دور الأعمال الخيرية في تعزيز ترابط العائلة وإعداد الأجيال الشابة

دور الأعمال الخيرية في تعزيز ترابط العائلة وإعداد الأجيال الشابة

دور الأعمال الخيرية في تعزيز ترابط العائلة وإعداد الأجيال الشابة

بقلم باتريك أونيل وبيل مالوي الثالث، من “شركة إم دبليو إم” المختصة بشؤون الشركات العائلية

الغرض من الثروة

ليس الغرض من الثروة خدمة الثروة ذاتها، بل خدمة العائلة والمجتمع. وبحسب رجل الأعمال ومنتج السيارات الأميركي الشهير هنري فورد، فإنّ “أفضل استخدام للمال ليس كسب المزيد من المال، بل استخدام ذلك المال لعمل المزيد من أجل الارتقاء بأسلوب الحياة.” إذا نظرنا للمال من هذا المنظور، نجد أنّ المال بحد ذاته ليس غاية وإنّما مجرد وسيلة لتحقيق غايةٍ ما، والأداة التي يمكن للعائلة من خلالها تحقيق أهدافها، وليس جعل المال بحد ذاته الهدف النهائي.

عندما تفهم وتدرك ماهية وطبيعة ثروة عائلتك ورأس المال البشري والفكري والمادي لهذه العائلة، عندئذٍ تستطيع معرفة كيفية الاستفادة من هذه الأصول والمقدرّات لتوفير قدرٍ من الحرية والمساحة والموارد لكل فردٍ من أفراد العائلة بهدف “عمل المزيد من أجل الارتقاء بأسلوب الحياة.” ويمكن للثروة في حال جرت إدارتها على نحوٍ صحيحٍ وسليم، أن تؤدي إلى تحسين مستواك والنهوض بأفراد عائلتك والمجتمع ككل، فضلاً عن مساهمتها في خلق عالمٍ أفضل على المستوى العالمي وفقاً لكيفية إدارتها والاستفادة منها، بالإضافة إلى كونها مصدر دعمٍ لك ولعائلتك. وينبغي على كل فردٍ من أفراد العائلة أن يعي دور القيم الروحية والأخلاقية للعائلة، لا سيما وأنها تتعلق برسالة العائلة ونظام حكمها وجهودها الخيرية، وأنّ العمل كله متساوٍ بين أفراد العائلة بغض النظر عن المردود المادي الذي يتأتى منه، وكذلك التأكيد والتشديد على أهمية العمل وأثره على تقدير الذات.

الأعمل الخيرية والمحافظة على ثروة العائلة

في البداية، من المهم أن نعي جيداً أنّ ثروة العائلة هي رحلة، أو رحلة لا نهاية لها من الناحية العملية، وبلا جهة نهائية أو نقطة نهاية، بل حلقة مفرغة من الهجرة الجماعية. هذه هي الطبيعة المجردة للوقت والثروة، ولا يمكن تجاهلها أو اعتراض طريقها، فهي رحلة مستمرة ومتواصلة من شأنها أن توفر الدعم المادي والمعنوي للأجيال القادمة، ولكن يجب أن تتم إدارتها والإشراف عليها من قبل العائلة. لا يمكن لمؤسسي شركة عائلية على سبيل المثال اصطحاب كافة أفراد عائلاتهم إلى مكان العمل لتوضيح كيفية تسيير الأمور وإدارتها، لكن يمكنهم بدلاً من ذلك وببساطة القيام بالخطوات الأولى، التي قد يفضي بعضها إلى مساراتٍ سالكة وسياسات واضحة، في حين قد يميل البعض الآخر منها إلى التعقيد، لكن أياً منها لا ينبغي اتخاذه بشكلٍ منفرد. والهدف من هذه العملية هو الحفاظ على ثروة العائلة ورأس المال البشري والفكري والمالي للعائلة على امتداد الأجيال لتحسين ظروف وأحوال أفراد العائلة والمجتمع على حد سواء.

