حقـبة جديدة من القيادة

الافتتاحية ، القيادة

حقـبة جديدة من القيادة 

محاولات إلقاء اللوم تتوالى من كل حدب وصوب، فقد أثارت الأزمة المالية جدلا كبيرًا حول من يجب أن نلقى عليه باللائمة، مما أدى إلى ظهور الكثير من المشاعر السلبية تجاه صانعي القرار. إن القيادة التي كانت منذ عهد قريب موقعًا بعيدًا عن المساءلة قد وجدت نفسها الآن عرضة لنقد حاد لمسئوليتها المفترضة لما اصطلح على تسميته “عالم ما بعد الأزمة”. ووسط كل تلك الانفعالات العاطفية، فلن تجدي محاولة إنكار أن إلقاء اللوم في بعض الأحيان يكون له مبرراته. وكذلك التغييرات التي يتعين القيام بها للتغلب على الشكوك المنطقية.

إن المناخ الاقتصادي الجديد يضع الشركات أمام تحديات جديدة غير أنه في الوقت نفسه يحمل في طياته عددًا لا يحصى من الفرص السانحة، كما يزعم كثيرون أن الفترة الحالية تمثل لحظة فارقة أمام الشركات إذا كانت ترغب في خلق القيمة. ومن هنا، ووسط هذا الارتباك الذي يكتنف فترة ما بعد الركود، تعود الأنظار لتتطلع مرة أخرى نحو القمة في انتظار التوجيه، وباحثةً عن الإلهام والثقة التي يبدو أنها فقدت منذ أمد بعيد. بالتالي فإن قيادات الشركات اليوم يواجهون ما يبدو كأزمة هوية، حيث صاروا ممزقين ما بين الاضطرار إلى التصرف بسرعة وفي الوقت نفسه التمتع بأقصى درجات اليقظة حتى لا يكرروا أخطاء الماضي. أما وقد أثقلت كاهلهم أعباء المسئوليات الإضافية، فإن قيادات الشركات العائلية لا يمثلوا استثناءً في هذه الحالة؛ فبرغم أنه يُعتقد أنهم الأقل تأثرًا بالأزمة، فالقرارات التي يتخذونها تتأثر بالمنافسة وديناميكية الأعمال التي اعتراها التغيير.

وكبداية، يحق لنا أن نطرح تساؤلا عما إذا كان من الواجب تغيير قيادة الشركة على أي حال أم لا. فالخبراء يقولون أنه بعد أن شهدنا عددًا لا يحصى من حالات تراجع النشاط الاقتصادي الإقليمي وعددًا قليلا من حالات التراجع الاقتصادي على المستوى العالمي، وبرغم العثور على أوجه تشابه، فإننا لا نزال عاجزين عن تحديد الأنماط المتكررة. وبالتالي، هل سيؤدي تغيير سلوكياتنا إلى إحداث أي فارق على الإطلاق؟ لابد لنا من أن نسأل أنفسنا، إن كانت مسألة عدم قدرتنا على توقع شكل أو صيغة التراجع الاقتصادي التالي سوف تجعل من تحليل سلوكنا وتعلمنا من أخطائنا أمرًا بلا جدوى.

إن الرأي العام، إذ يضع في الحسبان الحقائق التي تتكشف كل يوم، يبدو مؤيدًا لضرورة قيام قيادات الشركات بشيء من البحث عن الذات. غير أن العديد من الشركات العائلية في الوطن العربي نجت من أسوأ تبعات الأزمة المالية. ويزعم بعضهم أن تفسير هذه الظاهرة يكمن في أن قيادات الشركات العائلية يميلون إلى تبني توجهات بعيدة المدى ومن ثم فإن لديهم استراتيجية استثمارية بالغة الحذر. وهكذا، وإذا وضعنا في الاعتبار أنهم خرجوا متعافين نسبيًا من الأزمة، يظل السؤال لماذا يجب على قيادات الشركات العائلية أن تتغير من الأساس؟

