أمثلة رائعة على مكافحة البطالة وساهمت بقدر كبير في التخفيف من وطأة الفقر. في اللحظة التي أدركت فيها دورهم الإيجابي في المجتمع، توصلت إلى ضرورة تقديمنا لوسائل لدعم رواد الأعمال. وبعد إجراء بحث مكثف أدركت سريعاً أن أكثر شيء يحتاجه رواد الأعمال هو المرشدين كأفراد يدعمونهم في سعيهم. وهكذا تولدت فكرة مؤسسة موغلي.

في البداية، كانت معلوماتي محدودة وقليلة عن الإرشاد والإشراف. لكن عندما بدأت في إجراء بحث عن الموضوع وجدت أن حياتي أنا شخصياً قد شهدت قيام الكثير من الناس بلعب دور المرشد لي، وبالتالي بدأت في بالإعجاب بالفكرة وبتقديرها. عندما بدأت مؤسسة موغلي العمل في 2008، لم يكن الإرشاد والإشراف ممارسة منتشرة على نطاق واسع في الشرق الأوسط بالرغم من حدوثه بالتأكيد بصورة غير رسمية بين الكثير من الناس.

لماذا يعد الإرشاد والإشراف مهماً لهذه الدرجة في الشرق الأوسط؟

يواجه الشرق الأوسط مشكلة الارتفاع الكبير في نسبة البطالة بين الشباب. وعندما بحثنا عن وسائل يمكن بها للمجتمع حل هذه المشكلة، تبادر إلى أذهاننا استراتيجيات مختلفة. ومع ذلك، يجب على الدول العربية أن تحرص على وجود المزيد من شركات القطاع الخاص وليس المشروعات التجارية. ومن الممكن أن يتحقق هذا عن طريق دعم رواد الأعمال وتأسيس الشركات الصغيرة والمتوسطة وتنميتها.

ومع ذلك، فالتحوّل إلى رائد أعمال ناجح في الشرق الأوسط ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على نوع العلاقات والمعارف التي تملكها التي في محيط مجتمع الأعمال. وهذا ما يجعل مسألة الحصول على فرص جيدة صعبة على العديد من رواد الأعمال. ولدعمهم في سعيهم ومساعدتهم في الحصول على هذه الفرص، يجب علينا في البداية استيعاب الكيفية التي يعمل بها رواد الأعمال. تعد الركائز الأولى لنجاح رواد الأعمال هي آمالهم وطموحاتهم. وبالتالي، فإن هذا الأمر تحديداً هو أول ما يقوم الإرشاد والإشراف بدعمه وتشجيعه في نفوس رواد الأعمال. لا يمكنني أن أصف هنا الفرق الذي تحدثه الكلمات التالية وتأثيرهاعلى معنويات أي رائد أعمال: “لدي ثقة كبيرة فيما تقوم به وأعتقد أنك قادر على النجاح فيه.” و يُعد هذا النوع من التشجيع تجربة رائعة. وهذا هو المحور الذي يدور حوله الإرشاد.

نركز في الخطوة التالية على كفاءة الشركة والتي تتكون من ثلاثة مكونات: المعرفة والمهارات والسلوك. إذا كنت تتمتع بأعلى مستويات المعرفة والمهارات لكنك لا تمتلك القدرة على التحلي بسلوك متسق ثابت، فسوف تكون كفاءتك دون المستوى. ولهذا السبب نركز على السلوكيات في عملية الإرشاد والإشراف. وعندما تتحدّث إلى رواد أعمال ناجحين، فسوف يخبرونك أن السبب في نجاحهم يرجع لوجود مرشد ساهم بدرجة كبيرة في تحسين هذا الجانب لديهم.

الشكل 1: رحلة رواد الأعمال في ظل الإرشاد والإشراف

العنصر الرئيسي الذي تشاهده في الشكل 1 هو رحلة الذات، حيث يمكنك رؤية أن هناك عاصفة رعدية في مرحلة معينة؛ فكل رائد أعمال يمر بهذه العواصف الرعدية. وهناك ثلاث لحظات حرجة في دورة حياة أي رائد أعمال حيث يحتاج فيها إلى مرشد أكثر من أي وقت آخر: غالباً ما يكون هذا في مستهل الرحلة، فعندما يكون الأداء المالي ضعيفًا تجدهم جميعاً متوترين ويتخذون قرارات خاطئة. يكون المرشد حينها الشخص المناسب للتحدث معه لأنه من الصعب على رائد الأعمال إعلام أصدقائه وعائلته أنه سوف يعلن إفلاسه قريباً. هناك لحظة حرجة أخرى وهي عندما يدرك رواد الأعمال أنه بينما كان بدء الشركة سهل إلى درجة ما، فإنه لا يتوافر لديهم بالضرورة المهارات اللازمة لتنمية المؤسسة في مرحلة لاحقة حيث تظهر الحاجة إلى العمليات والتنظيمات. يمكن للمرشد هنا تحديد المهارات الإضافية التي يحتاجها رائد الأعمال في مرحلة النمو هذه. تتمثّل اللحظة الحرجة الثالثة يصبح رائد الأعمال ناجحاً عندما يبدأ غروره في الظهور. يستطيع للمرشد المساعدة في كبح هذا السلوك.

