الأعمال الخيرية في خدمة متطلبات ترابط العائلة

الخيرية

z026_bxp45256h

الأعمال الخيرية  في خدمة متطلبات ترابط العائلة

في الوقت الذي تشير فيه العديد من الدراسات إلى الدور المؤثر الذي تلعبه الشركات العائلية في نمو الاقتصاد وتكوين الثروات، فهناك كذلك إجماع على “فشلها” المتكرر في إدارة عملية الانتقال إلى الجيل الثالث ، تتطلب استدامة الشركة العائلية في الظروف الحالية وأكثر من أي وقت مضى اهتمامنا وخاصة لوجود -بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية- أزمة قيم وعلى وجه التحديد تلك المتعلقة بريادة الأعمال والتجديد. بإمكان الأعمال الخيرية التحول إلى أداة رائعة لنقل الإرث الاقتصادي والأخلاقي للشركة العائلية بشرط استخدامها بأسلوب منظم واستراتيجي. في هذا المقال، يتناول فيليب دي بورتر الأمين العام لبنك لوكسمبورج ورئيس الخدمات الخيرية به كيف يمكن للأعمال الخيرية تعزيز الترابط داخل العائلة وبالتالي تقوية نموذج الشركة العائلية.

 

رواد الأعمال – القائمون بالتغيير

تخطى مفوم الأعمال الخيرية قالب الأفعال البسيطة المتسمة بالكرم والمنح غير المتكررة ليصبح رغبة في إحداث فرق ونشاط استثماري على المدى البعيد. وأكثر من أي وقت مضى، تتطلب الأعمال الخيرية السمات التي يمكن لرواد الأعمال التحلي بها لمواجهة التحديات المفروضة مثل تقديم استجابات مبتكرة لمشكلات قائمة، وتحديد الاحتياجات الجديدة وابتكار طرق مستدامة للتعامل معها، وإحداث تأثير قابل للقياس.

يتطلب التفكير في الأعمال الخيرية علاوة على ذلك كأداة قوية لترابط واستمرارية العائلة المزيد من الشرعية نظرًا لأن رواد الأعمال عادة ما تتوافر لديهم قدرة غير عادية على تحفيز التغيير. لكن مثل هذه الطريقة تتطلب التسليم بأهمية الجوانب الانسانية في تشكيل ديناميكيات الشركات العائلية.

أداة رائعة للتعلم وإدارة الخلافة

عادة ما يُـثار التساؤل حول الالتزام بالأعمال الخيرية في أثناء التخطيط لتوزيع الإرث وعلى الأخص عند ترك الشركة للجيل التالي. وأحد المخاوف الرئيسية في هذا الإطار هو كيفية تخليد الإرث العائلي من القيم الاقتصادية والأخلاقية، ودور الأبناء والمنتفعين في هذا الإطار.

وقبل تناول بعض الحالات المحددة من خلال بعض النماذج الواقعية، من المفيد النظر إلى بعض الدروس الرئيسية المستوحاة من أفكار وتجارب في الأعمال الخيرية العائلية. بدءًا من الدور الفعال الذي تلعبه الأعمال الخيرية العائلية في الربط بين الأجيال؛ حيث تتيح الأعمال الخيرية للآباء تزويد أبنائهم بخبرات تعليميةمتعلقة بمشروع ومواقف حقيقية، مثل…

مشاركة مواردهم بمعناها الشامل من خلال إدراك قيمة المال،

التعاون واتخاذ القرارات المشتركة في إطار يختلف عن إطار العمل،

تنمية الاحترام للآخرين ولقيم العائلة  و الذي  يكون من الأفضل تحديدها أو مراجعتها  قبل البدء،

تولي مسئوليات مختلفة والمشاركة الشخصية في القضايا المتعارف (أو غير المتعارف) عليها في العائلة بهدف إحداث أثر حقيقي عليها.

تقدم هذه الجوانب فرص لتشكيل الشخصية وتساعد على تدعيم الروابط بين أفراد العائلة.

