مصرف سويسري خاص يحمل طابع الشركات العائلية : بكتيه آند سي

بكتيه

تاريخ بكتيه  آند سي

تم تأسيس المصرف السويسري الخاص بكتيه آند سي منذ أكثر من 200 عام مضت في سنة 1805 في قلب مدينة جنيف العريقة بسويسرا. ويُعد الآن واحداً من أكبر المصارف الخاصة في سويسرا وأبرز المؤسسات المستقلة المتخصصة في إدارة الأصول في أوروبا. ترجع التسمية الحالية للمصرف إلى عام 1926، ويقوم على ملكية وإدارة المصرف ثمانية شركاء رئيسيين. بالرغم من عدم إمكانية تصنيف المصرف بأي حال من الأحوال كمؤسسة عائلية نظراً لهيكل حوكمته الواضح، إلا أنه عند النظر عن قرب على مصرف بكتيه آند سي يمكن ملاحظة أنه يحظى منذ بداية إنشائه بطابع الشركات العائلية المميز.

عند تأسيس هذا المصرف الخاص في بداية القرن التاسع عشر، كان يُسمى “بنك دي كاندول مالي آند سي” على اسم الشابين الذين قاما بتأسيسه والمشاركة في إدارته: جاكوب ميشيل فرانسوا دي كاندول وجاك هنري مالي. كانت الرؤية المبدئية للمصرف هي “التجارة في البضائع والأدوات من كل الأنواع وجمع المخصصات السنوية والمضاربة في السلع”، إلا أن سرعان ما بدأت خدمات المصرف تتركز على مساعدة العملاء في شؤونهم المالية والتجارية بالإضافة إلى إدارة ثرواتهم. وإلى الآن يُبقي المصرف على هذه الخدمات كأنشطة أساسية له.

Archives6e_048_6_RUE_DIDAY

بالرغم من أن مصرف بكتيه آند سي لا يعتبر نفسه مؤسسة عائلية، فعند النظر إلى تاريخه يتضح تعاقب أفراد العائلة على هذه المؤسسة المالية و بالتالي غرسهم لمبادئ الولاء العظيمة وتدعيماً لرؤيتهم المشتركة لمستقبل المصرف. في الواقع يرتبط ماضي المصرف وحاضره بإنجازات بعض الأفراد المميزين الذين هم غالباً، وليس دائماًما يحملون نفس اسم العائلة:

بعد تأسيس المصرف في عام 1805، كان أول فرد من عائلة بكتيه يعمل به هو ابن أخت زوجة المؤسس جاكوب ميشيل فرانسوا دي كاندول: إدوارد بكتيه. استمر عمله بالمصرف أكثر من 37 سنة حتى عام 1878. عندئذ كان قد تغيّر اسم المصرف ليُصبح  “إدوارد بكتيه آند سي”. في الفترة بين عام 1890 والحرب العالمية الأولى، استمر المصرف في النمو وكان يعمل به أكثر من 80 موظف. كان الشريك في ذلك الوقت هو إرنست بكتيه والذي خلفه ابنه الثاني جويلويم بعد وفاته المفاجأة في عام 1909. كان جويلويم محباً للترحال وقد أضاف قيمة كبيرة بإقامته شبكة للمصرف في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية، وهو بدوره خلفه ابنه الأكبر أيمون بكتيه و الذي ما لبث أن تحول إلى عالم السياسة. في عام 1926، تمت إعادة تسمية المصرف باسمه الحالي “بكتيه آند سي”. جاء من بعد ايمون ابنه عمه ألبرت بكتيه  في الفترة العصيبة سنة 1928 تقريباً  حيث قاد البنك في مواجهة الأسواق بعد الحرب العالمية الأولى وأثناء فترة الكساد العظيم . تم تعيين بيير لومبارد كشريك في المصرف بعدها بعام واشترك في مهمة مواجهة التبعات الكارثية لسنوات الكساد وحرب عالمية أخرى كانت تهزّ كيان و تهدّد استقرار قارة أوروبا بأكملها. خلال تلك الفترة العصيبة، تم تعيين ألكسندرفان بيركيم بالمصرف ليحفر لنفسه مكانة في تاريخه بصفته الرجل الذي يرمز إلى الانتقال إلى مرحلة ازدهار ورخاء ما بعد الحرب. لقد كان ألكسندر أول فرد بالمصرف يبادر نحو العولمة وإقامة أفرع للمصرف في الخارج. كان معظم العملاء من أصول أوروبية وسويسرية حتى عام 1945 عندما بدأ مصرف بكتيه  آند سي في تقديم خدماته لعملاء من جميع أنحاء العالم. بعد ذلك  سادت فترة تحسن  كبير وسنوات عديدة من النمو والازدهار. مثلما كان الحال عليه في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت جنيف خلال فترة الحرب الباردة مركزاً دبلوماسياً ومالياً وهو ما عاد بالنفع على القطاع المصرفي في البلاد. في الفترة بين 1980 و2005، زاد حجم بكتيه آند سي بدرجة كبيرة وزاد عدد العاملين فيه من 300 إلى أكثر من 2000 موظف. في 2010، تقاعد إيفان بكتيه -الذي كان واحداً من سلسلة طويلة من أجداده الذين عملوا في المصرف-  من منصبه كمدير شريك أوّل لمصرف بكتيه آند سي وخلفه جاك دي سوسر الذي عمل بالمصرف منذ عام 1980.