إن أهمية الإرشاد والإشراف في الشرق الأوسط أكبر حتى من أهمية نماذج القيادة. تعريفي الشخصي لمفهوم القيادة بسيط: تقديم الخدمات يعني القيادة، إذا قدمت لك خدمة ثم قمت أنت باتباعي فعندئذ أصبح أنا القائد. أفضل شيء يمكن أن يوفره هذا بالنسبة لكلينا  هو الإرشاد. إذا لم يكن بوسعك تقديم الإرشاد والإشراف، فلن تستطيع القيادة. ولهذا السبب أعتقد أن الإرشاد بهذه الدرجة من الأهمية فهو في الواقع يطوّر وينمي الروح القيادية.

يخصص مرشدينا وقتهم لرواد الأعمال بدون مقابل أو انتظار الحصول على تعويض مالي، لكنهم دائماً ما يؤكدون على أن قيامهم بالإرشاد يمنحهم شعوراً بالسعادة، فهم يستمتعون برؤية متدربيهم منصتين إليهم ومعجبين بما يفعلونه، وبالتالي يحصل المرشدون من هذه العلاقة التي تجمعهم برواد الأعمال على نفس القدر من المزايا والنفع التي يعود على رواد الأعمال متلقي الدعم. وقد أخبرني الكثير منهم لاحقاً أن القيام بدور المرشد ساعدهم على التعامل مع تحديات واجهتهم في مجالات أخرى من الحياة بالمثل.

ما هي أبرز الأوامر والنواهي المتعلقة بالإرشاد والإشراف؟   

بالطبع المرشد هو شخص يخبرك بالحقيقة وليس بالضرورة بما ترغب في سماعه، ولكن في نفس الوقت يجب على المرشدين الالتزام بالحياد. ومن المهم كذلك ألا يكون للمرشد أي مصلحة مبطنة تتأثر بأداء ونتائج متدربيهم. على سبيل المثال، إذا كان المرشد لديه مصلحة متمثلة في أسهم يمتلكها في شركة رائد الأعمال، فهذا عندئذ يقضي على قيمة برنامج الإرشاد.

الجانب الآخر الذي يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للمرشد هو أنه في حالة الإخفاق يجب عدم انتقاد المتدربين أو تثبيطهم. في مرحلة لاحقة، أرغب في أن يقوم المتدربين بمشاركة إخفاقاتهم مع بعضهم البعض لأنه من الأهمية بمكان مشاركة هذه التجارب مع المجتمع وخاصة في الشرق الأوسط.

كثيرًا ما يساء استخدام كلمة “مرشد” حيث يعتقد البعض أن الإرشاد والإشراف هو تقديم النصح، بينما يعتقد البعض الآخر أن التدريب هو نوع من الإرشاد. في الواقع يتعلق التدريب بتحسين الأداء. أما في الإرشاد والإشراف، فيجب على المرشد أن يتمكن من التفاعل واستيعاب طبيعة المشكلات التي تواجه رائد الأعمال في حياته الشخصية والتي تؤثر على حياته المهنية والعكس. وهذا يتطلب درجة عالية من الثقة. وكقاعدة عامة يجب على المرشدين امتلاك القدرة على تطوير مستوى مرتفع من الذكاء العاطفي. في برنامج موغلي الذي ندعمه يمكنني القول أن 90% من المتدربين لديهم ثقة في مرشديهم.

هل تستمر العلاقة بين المرشدين ورواد الأعمال بعد انتهاء برنامج موغلي؟

نحن ندير برنامجاً مدته سنة واحدة وبعد انتهائه يمكن لرائد الأعمال الاستمرار في التواصل مع مرشده وفق ما يناسبهما. فمع انتهاء البرنامج، نتوقف عن دعمهما ومراقبتهما. ومن بين 80% من العلاقات التي استمرت لعام واحد في ظل برنامج موغلي، هناك 97% منها استمرت للعام الثاني، وحتى الآن هناك 95% من العلاقات استمرت للعام الثالث. العلاقة مع المرشدين لا يجب بالضرورة أن تستمر بصفة يومية، وإنما يظل للمرشدين وجود ودور في حياتنا. علاوة على هذا، يجب على الطرفين استيعاب أن علاقة الإرشاد والإشراف هي علاقة تكافلية تماماً، وإذا كانت غير ذلك، فمصيرها الانتهاء والفشل. في الواقع يكون المتدربين هم القوى الدافعة والموجهة للعلاقة، فإذا لم يظلوا على اتصال بالمرشد، فسوف تفشل العلاقة.

من أفضل المزايا لبرنامج موغلي هو أننا نجمع بين رواد أعمال ومرشد واحد فقط، لكن خلال مدة البرنامج يمكنهم الاستفادة كذلك من العديد من المرشدين بصفة غير رسمية. هذه هي التجربة التي نحاول تقديمها والتي نرجو أن تسهم في النجاح المستدام لرواد الأعمال في الشرق الأوسط.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 15, 2012

Tags from the story