في الوقت الذي قد يُنظر فيه إلى الأعمال الخيرية  كواجب، فإنها تقدم كذلك فرص للتفاعل في إطار مختلف، والانفتاح على الاختلاف، وإعادة صياغة أسلوب التفكير القائم، وأهم من كل هذا إدراك التأثير المترتب على ما تم القيام به. والنتيجة الطبيعية لهذا هي المسئولية والتي تتضمن اعتبار الأعمال الخيرية كاستثمار أكثر من مجرد كونها منحة، والتعامل معها برؤية استراتيجية.

لا يوفر الأسلوب الاستراتيجي ضمانات لنجاح نتائج المشروع فحسب، وإنما يساعد كذلك -في البداية- على تشكيل الأهداف الاستثمارية والعائلية. وعند توظيف الأعمال الخيرية على هذا النحو، يكون بوسعها “خدمة” مصالح من بادر بها وحرص على القيام بها. يحضرني هنا اثنتين من القصص الواقعية التي توضح كيف يمكن للأعمال الخيرية ضمان النجاح لكلا الطرفين.

z026_bxp64162h

تخليد الإرث والقيم العائلية

عندما حان الوقت لتسليم دفة قيادة الشركة التي أسسها والداها، أدركت مالكة الشركة (السيدة “م”) عدم رغبة أو مقدرة أي من ابنائها الثلاثة على حمل الراية ومواصلة المسيرة. وعلاوة على خيبة الأمل هذه، كان لدى السيدة “م” مخاوف حول الخسارة التدريجية لقيم الشركة والتي كانت السبب الرئيسي لنجاحها في المقام الأول. ولم يكن خيار بيع الشركة من الخيارات المطروحة كذلك. ومن منطلق إدراكها لحظوظها الجيدة لامتلاكها وسائل الارتقاء بشركتها، أعلنت السيدة “م” عن رغبتها في تقديم يد المساعدة للشباب الطموح والجدير بهذه المساعدة للوقوف على أقدامه في مجال الأعمال.

وقد أسفرت سلسلة من الاجتماعات عن مشروع إقامة وقف بوسعه الاشتمال على هذه الثوابت. وعلى عكس كل التوقعات، كان النموذج الذي تم اختياره في النهاية هو وقف مؤسسي حيث لم يكن الدور الرئيسي للوقف ترويج العلامة التجارية للجمهور الخارجي، وإنما كان الهدف في الأغلب تعزيز مشاركة ارتباط الموظفين بالشركة من خلال الجمع بينهم في مشروعات لها تأثير اجتماعي. بينما قد يكون هذا الأسلوب غير مسبوق في شركة مدرجة بسوق الأوراق المالية أو في شركة لها قاعدة كبيرة من حملة الأسهم، فإنه يصبح وثيق الصلة بدرجة كبيرة في إطار الشركات العائلية عندما -مثلما هو الحال هنا- تكون القضايا التي يدعمها الوقف  مستوحاة و مبنية على قيم الشركة كنقطة البداية. و يتم تجسيد ومساندة هذه القيم من خلال هذا الوقف.

وبالإضافة إلى هذا، وافق أبناء السيدة “م” على الانضمام لمجلس إدارة الوقف، وهو ما ضمن تواجد العائلة بالشركة وضمان الالتزام بالقيم التي قاموا بتحديدها معًا. وهم الآن يجتمعون في أوقات مختلفة من العام لتقرير كيفية إنفاق الدخل المجمع من الوقف. ومن جانبها، بدأت السيدة “م” في دعم الشباب الصغير وهو الذي كان هدفها الأساسي  واثقة  بأن الشركة ستواصل المسيرة كما بدأها مؤسسيها.

لم شمل الأبناء من خلال مشروع مشترك

ومع ذلك، قد لا يكون الوقف المؤسسي الحل المناسب دائمًا، فمن الممكن كذلك القيام بالأعمال الخيرية العائلية من خلال وقف “شخصي”. وهذه هي الكيفية التي حققت بها العائلة “ج” رغبتها في الفصل بين الهيئتين والحفاظ على سرية أفعالها.

أحرز السيد “ج” نجاحًا كبيرًا في تأسيس وتنمية شركته. و كان يرغب في مشاركة ثروته مع المحتاجين وتقوية الروابط بين أبنائه و الذي كان المخطط أن يتولى اثنين منهما مناصب إدارية عليا بالشركة.

