قصة نجاح “بلاستيفيل” وسر الأسلوب العائلي في تعزيز ونقل المهارات المتخصصة

قصة نجاح "بلاستيفيل" وسر الأسلوب العائلي في تعزيز ونقل المهارات المتخصصة

مقابلة مع أوغو بوغيو الرئيس التنفيذي لشركة “بلاستيفيل” في سويسرا

في جنوب سويسرا خلف جبال الألب، وتحديداً في مقاطعة تيسينو، تقع بلدة مندريسيو الخلابة. وفي هذا الركن العريق المجاور للبحيرة يوجد مقر “بلاستيفيل”، الشركة العائلية المتخصصة بالمنتجات المصنوعة من الفولاذ الملحوم والقطع الصغيرة من الألمنيوم والنحاس وغيرها من المعادن. تأُسست الشركة عام 1934على يد دانتي رونشيتي، والذي يعتبر واحداً من الرواد في هذا المجال، بينما يرأس مجلس إدارتها حالياً ماريو سنوزي، الذي اشترى الشركة من عمه دانتي وأشرف على تطويرها وازدهارها طيلة فترة تملكها. ومع مرور الوقت، انضمت بنات سنوزي وأزواجهنّ إلى الشركة، أما أحفاد سنوزي الثلاثة إليزا ومارتينو وكريستينا بيتيولي، وهم من الجيل الرابع من العائلة، فقد حصلوا على حصة لكلٍ منهم بالإضافة إلى مقعد في مجلس الإدارة  لضمان بقاء ملكية الشركة في أيدي أفراد العائلة مستقبلاً.

وقد أجرت مجلة ثروات لقاءً مميزاً مع أوغو بوغيو، الرئيس التنفيذي الحالي للشركة في مكاتب “بلاستيفيل” بدبي، حيث أوضح لنا دوره في إدارة الشركة، والتحديات التي تواجهها باعتبارها شركة على درجة عالية من التخصص، إلى جانب الحرص على إبقاء ملكية الشركة ضمن إطار العائلة في المستقبل.

 قصة نجاح "بلاستيفيل" وسر الأسلوب العائلي في تعزيز ونقل المهارات المتخصصة

أوغو بوغيو والعائلة

انضم أوغو بوغيو إلى “بلاستيفيل” عام 2007، إلا أنه يُعد فرداً من أفراد من العائلة منذ زمن بعيد. يحدثنا أوغو: “عرفت العائلة منذ 35 عاماً، وربما أكثر. تعرفتُ إلى بنات ماريو سنوزي عن طريق الأصدقاء، ونشأنا معاً، ولطالما كنت قريباً من ماريو الذي يمثل في الشركة الجيل الثاني من أفراد العائلة. تواصل معي زوج ابنته عام 2006 بخصوص مشروع إحياء الشركة، وبعد ذاك عملت معهم بصفة مستشار، واقترحت جملة من الأفكار التي من شأنها تطوير الإنتاج، بعدها اختارتني العائلة لإدارة أعمال الشركة.”

ومن الجليّ تماماً أن أوغو بوغيو، رغم كونه من خارج إطار العائلة، يؤمن بقيم الشركة وتاريخها، وهو أمر يبدو جلياً عندما يتحدث عن تاريخها: “يعود الفضل في نجاح الشركة، منذ البداية، الى أفق الرؤية التى يتمتع بها دانتي رونشيتي، والذي أدرك وجود حاجة ماسة في السوق يمكنه تلبيتها، باعتباره متخصص في أعمال اللحام. بدأت الشركة باسم مختلف ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قرر رونتشيتي الجمع بين اللحام وتقنيات الطلاء وهكذا جاء اسم “بلاستيفيل”، وهو مركب من الكلمتين الإيطاليتين اللتين تشيران إلى البلاستيك (بلاستيكا) والأسلاك (فيلو).” كانت بلاستيفيل الشركة الوحيدة في سويسرا التي يمكنها طلاء الأسلاك الملحومة بالمواد البلاستيكية، وبقيت الرائدة في مجال لحام الأسلاك بدقة متناهية. وهذا التميز هو ما فتح الآفاق وخلق العديد الفرص أمام الشركة، بما فيها فرصة تزويد الشركات بقطع ومكونات غسالات الأطباق. وانتقلت الشركة من نجاح إلى نجاح، رافقه نمو مقر الشركة من مبنى واحد إلى ثلاثة، لتتسع الآن إلى مقر ضخم يمتد على مساحة تفوق 12,000 متر مربع في قلب  بلدة مندريسيو.