كلنا يعرف العالم جوناس سولك الذي اكتشف لقاح شلل الأطفال ووضع اكتشافه خدمةً للبشرية. في إحدى مقولاته الشهيرة يقول: “إنّ أكبر مسؤولية يمكن أن تقع على عاتقنا هي أن نكون خير سلف.” عادةً من السهل علينا أن نفهم كيف يمكن للمرء أن يكون خير خلف، لكن أن يكون خير سلف فهو أمر نادراً ما نفكر به نحن البشر. والهدف من هذه المقولة هو أن نتعلم عدم حصر تفكيرنا على أنفسنا وإرثنا، بل ننفتح ليشمل الإرث الذي نرغب في تركه للأجيال القادمة والأجيال التي لن نراها أبداً.

دور الأعمال الخيرية في تعزيز ترابط العائلة وإعداد الأجيال الشابة

الحفاظ على تماسك العائلة

ليس الهدف من إنشاء مكتب عائلي خدمة المكتب ذاته وإنّما خدمة أفراد العائلة وإعطائهم الفرصة والمساحة الكافية من الحرية لتحقيق السعادة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على وحدتهم وتماسكهم وفعاليتهم كأفراد ضمن العائلة الواحدة. ومن الطبيعي أنّ بعض الأفراد لن تكون لديهم الرغبة أو الاهتمام في تولي إدارة شركة العائلة أو أمورها المالية، بل سيبرعون في مجالاتٍ أخرى أو يشعرون برغبة تجاه مزاولة أعمالٍ أو قضايا مختلفة.

هناك العديد من الأمثلة والحوادث التي شهدناها أو سمعنا عنها، حول إمكانية نشوب خلافات وانقسامات داخل العائلة الواحدة تسبب بها أفرادٌ من نفس العائلة أثناء سعيهم لسلوك مساراتٍ مختلفة عن بقية الأفراد، وتعلمنا بشكلٍ مباشر أو من خلال دراسة عائلات أخرى كبرى أنّ هذا أمرٌ طبيعي، ولكن هذه الحالات التي لا يمكن تفاديها ينبغي أن لا تترك أثراً سلبياً على بنية العائلة وهيكليتها. ومن الأمور التي يمكنها المساهمة في الحفاظ على تماسك العائلة ووحدتها هي الأعمال الخيرية، في حال جرى تقديمها للعائلة على أنّها مكون أساسي من مكوناتها، فأحياناً نكتشف أنّ أحد أفراد العائلة المستبعدين لديه موهبة أو عاطفةٍ ما تجاه قضيةٍ معينة، وهذا من شأنه تعزيز مكانة العائلة وينبغي التعامل معها على أنها إضافة قيّمة لرأس المال البشري، وزيادة في مجمل ثروة العائلة.

ثمة العديد من الهياكل المختلفة التي يمكن أن تعزز من مكانة العائلات الثرية وتزود أفراد العائلة بمجموعة موحدة من القيم أو الأهداف الفردية التي سيكون من الصعب إيجادها في هيكليات أخرى. وإحدى هذه الهيكليات التي يمكن أن تكون ضرورية لجعل أفراد العائلة يتفهمون هذه الأهداف هو تأسيس لجنة خيرية. فإذا كانت لدى العائلة هيكيلية معينة للتعامل مع الأعمال الخيرية، فهي بذلك تعطي لكل فرد من أفرادها سبباً كافياً وقوياً للافتخار بعائلته وأن يكون جزءاً منها، ذلك لأنّ الأعمال الخيرية تعني المسؤولية والاندماج للأفراد الذين قد يشعرون بأنهم مستبعدين من قبل بقية أفراد العائلة أو يشعرون بأنهم يفتقرون للعب دورٍ هام داخل العائلة. بطبيعة الحال لن يكون كل فرد من أفراد العائلة مسؤولاً عن منصب قيادي أو استثماري أو مالي، وغالباً ما يجد هؤلاء الأفراد معنىً حقيقياً لحياتهم ووجودهم في الأعمال والإنجازات الخيرية العائلية.