20091208_0048

حالياً، يرمز مصرف بكتيه  آند سي إلى عائلة وصناعة يرجع تاريخهما إلى أكثر من 200 عام. يوجد المقر الرئيسي للمصرف إلى يومنا هذا في جنيف، لكنه توسّع في جميع أنحاء العالم بنشر أفرع له في برشلونة وبازل ودبي وفلورنسا وفرانكفورت وهونج كونج ولوزان ولندن ولوكسمبورج ومدريد وميلانو ومونتريال وناسو وباريس وروما وسنغافورة وتورينو وطوكيو وزيورخ. ، شقّ بكتيه  آند سي طريقه عبر قرنين من التحديات الاقتصادية والسياسية وذلك من خلال حرصه والتزامه بقيمه وأنشطته التجارية الأساسية ، وتشير كافة الدلائل و المؤشرات على مواصلته للدرب محافظًاً على تقدمه للأمام على الدّوام.

مقابلة مع جاك دو سوسور، شريك ومدير أول

_MG_6561_schiller_myimage

بيكتيه آند سي، سويسرا

في 2010، تم تعيينك في منصب مدير شريك أول بمصرف بيكتيه آند سي. هل يمكنك إطلاعنا على المزيد حول المسار الذي أدى إلى التحاقك بالعمل في هذا المصرف العريق؟

لتوضيح هذا الأمر، يجب عليّ الإشارة إلى تاريخ عائلتي. أنا من عائلة عريقة في جنيف وأكثر ما تشتهر به هو العلماء الذين حملوا اسمها على مدار السّنوات الماضية. كانت مدينة جنيف على الدوام مكاناً للتواصل بين العلماء والفنانين والعاملين في مجال الشؤون المالية. كان والدي هو أول فرد من عائلة دو سوسور يعمل كمصرفي وقد أصبح شريكاً في بيكتيه  في عام 1960، الأمر الذي كان -كما يتّضح لك- له أكبر الأثر على قراراتي. علاوة على هذا، كان جدي من ناحية أمي، يمتلك مصرفاً خاصاً في بلدة صغيرة بالجبال، و كان قد تم تأسيسه من قِبل والده. أضف إلى هذا، أنا حالياً مقيم في منزل عائلتي والذي تم بناؤه منذ ثلاثة عقود مضت على يد أحد الأجداد والذي كان يعمل مصرفياً كذلك. لقد كان هذا عندما كانت فرنسا قوة عظمى والمصرفيون في جنيف هم خبراؤها الماليون. وبالتالي، كان القرن الثامن عشر فترة ازدهار جنيف، حيث كانت المدينة في أوج مجدها نظراً للأهمية البالغة التي اكتسبها صنّاع السّاعات والخبراء المصرفيين تحديداً. وفي الوقت ذاته لعبت المدينة كذلك دوراً رئيسياً في مجالات الفنون والعلم. مثلما كان الحال في عائلتي أيضاً، حيث كان هناك دائمًا علاقة قوية ومتبادلة بين التوجّهين، لأنه إذا كان هناك تاجراً أو مصرفياً في العائلة فهذا يعني أن الأفراد الآخرين يمكنهم تكريس أنفسهم بحرّية للفنون والعلم. أعتقد أنه من المهم تحقيق هذا التوازن بداخل العائلة بحيث لا تقتصر على أفراد معنيين بالأعمال فحسب وإنما تضم كذلك أفراد لهم إسهامات في المجتمع وإن كانت على نحو مختلف.