 قصة نجاح "بلاستيفيل" وسر الأسلوب العائلي في تعزيز ونقل المهارات المتخصصة

الجيل الثاني يتولى القيادة

تولّى الجيل الثاني إدارة الشركة بقيادة ماريو سنوزي، ابن شقيق دانتي روشيتي. ولدى بوغيو الكثير مما يقوله عن الرؤية الحكيمة التي ساعدت ماريو سنوزي في إدارة الشركة وتوجيهها عبر مسيرة من النمو والتطور: “أعتقد أن ماريو سنوزي أدار الشركة وما يزال يديرها بحكمة متناهية وحرص شديد. لم يكن يوماً مديراً مغامراً كما كان عمّه، فقد أدرك تغير الزمن على مدى خمسين عاماً، وتمكن من النهوض بها رغم العديد من الأزمات الاقتصادية. وبفضله أصبحت لدينا اليوم شركة قوية ذات مكانة مرموقة. ولا شك أن “بلاستيفيل” تستطيع أن تفخر بمكانتها كشركة لا يقع على عاتقها أي ديون وتمتلك سيولة نقدية كبيرة، إذ أنها تعتمد فلسفة بسيطة مفادها أن على المرء ألّا يشتري ما لا يمتلك ثمنه. ويضيف بوغيو بفخر: “شركتنا مستقلة تماماً ونستطيع اتخاذ القرارات التي نريدها بحرية تامة.”

مدير من خارج العائلة في شركة عائلية   

مع انضمام أفراد الجيل الرابع من العائلة إلى مجلس إدارة “بلاستيفيل” عام 2013، تعمل الأجيال الأربعة من عائلة سنوزي جنباً إلى جنب في الشركة. ويشرح لنا أوغو بوغيو سبب ارتباطه الوثيق والتزامه الكبير بالقيم العائلية نظراً لكونه أحد المدراء من خارج الإطار العائلي، ويتذكر قائلاً: “يرجع الفضل في شعوري بالانتماء إلى العائلة إلى زوجة ماريو سنوزي، جنيفرا، والتي توفيت العام الماضي. فقد كانت مثال الحكمة، التقيتها عندما تعرفت بالعائلة قبل عدة سنوات، وكانت تطلق عليّ دوماً لقب ابنها الإيطالي.”

 قصة نجاح "بلاستيفيل" وسر الأسلوب العائلي في تعزيز ونقل المهارات المتخصصة

سر نجاح عائلة “بلاستيفيل”

ويعزو بوغيو، الصديق القديم لعائلة سنوزي والرئيس التنفيذي لشركة “بلاستيفيل” منذ ست سنوات، نجاح الشركة إلى القيم العائلية التي أصبحت جزءاً من أساس العمل في الشركة. ويقول عن ذلك: “يبدي أفراد العائلة احتراماً بالغاً للآخرين، وكذلك تجاه موظفي الشركة البالغ عددهم 200 شخص، حيث توحي أجواء العمل بالتواجد ضمن عائلة بينما يصر مالكو الشركة على التعرف إلى كل من موظفيهم عن كثب. وبرأيي، فإن لذلك التوجه أهمية كبرى في إدارة شركة ناجحة، كما أن للشركة جذوراً عميقة وحضوراً مؤثراً في مجتمع ميندريسيو، ولديها قاعدة واسعة من العملاء في مختلف أنحاء سويسرا”.

ووفقاً لتوصيات ماريو سنوزي، قامت العائلة مؤخراً بتسليم حصة من أسهم “بلاستيفيل” إلى كل من أحفاده، وهي مسؤولية يتعامل معها الشباب الثلاثة بجدية تامة. ويوضح بوغيو الأمر بقوله: “لدى سنوزي تصور واضح فيما يتعلق بمستقبل الأحفاد. فقد أرادهم أن يصبحوا مساهمين في الشركة وأعضاء في مجلس إدارتها ليتمكنوا من فهم ما يجري في الشركة. عندها يمكنهم اتخاذ القرار حول ما إذا كانوا يرغبون بالعمل في الشركة أم لا.”

هناك التزام أدبي بين أفراد العائلة على أسلوب إدارة الشركة، بما في ذلك سنوزي وبناته وأزواجهن والأحفاد. أما أسلوب بوغيو في التعاون مع العائلة فتمثل دوماً في تقديم الأفكار إلى ماريو سنوزي، ويتم تنفيذها بعد حصولها على إجماع كامل من أعضاء مجلس الإدارة، وهو توجه يدعمه أوغو بوغيو تماماً: “سأحاول الإبقاء على تلك الطريقة دوماً طوال فترة عملي هنا. لا نعرف ماذا سيحدث في المستقبل، ولكنني أؤيد ماريو سنوزي وأسلوبه في إدارة العمل، فلا بد للشركات العائلية أن تدار كعائلة، بحيث يجب أن تحل المشاكل بطريقة ترضي كافة الأطراف. بالطبع هناك قدر من التنازل ولكن علينا اتخاذ القرارات معاً، والتحلي بالمرونة الكافية للقيام بذلك.”

