وللشركات العائلية قيمة

 قيمة

وللشركات العائلية قيمة

الشركات العائلية في العالم العربي مرت عبر التاريخ الحديث بتجارب غير عادية يمكن وصفها بالمهمة والفريدة من نوعها. فمنها ما يمكن تصنيفها في خانة النجاحات الاقتصادية وأخرى ما يمكن تصنيفها في خانة المآسي الانسانية دونما أي مبالغة في الحالتين. ففي العالم العربي هناك العديد من النجاحات اللافتة والكبيرة التي لا يمكن تقييمها ،  وبالتالي تقديرها ، سوى بإعجاب شديد وذلك بسبب الجرأة التي تم اتخاذ بها القرارات الكبرى وعلى روح المثابرة والاصرار لمواصلة العطاء في ظروف أقل ما يقال عنها إنها كانت صعبة. فهل يمكن اليوم تقييم “البنك العربي” ، ذلك الصرح المصرفي العملاق الذي أنشأ في فلسطين وانتشر حول العالم بنجاح وتميز وسط مناخ سياسي صعب ومعقد ، لولا جهود أسرة شومان ومؤسس البنك الفذ عبد الحميد شومان؟ وما يقال عن شومان يمكن أن يقال أيضا عن عملاق الصناعات والخدمات والأفكار المصري طلعت حرب والذي كان بحق أيقونة الاقتصاد في بلاده وشكل نسبة جلية من الناتج الوطني العام وقتها، وطبعا كانت هناك أرتال من النماذج الأخرى في الأقطار العربية المختلفة والتي مكنت من تحويل أسماء بعض العائلات التجارية الى علامة فارقة ذات قيمة مضافة.

 والشركات العائلية العربية في بدايات القرن الميلادي الماضي كانت فاعلة ومنتجة في مجالات اقتصادية تقليدية مثل الزراعة وصناعة النسيج وقطاعات التجزئة ومن بعدها تطورت الشركات بالتدريج وزادت الانشطة واتسع النطاق وكبر الطموح  لتدخل في قطاعات جديدة مثل تجارة السيارات الحادة والقطاعات المصرفية والمقاولات والتطوير العقاري والسياحةولم تتمكن بعض الشركات العائلية من حماية نفسها وإنقاذ طموحها من تقلبات الأزمات السياسية بالمنطقة سواء أكان ذلك نتاج الانقلابات العسكرية أو سياسات التأميم أو نظام الاصلاح الزراعي أو الحروب أو التطرف الديني وهي جميعها مجتمعة أو منفردة تمكنت من القضاء على بعض من أهم التجارب الاقتصادية العائلية التي كانت من الممكن أن تخدم المنطقة وأبناءها بشكل كبير. ولم يسلم بلد ولم يسلم قطاع من الانتكاسات التي أصابت الشركات العائلية وأضرت بها ، فالضرر كان هائلا ولم يميز بين المتضررين . فكان لتغيير بعض السياسات و أنظمة الحكم في بعض البلدان العربية – مثلاً- الأثر الهائل على بعض الأعمال العائلية و على الأنظمة الإقتصادية لهذه البلدان نتيجة لذلك.

واليوم مع وجود تنظيم مؤسساتي ( أو شبه مؤسساتي ) لحماية رؤوس الأموال يتمثل في نظم وقوانين الشركات وكذلك نظام أسواق المال التي تمكنت من جذب أسماء مهمة من الشركات العائلية العربية وأدرجت أسهما في البورصات ويتم تداولها مثل الشركات المساهمة الأخرى أصبح بإمكان الشركات العائلية أن يكون لها مجال رحب للنمو والتوسع. فاليوم البورصة السعودية بها أمثلة ناجحة تدل على إمكانية تحويل شركات عائلية الى شركات مساهمة بنجاح مثل الدريس والزامل وجرير والسريع والبابطين وغيرهم ، وكذلك الأمر في مصر فهناك شركات النساجون الشرقيون وعز للحديد واوراوسكوم وآخرون وطبعا لا يقتصر هذا التوجه على السعودية ومصر ولكنه يشمل أيضا لبنان والأردن والكويت والامارات وقطر والبحرين وعمان وتستعد سورية كذلك هي الأخرى لاستقبال بعض الطلبات من الشركات العائلية الراغبة في التحول لشركات مساهمة وذلك عبر الادراج في بورصتها الجديدة.