 

أداة لإشراك جيل الشباب وتثقيفهم

هناك طريقة أخرى يمكن من خلالها للجهود الخيرية أن تساهم في توحيد العائلة، وذلك من خلال دمج الأجيال الشابة وتثقيفهم بتاريخ العائلة، وتعزيز الإشراف على مختلف الأصول، ورصد النتائج، والعمل على تدريبهم للقيام بدورٍ أكبر داخل العائلة. ويمكن أن تخدم الجهود الخيرية التي تستفيد من ثروات وإمكانات العائلة كأداة تعليمية لأفراد العائلة، من خلال تحديد مواطن القوة وتشكيل وبناء قادة المستقبل داخل العائلة.

وينبغي النظر للتعليم داخل العائلات على أنّه رسم بياني، إذ يمثل المحور الرأسي مستوى التعليم في حين يمثل المحور الأفقي الوقت. وسيظهر هذا الرسم البياني لكثيرٍ من الآباء والأجيال الأكبر سناً على أنّه منخفض نسبياً، حتى يبلغ أبناؤهم منتصف العشرينات والثلاثينات ومن ثم يرتفع بشكلٍ حاد، وهو أمرٌ قريبٌ إلى الواقع إلى حدٍ كبير لأنّه ينبغي على الجيل القادم تعلم الكثير من المعلومات، والتغلب على العديد من التعقيدات في إدارة الثروات وعلى نحوٍ سريع. ولكن هناك طريقة أخرى يمكن إتباعها لتثقيف الأجيال من خلال الاستعانة بأدوات وطرق أخرى، كالأعمال الخيرية مثلاً من خلال تعليم أطفال العائلات الثرية بشكلٍ تدريجيّ مختلف القيم والمسؤوليات المالية، وبهذه الطريقة تتراكم المعلومات والبيانات لدى الأجيال سنةً بعد أخرى فاتحةً المجال أمام حصول عملية تعلم طبيعية وعلى مر الزمن.

دور الأعمال الخيرية في تعزيز ترابط العائلة وإعداد الأجيال الشابة

تاريخ العائلة والشعور بأهميتها.

تكمن أهمية الأعمال الخيرية في أنّها تعلم الأجيال الشابة دروساً مختلفة حول الثروة والقيم وأهمية رد الجميل للغير. ومن هنا يمكن تطوير برنامج منظم بشكلٍ صحيح يبدأ بتقديم لمحة حول تاريخ العائلة وجذورها ومختلف النزاعات والتحديات التي واجهتها العائلة للوصول إلى ما هي عليه. ومن الضروري أن نشعر بالعائلة وماذا يعني أن تكون ضمن عائلة معينة، ومن الأهمية بمكان أن يدرك كل جيل ذلك الأمر لنقله إلى الأجيال المقبلة، وهنا يأتي دور الأعمال الخيرية التي توفر آلية لتحقيق هذا الغرض، فضلاً عن توفيرها منبراً لكافة أفراد العائلة الأصغر سناً، إذ يمكنهم من خلاله فهم القيم الروحية والأخلاقية للعائلة وخاصّة أنها تتعلق برسالة العائلة ونظام حكمها وجهودها الخيرية.

الإشراف على الممتلكات.