الإجابة واضحة: فبرغم أننا قد لا نكون قادرين على التنبؤ بموعد الصدمة المماثلة التالية التي ستضرب اقتصاد العالم، فإن قيادات الشركات العائلية لا يزال عليهم التعامل مع الحاضر حيث عالم ما بعد الأزمة، والذي يقدم لهم ساحة تنافسية مغايرة تمامًا، ويحمل في طياته تحديات وفرص جديدة. وفي الوقت الذي يقوم فيه قيادات الشركات بتشكيل مناخنا الاقتصادي، نجدهم هم أنفسهم متأثرين بالعديد من العوامل والمسئوليات، التي هم في حاجة لوضعها في الحسبان خلال اتخاذهم لقراراتهم اليومية. بل إننا قد نغامر بالقول بأن الأعباء الملقاة في واقع الأمر على كاهل قيادات الشركات العائلية ربما كانت أضخم من تلك الملقاة على عاتق قيادات الشركات المساهمة العادية.

وحتى نبين حجم التعقيد والتحديات، وفي الوقت نفسه الفرص السانحة أمام قيادات الشركات العائلية إليكم الأبعاد والمسئوليات التي تؤثر على القادة والتي يجب وضعها في الحسبان عند التفكير في مسالة التغيير:

أدوار متعددة

يضطلع قادة الشركات العائلية في أغلب الأحيان بدور ثلاثي الأبعاد من المسئولية؛ فهم ليسوا مسئولين وحسب عن الإدارة، وإنما يملكون كذلك جزءًا من الشركة على أقل تقدير، وعلى نفس الدرجة من الأهمية، قد يكونوا متمتعين بمكانة مهمة في العائلة ما لم يكونوا بالفعل عمداء عائلاتهم. وقد بينت التجربة استحالة الفصل التام بين هذه المسئوليات والأدوار بالرغم من جميع الجهود المبذولة. وبالرغم من هذا، مازال بالإمكان تحقيق الكثير من خلال نظم حوكمة جيدة، وهي إحدى المسئوليات التي بحاجة لمنحها أولوية قصوى في إدارة الشركات.

الموارد البشرية

القيادة داخل إطار الشركة العائلية تسترعي الاهتمام بالموارد البشرية. ومن أجل مواجهة الاقتصاد العالمي المتأزم يصبح من الضرورة بمكان تجميع أقوى فريق عمل ممكن من الخبراء لمساعدة قيادات الشركة. إن مسألة التعيين مسألة صعبة برغم الوفرة الكبيرة الآن في أعداد الموظفين أصحاب المهارات الذين صاروا فائضين عن حاجة الشركات بفعل الأزمة. وعلاوة على ذلك، يحتاج قادة الشركات العائلية إلى التعامل مع توقعات أفراد العائلة الوافدين ومسألة تعليمهم وتدريبهم. فهناك أجيال جديدة تتوافد على الشركات العائلية، قد يكون لديهم أفكار مختلفة عن التكنولوجيا والتقدم، وقد يكون في مخيلتهم تصور آخر مختلف لمستقبل الشركة. ومهمة قائد الشركة العائلية أن يقيم المستجدات الجديدة بموضوعية قدر استطاعته، وأن يشجع المبادرات الجديدة مع الحفاظ في الوقت ذاته على القيم الجوهرية للعائلة.

التعامل مع صورة الشركة

إن الاعتماد على اسم العائلة بمفرده صار صعبًا مع تزايد اجتياح العولمة والمنافسة العالمية على حساب الميزات الإقليمية. ويجب توجيه القدرات القيادية نحو الحفاظ على، وفي الوقت نفسه تعزيز، صورة الشركة العائلية في عيون العالم الخارجي. من المهم أن نعتز ونفخر بما اكتسبناه من صيت عبر الفترات الزمنية السابقة، غير أن المنافسة مع شركات عالمية تتطلب منا استخدام أسلوب محكم التخطيط للاتصالات الخارجية وتجنب نشر المعلومات غير الصحيحة سواء في وسائل الإعلام أو عبر مجتمع الأعمال.