بالطبع تأثّر تطوّر شخصيتي بهذه الخلفية التاريخية العريقة وبتاريخ عائلتي. لقد درست العلوم لأنني اعتقدت أنها الوسيلة المثالية للتدبر في الكون ونظراً لأن العلماء في العائلة كانوا أكثر شهرة من أي مصرفيّ على مر التاريخ. هل تعرف أن المصرفيين غالباً ما ينساهم الناس تماماً بعد جيل أو اثنين لكن تظلّ ذكرى الفنانين والعلماء باقيةً ومحفورةً؟ وهكذا، قمت بدراسة العلوم في المعهد الاتحادي للتقنية والهندسة في سويسرا. وبعد فترة بدأ جانب آخر من شخصيتي في الظهور وهو الميل لمجال المالية تحديداً والاقتصاد، ولذا قررت أن أفضل طريقة للربط بين الجانبين هو دراسة الأعمال في محيط علمي، ومن هنا كان قراري بالالتحاق بمعهد ماساتشوستس للتقنية MIT. لقد كانت تجربة مبهرة لأن الأساتذة والمعهد كانوا في غاية الروعة. لقد التقيت هناك بأناس وعقليات لامعة ومبهرة. إن امتلاكي لهذه الخلفيّة غير المعتادة مفيد في عملي بالمصرف، أولً وقبل كل شيء لأنها ما يميّزني عن الآخرين. ففي أي مجال عمل، دائماً ما يسعى المرء للتميّز عن الآخرين.

ما هو أول منصب شغلته عند بدء العمل بالمصرف؟

عملت لعدّة سنوات كمدير للمنتجات في قسم الأنشطة الصّناعيّة. ربما كانت دراستي العلمية أكثر أهمية عندما شغلت ذلك المنصب بالتحديد نظراً لإن تكنولوجيا المعلومات دخلت في مجال الصيرفة وأصبحت أداة رئيسية ، وغدت الكيفيّة التي تتم بها إدارة وتحليل الأسواق والتجارة على درجة كبيرة من التقنيّةوالأسلوب العلميّ.

إذا قُدّر لي الرجوع بالزمن وسلوك منحى مختلف، فسوف أمضي المزيد من السنوات في العمل بمؤسّسات أخرى خارج شركة العائلة. فقد عملت بعد تخرجي في شركة صغيرة للأبحاث والاستشارات بمدينة نيويورك لمدة سنتين تقريباً ثم حصلت على عرض للعمل في مصرف جولدمان ساكس. ومع ذلك، اعتقدت أنه قد يكون من الأفضل الرجوع للعمل بشركة العائلة. في الوقت الحالي، نحن نحثّ الجيل الشاب على تطوير وتنمية مهاراتهم خارج الشركة قدر الإمكان. يعدّ البقاء خارج شركة العائلة حتى سن 33 أو 35 أمراً رائعاً لأنه كلما زاد ما تتعلّمه بالخارج زادت الخبرة التي يمكنك أن تعود بها وأن تجلبها إلى شركة العائلة فيما بعد.

_MG_6711_schiller_myimage

يحظى نموذج القيادة بمصرف بيكتيه بالكثير من الاهتمام والشهرة. ما هي بالتحديد مميزاته ولماذا تعتقد أنه الاختيار الأفضل للمستقبل؟

ما يميّزنا هو حرصنا منذ البداية على الجمع بين الملكية والإدارة في بوتقة واحدة. يتميّز هذا الجمع بين الإدارة والملكية بتقليل النزاعات والمصالح المتعارضة؛ حيث يتم اجتناب النزاعات التقليدية التي قد تحدث بين المالكين والمدراء والخلافات التي تنشب عادةً بين الموظفين والمدراء نظراً لأن مصالح جميع الأطراف والمصالح تسير في نفس الاتجاه. فنحن نجتمع مع موظفينا يومياً ونقيم معهم علاقات وطيدة بعيدة المدى وكذلك الأمر مع عملائنا. يجب أن تأتي مصالح العملاء أولاً لكننا نجد الكثير من المؤسسات الأخرى التي تفتقر الى التّرابط بين المالكين والإدارة والعملاء، وهو ما نجحنا في اجتنابه بفضل نظامنا في العمل وامتلاكنا لهذا الأسلوب من الإدارة.