يتميز فرد العائلة المثالي بكونه “صاحب مصلحة فعّال” في مقابل “مساهم سلبي”، والفرق بين الاثنين هو في حجم تأثير ذلك الفرد على بقية أفراد العائلة، وكذلك حجم تأثير العائلة على ذلك الفرد. بعبارة أخرى صاحب المصلحة الفعّال هو من يسعى للمحافظة على رأس المال البشري والفكري والمادي لعائلته مع العمل على إضافة قيمة جديدة له وتطويره. وهنا تأتي أهمية إشراك أفراد العائلة الشباب في الأنشطة الخيرية لأنهم يتعلمون دروساً مهمة في كيفية ظهورهم كأفرادٍ فاعلين وبارعين للإشراف على ثروة العائلة وإدارتها، ضمن بيئةٍ يمكنهم أن يتعلموا من خلالها، وبوجود ضغوطاتٍ لتوليد عوائد مالية ليست بالضغوطات الكبيرة كتلك التي تنشأ في مجالاتٍ أخرى من البرامج الإشرافية والإدارية.

قياس النتائج.

في كثيرٍ من الأحيان لا تعمل العائلات على تحديد الطرق التي تعمل من خلالها، بل تعمد بدلاً من ذلك إلى اختيار الاعتماد على رد الفعل والغريزة لتسيير أمورها. وفي حين أنّ هذا النوع من الإدارة التلقائية المندفعة قد ينجح في بعض الأحيان وهذا يتوقف على حظ صانع القرار، إلاّ أنّه يخفق في التوصل إلى قرارات ذكيّة. ومع ذلك، وفي حال تفهمت العائلات والهيئات الإدارية حقيقة التأثير الذي تحدثه تصرفاتها وخطواتها على مجمل النتائج والمخرجات، يمكنها عندئذٍ اتخاذ قراراتٍ حكيمة تحقق الكفاءة والفعالية بدرجة أكبر لو كان الأمر خلاف ذلك. مع العلم أنّ الأعمال الخيرية تشكل خلفية مثالية لأفراد العائلة الأصغر سناً لكي يعتادوا على التخطيط والقياس وتكييف النتائج. وكما هو الحال مع موضوع الإشراف على الثروات وإدارتها كما ذكرنا سابقاً، يساهم قياس النتائج في إيجاد البيئة التي تتيح لأفراد العائلة الصغار التعلم والنمو دون خضوعهم لضغوطاتٍ هائلة لتحقيق النجاح. كما أنّ الأمر يتعلق بأهمية فهم وإدارك فعاليّة وكفاءة الإجراءات والتدابير المتخذة، وإلا لن تسطيع الحكم على صحة وسلامة هذه الإجراءات في المقام الأول، وهو درسٌ قيّم لا بد من غرسه وترسيخه في العقول الشابة.

خاتمة

إذا كانت العائلة تمتلك مجموعة من المعتقدات والقيم الأساسية، ولديها إحساسٌ مشترك بالأهداف، وتدرك أنّ المجموعة أهم وأعظم من الفرد الواحد، عندئذٍ تكون قد قطعت شوطاً كبيراً في تجاوز إحدى العقبات الرئيسية التي كانت تحول دون إستدامتها وإستدامة إرثها. علينا أيضاً أن ندرك أهمية الأعمال الخيرية في المساهمة في تخطي مختلف الصعوبات والعوائق، وعملها كأداة يمكن للعائلة توظيفها لتوحيد أفرادها حول مجموعة من القيم والأهداف وتحسين المجتمع ككل، فضلاً عن أنّها تبرز الاختلافات العادية داخل العائلة الواحدة وتوفر لأفرادها منبراً مفتوحاً يمكن لهم من خلاله العمل على تطوير قدراتهم الإبداعية وتحقيق أهدافهم وشغفهم. وأخيراً، يمكن للأعمال الخيرية المساهمة في دعم وتطوير الأجيال الشابة من خلال تثقيفهم حول تاريخ عائلاتهم، وتعليمهم فنون الإدارة والإشراف على ثرواتهم، وتدريبهم في مجالات الإدارة والقياس وتحقيق النتائج ضمن بيئة مواتية للتعلم، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للعائلة وأفرادها لرد الجميل للآخرين في المجالات الثلاثة وهي رأس المال البشري والفكري والمالي، من خلال استغلال الوقت وتوظيف المواهب ورؤوس الأموال.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 25, 2015

Tags from the story