z026_bxp45629h

 هناك شركات عائلية عربية معروفة تعاني مر المعاناة من التعدي على حقوق ملكيتها الفكرية وتخسر جراء ذلك مئات الآلاف من الدولارات بشكل دوري متواصل دون أن يكون لديها القدرة على حماية اسمها ولا التصدي للمخالفين لتثبت للعالم أن التعدي على  حقوق الملكية الفكرية ليس بالضرورة من نصيب الشركات المتعددة الجنسية العملاقة وحدها ولكنها تطال أيضا شركات دول العالم الثالث. فالرجال في دول الخليج العربي يعرفون تمام المعرفة أن “الغترة” الاولى التي تعودوا على ارتدائها منذ الصغر وعرفوها عبر السنين هي غترة “العطار” والتي تعود للأسرة المكية العريقة بذات الأسم ومع ذلك يتم التعدي على هذه العلامة التجارية العريقة ويسمح بدخول وبيع بضائع مقلدة تحمل نفس الاسم دون رادع أو عقاب وهو ما يحدث مع “بن الفاروقي” و “حلواني اخوان” و “الرشيدي الميزان” على سبيل المثال وهذا يذكرنا نوعا ما بما حدث لملاك مزارع التبغ للسيجار الكوبي المشهور الذين قاموا بتسجيل علاماتهم التجارية ذائعة الصيت بالولايات المتحدة الأمريكية بعد انقلاب كاسترو العسكري على النظام الرأسمالي فيها (وأمريكا قامت بعدها بتطبيق حظر تجـاري قاسي على المنتجات الكوبيـة ولا يـزال هذا الحظر ساريا) واستمـرت الحكـومـة الكوبيـة ( والتي أممت الممتلكات الخاصة بالعوائل التجارية الكوبية) بالتصدير بنفس العلامات هذه مما أوجد ازدواجية في حقوق الملكية بالأسواق حسمتها مسألة بلد المنشأ وهي كوبا ومع ذلك بقيت مطالبات الأسر المظلوم حقها في مهب الريح لان الحكومة الكوبية لم تعوضها أو تعترف بحقوقها المسلوبة.

 ومن المسائل الخطيرة التي تهدد وضعية الشركات العائلية ومكانتها وبالتالي التأثير على متانة “قيمتها” التجارية هو موقف ودور الحكومات وتدخلها في الخلافات العائلية فهناك مدرستين رئيسيتين في هذا الشأن الأولى تقول بضرورة التدخل الحكومي لانقاذ الشركات نظرا لما تشكله هذه الشركات من أهمية وثقل ورمزية للاقتصاد الوطني ، وهناك رأي ثان يقول بضرورة ترك الأمور وشأنها لمجريات السوق وتداعياته وعدم التأثير بأسلوب غير موضوعي على بقاء الشركة أو نهايتها ، وإبقاء كافة الخيارات بالتالي مفتوحة أمام الشركات سواء بإعادة الهيكلة أو اللجوء للقضاء . وقد عرفت مجتمعات الأعمال العربية أمثلة مختلفة للمدرستين في التعامل مع الخلافات العائلية ، وهناك تفاوت في قياس مدى فعالية ونجاعة النتائج ويبقى الحكم قائما بلا نتيجة قطعية على أي المدرستين أكثر فائدة وتأثيرا . فالقضايا العالمية التي حدثت بحق بعض الشركات العائلية تبين لنا بقساوة فداحة ما يمكن خسارته سواء على صعيد الشركة أو على صعيد الاقتصاد الوطني للبلد نفسه ، فالهند لا تزال للآن تذكر المعركة الكبرى بين الشقيقين “أمباني” واللذان ورثا صرحا اقتصاديا هائلا وناجحا ولكن الخلاف الطاحن  بين الولدين أدى الى تقسيم التركة الكبرى بينهما وبالرغم من نمو ثروتيهما كل على حدى  إلا أن الحكم يبقى قائما فيما اذا كان بقاء الشركة ككتلة واحدة كان أفضل لهما أو تقسيمها بالشكل الذي كان وآلت عليه ، عربيا هناك أكثر من واقعة حدثت قريبة جدا من المثال الهندي هذا  وذلك حينما تم تقسيم بعض الشركات العائلية بالتراضي أو بحكم قضائي وتوزعت الخدمات والسلع والوكالات التجارية بين الأطراف أو حتى تكون الشركة قد خسرت بعضا مما كانت تقدمه وتعرف به من أنشطة خدمية وتجارية .

 قد لا يكون التقييم المحاسبي توصل الى أسلوب تقني في إضافة عنصر “الاستقرار”  لأصول الشركات عموما والشركات العائلية منها تحديدا مثلما أضاف في السابق قيمة السمة التجارية كأصل قابل للتقييم ، ويبدو أن هذا هو الذي سيكون التحدي القادم بالنسبة للشركات العائلية التي ستكون قادرة على أخذ عنصر الاستقرار ومأسسته داخل المنظومة الادارية بها وتشكيل هويتها وثقافتها العامة من خلالها وبالتالي إمكانية أن تميز عمن سواها. الشركات العائلية تبحث بقوة عن مكان لها مميز في القرية العالمية ، مكان تستطيع فيه أن تتميز وتلمع وخصوصا وهم يراقبون دولة هائلة بحجم الهند تقود عجلة النمو الاقتصادي فيها مجموعة شركات عائلية مثل آمباني وتاتا وجودريج وهندوجاز وباجاج وغيرهم معطيا الأمل أن التميز ممكن وأن هدف تأسيس قيمة مضافة وبالتالي التميز للشركات العائلية هو هدف مشروع وممكن ولكن يبقى أهمية الابتكار والتفنن في تنفيذ ذلك حتى يكتب للتجربة النجاح والاستدامة. ومتى ما أدركت الشركات العائلية أنها جزء من اقتصاد أكبر وبالتالي عليها تقع مسؤولية التطوير المستدام بقيم مضافة وقتها سيكتب للتجربة النجاح الحقيقي.

 

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 6, 2010

Tags from the story