لقد قمنا، بصفتنا المالكين وفي نفس الوقت فريق الإدارة التنفيذي باتباع نظام خاص بحيث نجتمع كل صباح. يزيد هذا الجمع بين صفة الملكيّة والإدارة في نفس الوقت من سرعة اتخاذ القرار بدلاً من الاضطرار إلى تمرير المعلومات لأعلى ولأسفل داخل الهيكل المؤسسي، وبالتالي يشاركنا موظّفينا أفكارهم وأسئلتهم مباشرة و يمكننا الاستجابة سريعاً. نحن على درجة من المسؤولية ونتحمل تبعات قرارتنا وندرك ما نريد القيام به كما ندرك المخاطر التي نواجهها ونريد القيام بها ومتى نريد القيام بها؛ نحن لسنا مرؤوسين لأحد.

إنه نموذج رائع إلا أنه يعتمد كثيراً على الأفراد. يمنح هذا النموذج امتيازات للشركاء ولكن فوق كل هذا يخصّهم بالواجبات ويحمّلهم المسؤوليات. بالإضافة إلى هذا، فعلى الرغم من شرائهم لحصص في الشركة بالقيمة الدفترية، فهم بالمثل يتركونها بالقيمة الدفترية أيضاً، الأمر الذي لن يرغب الكثير من المدراء التنفيذيين بالقيام به. يُسمح لغير المنتمين إلى العائلة الحصول على حقوق الشراكة كذلك، ولعل هذا يعتبر من أحد الجوانب الأساسية التي تميّزنا عن معظم الشركات العائلية الأخرى. ومع ذلك، نحن نؤمن بأن العنصر البشري في الصناعات الخدميّة هو الركيزة الرئيسيّة لنجاحها.

لقد ذكرت للتو الاجتماعات اليوميّة للشركاء. هل يمكنك اصطحابنا إلى ما وراء الكواليس واطلاعنا على الغاية الأساسية من هذه الاجتماعات؟

تضمن هذه الاجتماعات تبادل المعلومات بين الشركاء. ففي كل مرة يحدث فيها أمر ما أو تظهر حالة خاصة، يكون من المهم لنا الإلمام بالقرارات الرئيسية التي سيتم اتخاذها وخاصة في موقفنا حيث نتشارك مسؤولية غير محدودة عن ميزانيات المصرف. وبالتالي، أنت من ناحية تريد التأكّد من عدم عمل موظّف بمعزل عن الأخرين وأنه ليس هناك من يقوم بأشياء لا يفترض به القيام بها أو يشعر بضرورة عدم التحدّث مع أي موظف آخر عنها. هذه الاجتماعات أيضاً لها أثر جانبي مهم، وهو تعزيز الانتقال السلس للمؤسّسة فيما بين الأجيال. عاصرت على مدار 25 سنة كبار الشركاء وهم يتخذون القرارات يومياً، وهو ما ساعدني على القيام بمهام منصبي الحالي. لدينا اثنين من الشركاء الشباب تم اختيارهما بعد تقاعد إيفان بيكتيه في العام الماضي، وهما يشاركان في هذه الاجتماعات يومياً ويمكنهما رؤية كيفية اتخاذ القرارات. وبالتالي عندما يواجه المدراء مشكلة في مجال تخصّصهم، سيمكنهم مناقشتها يومياً. تساعد هذه الاجتماعات على إيجاد مشاركة لوجهات النظر وإرساء ثقافة مؤسسية وصياغة رؤية للمؤسسة. علاوة على هذا، لا نحتاج إلى الحصول على استشارات خارجية بشأن استراتيجيتنا: في الواقع، نحن نضعها يومياً وتدريجياً بخطوات صغيرة، فهي عمليّة متواصلة نحرص على القيام بها ومتابعتها.  هناك ميزة إضافية لهذا النظام بالنسبة للشريك الأول (الأعلى)، وهو عدم شعوره بالوحدة التي عادةً ما يفرضها منصب كهذا، مثلما هو الحال بالنسبة للمدراء التنفيذيين، أو الشعور بوجود منافسة مع الآخرين والذي قد يُلاحظ وجوده في الأنظمة الأخرى.