مكانة “بلاستيفيل” في سوق العمل 

تعتبر الشركة رائدة في مجالها في العديد من الأسواق العالمية، ويعود الفضل في شهرة الشركة عالمياً إلى تخصصها في الآلات ذات الأجزاء الدقيقة. ويحدثنا بوغيو بشغف عن عقود من عمل الشركة كمورد رئيسي لقطاع الساعات السويسرية الفاخرة: “إنه جزء هام ومميز من تاريخنا، فنحن الشركة الوحيدة القادرة على إنتاج نوع معين من القطع الأساسية في العمليات الصناعية والمؤتمتة. وأرى أن تلك الأعمال دليل أكيد على اتساع خبرتنا وتخصصنا، إذا أننا ننتج أكثر من 7,000 منتج سنوياً، وهناك خمسة منها تخضع لمعايير الجودة العالمية. فخدماتنا تحمل التفاصيل والإضافات التي تناسب احتياجات العميل، وذلك بفضل خبرتنا وتاريخنا الممتدين على مدى 80 عاماً، ولهذا السبب فإنني أؤمن إيمانا قوياً بأن لشركة بلاستيفيل مستقبلاً باهراً. وكما هو الحال في غالبية الشركات العائلية، فإن مواردنا المالية محدودة، ولطالما ارتبطنا بشكل وثيق بالسوق السويسرية والدول المجاورة مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. تتسم طبيعة الشركة بمعالجة الأمور بتروٍ وفقاً للوتيرة التي تناسبنا. ولسوء الحظ، ساهمت الأزمة الاقتصادية العالمية في إبطاء سرعة العمل في تنفيذ مشاريعنا، وهو أمر واجهته غالبية الشركات في مختلف أنحاء العالم، إلا أننا نمتلك رؤية واضحة تماماً لما نود القيام به في المستقبل.” 

خبرة عميقة وتخصص دقيق  

تمكنت “بلاستيفيل” من تبوأ مكانة مرموقة في قطاعات الأجهزة الطبية واالمعدات الميكانيكية الدقيقة وأجهزة الأتمتة، وذلك بفضل توافر مجموعة واسعة من الخدمات الإضافية على مقربة منها. تركز عشرة بالمائة فقط من الأعمال على صك المعادن وتقنيات القولبة، بينما تجري كافة أنشطة البحث والتطوير داخل الشركة. يجري تطوير الأجهزة والمعدات على أيدي فريق من ستة خبراء في الهندسة الميكانيكية يعكفون على تصميم المعدات التي تتناسب تماماً مع متطلبات كل مشروع على حدة. ووفقاً لبوغيو، فإن ذلك يمثل ثمرة تبادل المعرفة بين الشركة وعملائها: “يتمتع كل من في الشركة بخبرة واسعة وعميقة في مجال اختصاصه، فنحن نناقش كافة الجوانب معاً ونتبادل الخبرات ونتعلم من بعضنا البعض.” وقد أدى اتباع تلك القاعدة إلى تكامل الخبرة والتخصص في “بلاستيفيل”، لتبقى متحكمة بأسرارها التجارية.

 قصة نجاح "بلاستيفيل" وسر الأسلوب العائلي في تعزيز ونقل المهارات المتخصصة

خطط التوسع على الصعيد العالمي   

تصبّ “بلاستيفيل” اهتمامها اليوم على امتلاك قاعدة عملاء عالمية وتبحث عن الشركاء المناسبين في الخارج. ويؤكد بوغيو ذلك قائلاً: “بهذه الطريقة نضمن التعاون المثمر عبر مجموعة من المحاور الأساسية: نقل الخبرة والشراكة والدعم والفهم والإصغاء. لن نسعى أبداً إلى تأسيس الشراكات قصيرة الأمد في أي مكان في العالم.” وعنما سألناه عن كيفية إمكان نقل الخبرة المتخصصة التي تمتلكها بلاستيفيل إلى الشركاء، أجاب بثقة: “يمكن نقل كل شيء عبر التواصل بين الأشخاص، فنحن ننقل الخبرة بالتدريب، كما أن أنجح قصص التعاون مع شركائنا في الخارج تقوم على التدريب في المجال الفني والتسويقي، مما يساعد العملاء على فهم كيفية التعامل مع منتجاتنا ويعود بالنفع علينا جميعاً.”

ويضيف بوغيو أن الشركة عند دراستها لفرص الشراكة تبحث في الواقع عن إقامة عائلة جديدة في الخارج: “أرغب في مواصلة التعامل مع شركات عائلية في مختلف أنحاء العالم، وهو ما نحاول القيام به بالفعل. ويتصادف أن جميع عملائنا الأكثر ولاءً للشركة هم أيضاً شركات عائلية. ويتسم التواصل مع هذا النوع من الشركات بوجود تبادل للمفاهيم الجوهرية والقيم الأساسية، لأننا نفهم بعضنا البعض ونتبع الفلسفة ذاتها.”

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 18, 2013

Tags from the story