تدعيم عملية الاتصال

الاتصال الخارجي ليس سوى أحد الجوانب التي يحتاج قادة الشركات العائلية لوضعها دومًا في الحسبان. ويأتي على نفس القدر من الأهمية الاتصال على المستوى الداخلي. إن جودة الاتصال تعد عاملا أساسيًا لاستمرارية الشركة العائلية. فقد ساهم النمو السريع الذي طرأ على التكنولوجيا في زيادة حجم الفجوات بين الأجيال المختلفة. وقيادات الشركات العائلية في حاجة إلى أن يأخذوا في اعتبارهم تلك الاختلافات حيث أنها تشكل خطرًا عظيمًا ينذر بحالات من سوء الفهم، في حين أنه إذا تم التعامل معها جيدًا، فقد تقدم فرصًا أعظم.

الإبقاء على القيم والتجديد في آن واحد

واحد من أكبر التحديات التي يواجها قادة الشركات العائلية هو التحلي بروح الابتكار والتجديد مع الحفاظ على القيم الأساسية لعائلاتهم في الوقت ذاته. إن ضياع قيم العائلة يعني ضمنيًا ضياع قيمة سمعتها ومكانتها، وهو ما يؤثر على الشركة على جميع المستويات. غير أن الأهم من ذلك، أن القيم العائلية تعد نوعًا من الرابط الداخلي أو هي بمثابة إرشادات ضمنية لأفراد العائلة وكذلك للموظفين من خارج العائلة. إن المحافظة على تلك القيم معناه تدعيم هوية الشركة.

الثبات على المبدأ

في الواقع، مسألة القيادة هي في الأساس مسألة ثبات على المبدأ أو ما نسميه عدم الكيل بمكيالين. لا أحد يتوقع من القائد أن يكون معصومًا من الخطأ، فلا يوجد منا من هو كذلك. غير أن دور القيادة يعني ضمنيًا وبصورة تلقائية حتمية التوجيه والإلهام. الثبات على المبدأ مسألة مهمة، حيث يحظى بالاحترام أولئك الذين يمكنهم الدفاع عن قراراتهم وتحمل تبعاتها. ويتبين الثبات على المبدأ ليس فقط من خلال الأقوال ولكن في الغالب من خلال الأفعال: من الذي سيدافع عن أولئك الذين اتبعوه؟ من الذي سيقتطع من مكافأته في الوقت الذي يفقد فيه الباقون وظائفهم؟ إنها مسألة الاتساق بين ما يتم قوله وفعله ومن ثم يعود الأمر إلى نزاهة ذلك الشخص الذي يجلس وحده على القمة. وبرغم أننا قد نميل إلى الاعتقاد بأن الشركات ما هي إلا آلات لضخ الأموال، وأنه يجب علينا من حين لآخر أن نخفض نفقاتها، فإننا جميعًا ندرك أن إدارة شركة ما معناها التعامل مع بشر مختلفي التوجهات والرؤى، حتى وإن كانوا ينتمون لنفس العائلة. تزداد صعوبة مواصلة التركيز على الأهداف بعيدة المدى داخل بيئة سريعة التغير والدوران.

وبرغم أنه من المؤكد أن مسألة إعادة النظر في استراتيجية القيادة لدى أحدهم أمر يتفاوت من حالة إلى أخرى، فإن الحقيقة أن المناخ الحالي يحتاج لقادة شركات أقوياء لديهم الكثير من الرؤى المستنيرة والقدرة والقابلية لتوسيع آفاقهم. فلم تعد تعقيدات الاقتصاد العالمي تسمح بتحمل صاحب القرار المسئولية كاملة بمفرده. والمعرفة المطلوبة من أجل قيادة مستنيرة، وهي معرفة لا يمكن أن نتوقع وجودها بحوزة شخص واحد بمفرده، يجب اكتسابها كجهد جماعي وتوجيهها للإبقاء على الشركات على المدى البعيد. ومن هنا، يمكن القول أن الحقبة الجديدة للقيادة شعارها أن أداء قادة الشركات، سواء كانت شركات عائلية أو غير ذلك، سيكون رهنًا بجودة أداء المحيطين بهم.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 5, 2010

Tags from the story