هل تعتقد أن هذا يساعدكم كذلك على التكيّف سريعاً مع التغيّرات المطلوبة؟

نعم، بالتأكيد. ومع ذلك، فإن عمليّة اتخاذ القرارات تكون من خلال عملية شديدة التأني والحرص. أنا اتذكر اضطراري ذات مرة إلى تصحيح عروض تقديمية في اجتماعاتنا أكثر من مرّة إلى أن نالت رضا الجميع. في النهاية يكون القرار النهائي أفضل دائماً من الاقتراح المبدئي لأنه يكون قد مرّ بهذه العملية. لدينا ثقة كبيرة للغاية في ثقافة العمل الجماعي بمؤسستنا، فهذه هي الطريقة التي نعمل بها في قمّة المؤسّسة: الكثير من العمل الجماعي والكثير من القرارات الجماعية واتفاق كامل على القرارات التي يتم اتخاذها.

بالنظر إلى عدد أفراد العائلة العاملين بالمؤسسة، هل ما زال بإمكانك اعتبار مصرف بيكتيه  آند سي شركة عائلية؟

يتم اختيار الشركاء بالأساس من خلال اقتراع يصوّت فيه الشركاء الموجودين والذي يُعد تقريباً شرطاً قانونياً (سيتم النظر فيه) وفقاً للقوانين السويسرية. يحقّ التصويت للشركاء الموجودين أصلاً فقط وليس للعائلات وهو ما يساعدنا على تجنّب محاباة الأقارب. على سبيل المثال، لدينا قاعدة مفادها أنه إذا كان أحد المرشحين المحتملين الجدد تجمعه صلة قرابة بأحد الشركاء الموجودين، فعلى هذا الشريك الانسحاب من المناقشات والتصويت. من المثير للاهتمام، أننا ما زلنا نفضّل وجود الموظفين الذين يجمعهم رابط قوي بالعائلة. ويرجع هذا لعدة أسباب ومنها  بالطبع الجانب المالي. على أية حال، يشكّل المصرف بالنسبة لنا مؤسّسة رائعة، ولهذا نرغب في رؤيته في أيدى أحبائنا وأقاربنا. الأمر أشبه بوجود هذا الهيكل من التقاليد والرؤى على المدى البعيد، وعندما يتواجد معنا موظّف ربما يكون قد عمل عمّه أو جدّه في المؤسّسة وظلّ اسم عائلته بها لعدة أجيال متعاقبة، فهذا يمنح المرء شعوراً بالمسؤولية عن هذا التراث كما هو الحال تحديداًبالنسبة للموظّفين الذين يحملون اسم العائلة. يحبذ عملاؤنا رؤية هذا التقليد كثيراً لأنه يعزّز شعورهم بالانتماء إلى الشركة والارتباط بها كما أعتقد أنه مهم بالنسبة للموظفين أيضاً. لعل الأمر راجع إلى أنه في مكنون وتركيبة الحمض النووي لكل البشر يوجد هذا الارتباط بالعائلات والقبائل والمجتمعات.

شهد فرانسوا دي كاندول وجيلوم بيكتيه  في أربعينات القرن الماضي أزمة مالية مما أدى إلى اتخاذهما إجراءات حذرة تجاه الخدمات التي يقدّمها المصرف. في الوقت الراهن، نحن نعيش مرة أخرى فترة ما بعد الأزمة. كيف يرى مصرف بيكتيه نفسه في هذا السياق الاقتصادي الجديد؟