وقد عُهد إلى أختهما، والتي كانت قد اختارت عدم الانضمام للشركة، مهمة إدارة الوقف. وقد قبلت بالمشروع وبدأت برسم مخطط لقيم العائلة. وسرعان ما توسع هذا ليضم نموذج لحوكمة الوقف من أجل أفراد العائلة والذي لا يتعلق بالعمليات اليومية الخاصة بالشركة. بالنسبة للأبنة، كان المشروع يمثل فرصة لتأخذ مكانها بجوار أخويها في إطار كان جديد على الجميع ولكن الأموال العائدة على الشركة جعلت كل هذا ممكنًا. و ضمنت الروابط القوية التي تكونت بين أبناء السيد “ج” بقاءهم على رأس الشركة. علاوة على هذا، رغب جميع أفراد العائلة في التأكد من تغطية قواعد الحوكمة لعملية التحاق أولادهم وأحفادهم بالوقف، مما ضمن استمرارية المبدأ والمشروعات القائمة.

ريادة الأعمال الاجتماعية و تأثير الإستثمار

بالإضافة إلى المنح والأوقاف التي كثيرًا ما تكون الآلية لمثل هذه الأعمال الخيرية، فهناك نماذج أخرى من المشاركة متاحة للعائلات التي ترغب في تشجيع روح ريادة الأعمال وتأسيس النشاط التجاري. شبكات ريادة الأعمال الاجتماعية مثل أشوكا ومؤسسة سكول ومؤسسة شواب تميّز رواد الأعمال الذين اختاروا استخدام مواهبهم ورؤيتهم لخدمة القضايا الاجتماعية والبيئية. ويكون هدفها تقديم استجابة مبتكرة يمكن تقليدها على نطاق كبير (فكرة منظومة) وتمويلها ذاتيًا على المدى المتوسط. و تكون تلك الشبكات بمثابة الجسر الرابط بين عالم الأعمال الخيرية وعالم المؤسسات والأعمال، وهذا هو السبب في اجتذابها لرجال الأعمال الذين بالإضافة إلى تقديمهم الدعم المالي، يمكنهم تقديم الوقت بل ومشاركة خبراتهم مع المدشنين لهذه المشروعات.

تحتاج المؤسسات الاجتماعية التي يتم إنشائها من خلال هذه المبادرات إلى تمويل منتظم لكي تنمو وتزدهر. وهذا هو دور “استثمار المسئولية الاجتماعية”. يجمع استثمار المسئولية الاجتماعية هذا بين العديد من الأساليب المالية المصممة لجمع الأموال اللازمة لهذه المشروعات. فعلاوة على القروض والرهونات في حالة المؤسسات الاجتماعية مثلا، نلحظ ظهور الاستثمارات المباشرة وحقوق المساهمين. وفي مجال آخر مرتبط ومعروف (تمويل المشروعات الداعمة للدخل) تأتي تحديات -مثل العائد الاستثماري- في نهاية الأولويات مثلما هو الحال في استثمار المسئولية الاجتماعية. عند اتخاذ القرار بشأن الاستثمار في هذه الآليات والذي عادة ما يكون من خلال صناديق تمويل الاستثمارات المجمعة، يشارك المستثمر في إنشاء و/أو تنمية مؤسسة جديدة (بالمعنى الشامل للمصطلح) والتي تمثل مخاطرة ولكنها في الوقت ذاته فرصة لتحقيق أرباح.

إن هذه النظرة العامة الموجزة غير مكتملة كما يتضح من تسيمتها، فهدفها هو توضيح كيف يمكن استخدام الأعمال الخيرية لتدعيم الترابط العائلي وترسيخ نموذج الشركة العائلية. ومن أجل هذا وللقضايا والمشروعات المترتبة عليه، يجب أن تكون الأعمال الخيرية جزءًا من أسلوب منهجي يتم تطبيقيه حسب ظروف كل عائلة حيث تختلف كل عائلة عن الأخرى لكن الاستجابات التي تقدمها الأعمال الخيرية متعددة ومتبانية على النحو ذاته.

فيليب دي بورتر

 الأمين العام لبنك لوكسمبورج

 رئيس خدمات الأعمال الخيرية ببنك لوكسمبورج

لوكسمبورج

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 6, 2010

Tags from the story