يجب أن ندرك أن معظم المصارف في جنيف يرجع تاريخ تأسيسها إلى الفترة بين 1798 و1815 وهذا نظراً لانهيار جميع المصارف السابقة مع الإعلان عن عجز المملكة الفرنسية عن الوفاء بالديون المستحقة في عام 1792. في الوقت الراهن، لا أعتقد أن الأزمة التي نشهدها أزمة هائلة بالمعنى المعتاد للكلمة وإنما بالأحرى هي تعديل في الدورة الاقتصادية كان متوقعاً منذ فترة طويلة. بالطبع إن التّبعات في هذه المرة هائلة نظراً لتحوّل موازين القوى والسّيطرة من الولايات المتحدة إلى القارة الأسيوية ودول مثل البرازيل. لم تصل هذه الأزمة إلى نهايتها بعد بالتأكيد لأنها تحدث ضمن تغيّر هيكلي ضخم يتعاقب على العالم كل قرن. وفيما يتعلق بمصرف بيكتيه، من الطبيعي أننا سوف نعمل باستمرار على تعديل نموذج أعمالنا وفق الظروف المتغيّرة، ومع ذلك يجب التأكيد على أن القيم الأساسية لما نقوم به ظلّت دائما ثابتة كما هي بدون تغيير! لقد اختلفت طبيعة عملائنا على نحو كبير، ولا يقتصر هذا على فترة 200 سنة هي عمر المصرف وإنما حتى على خلال الفترة التي عايشتها وعملت بها في المصرف.  عندما بدأت العمل في المصرف –على سبيل المثال- كانت إدارة الأصول في مراحلها الأولى بينما هي الآن تمثّل نصف أنشطتنا. في الواقع، لقد قمنا بتغيير وتوسعة أنشطتنا الرئيسية لكن مبادئنا ظلت دائماً كما هي ولم تتغيّر. ومن هذا المنطلق يمكن القول أننا على أهبّة الاستعداد للمستقبل وما سوف يفرضه من تحدّيات.

تكمن فائدة ما نقوم به في التوزيع الجّيد للأصول والاستثمار الذكي لثروات عملائنا بحيث نوفر لهم عنصر الأمان سواء كان هذا من أجل معاشات تقاعدهم أو لتمكينهم من نقل ثرواتهم إلى أولادهم. بالنظر إلى بعض الدول، يمكنني القول أن سوء التوزيع لرؤوس الأموال بها أمر مفزع للغاية. إنه لأمر محبط رؤية حجم الإنفاق غير المبرّر وغير المنطقي. من منظور بيكتيه، يمكن تحسين هذه الجزئية بواسطة تقديم اقتراحات إلى بعض الحكومات الحالية المفوّضة لتحويل عملية توزيع مواردها للاستفادة منها على نحو أفضل. قد تعود هذه الخطوة بفائدة اقتصادية هائلة على هذه الحكومات. ومع ذلك، ففي نهاية الأمر لا يمثّل توزيع الموارد سوى مرحلة واحدة من الحل، لأننا على يقين أن التّعليم وحده هو ما يمكنه تحقيق الازدهار والنّماء للدول.

افتتح مصرف بيكتيه أفرعاً ناجحة له في آسيا والشرق الأوسط. ما هي رؤيتك لكيفية تطور تواجدكم العالمي مستقبلاً؟

من الواجب هنا ذكر أن وجود مقرّنا الرئيسي في سويسرا يمثل قيمة كبرى نظراً للاستقرار السياسي بالبلاد وكذلك الحوكمة المالية المتّبعة بها. في الوقت ذاته توجد لنا أنشطة واستثمارات في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الشرق الأوسط. ومن الرائع تقديم خدماتنا هناك نظراً لأن الكثير من رجال الأعمال الناجحين بالمنطقة هم عملاء لدينا ومن المبهر رؤية ما لديهم من قدرات وإمكانيات وابتكارات. لقد رأينا أن وجود خبراتنا في الدول الناشئة ينتج عنه مكاسب إنتاجية رائعة وقد يحقق نمواً هائلاً لهذه الدول، وهذا ما حدث بالنسبة للصين والهند على سبيل المثال، كما أؤمن  بإمكانية حدوث هذا في العالم العربي أيضاً مستقبلاً. دعنا لا ننسى أن العالم العربي قاد العالم في العصور الوسطى وكان حلقة الوصل بين أوروبا والهند وما زال يلعب دورأ رئيسياً إلى الآن. عندما ترى طاقة هذا الجيل الناشئ من الشباب العربي تشعر بوجود أأملاً كبيراً والكثير من القدرات الكامنة.

يمكننا ملاحظة أن الشركات العائلية في جميع أنحاء العالم تلعب دوراً رائداً في تطوير الحوكمة السليمة وحسّ المسؤولية، فعند ارتباط اسم المرء بشركة ما يكون حريصاً على استمرارية هذه الشركة وكذلك حتى يضمن لأولاده حياة كريمة فيما بعد وهذا أهم ما في الموضوع. وهذا. يتميّز الوطن العربي بهذه الجزئية تحديداً لأن الروابط العائلية وثيقة وقويّة بين أفرادها وهذا شيء يمكن للعالم الغربي تعلّمه واكتسابه منه.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 10, 2011

Tags from the story