بويغ – عائلة العطور

Marc Puig Chairman Puig Spain

قام رجل الأعمال أنطونيو بويغ كاستيلو بتأسيس شركة توريد صغيرة في مدينة برشلونة الإسبانية في العام 1914، لتشهد فيما بعد عملياتٍ من التوسع والتطوير ولتصبح بعد مائة عام شركة عالمية فاخرة تعمل في مجال صناعة الموضة وإنتاج العطور ومنتجات التجميل والروائـح، ويقوم على إدارتها أحفاد بويغ كاستيلو.

شهدت شركة بويغ العائلية خلال العقد الماضي ما يمكن وصفه بالنمو الهائل والمتسارع، واحتفلت في العام 2014 بالذكرى المئوية لتأسيسها بافتتاح مقرها الجديد في قلب مدينة برشلونة الإسبانية في مبنى فخم مؤلف من 23 طابقاً صممه المهندس المعماري الشهير رافاييل مونيو الحائز على جائزة “بريتزكر”، ويعمل في الشركة حالياً ما يزيد عن 4000 موظف، 40% منهم يعملون في إسبانيا، في حين تباع منتجاتها في أكثر من 140 بلداً حول العالم.

بدأ السيد مارك بويغ أحد أفراد الجيل الثالث للعائلة حياته المهنية في شركة العائلة في العام 1986 كمندوب مبيعات، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الصناعية والماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد ضمن برنامج فولبرايت. تدرّج في سلم الترقيات على نحوٍ سريع، فأصبح مدير البحوث والتطوير وبعد سنواتٍ قليلة أصبح رئيس فرع الشركة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي العام 2000، أصبح رئيس مجلس إدارة شركة كارولينا هيريرا ومن ثم رئيس قسم الموضة في الشركة.

وفي مقابلةٍ أجرتها مجلة ثروات معه، تحدث السيد مارك بويغ الذي يشغل حالياً رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة بويغ عن تاريخ الشركة العائلية، وتدريب الجيل القادم، وتعلق عائلة بويغ بالعطور.

كم عدد أفراد عائلتك الذين يعملون حالياً في الشركة، وما هو سر تعلقك الكبير بإرث العائلة؟

يوجد حالياً اثنان من أفراد العائلة يعملان فعلياً في الشركة، هما ابن عمي مانويل بصفة نائب الرئيس، وأنا في منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي.

أما سر تعلقي بإرث العائلة فينبع من الشعور أنه بإدارتك لشركة العائلة تقوم بتسلم مقاليد السلطة من الجيل السابق والعمل على تطوير وازدهار أعمالها ومن ثم تسليمها إلى الجيل التالي. وبهذا المعنى نشكّل أنا ومانويل جزءاً من هذا التراث وفي الوقت ذاته نقوم بتطويره وتنميته.

ما هي المحطات الثلاث الأكثر تأثيراً في تاريخ شركة بويغ العائلية؟ 

إذا كان لا بد لي أن أشير إلى ثلاث من أبرز المحطات وأكثرها رمزية في تاريخ بويغ، سأقول إن المحطة الأولى امتدت في الفترة ما بين 1936 و1939 خلال الحرب الأهلية الإسبانية، إذ أن جدّي في ذلك الوقت لم يتمكن من استيراد السلع بسبب القيود المفروضة على التجارة، ولهذا قرر إنتاج منتجاته الخاصة باستخدام المواد الخام المتاحة آنذاك في إسبانيا، وابتكر أغوا لافاندا، العطر الذي لاقى نجاحاً كبيراً ودائماً وأصبح عطراً كلاسيكياً وعزّز مكانة الشركة في قائمة الشركات الرائدة في عالم العطور.

وجاءت المحطة الثانية الهامة في بداية الستينيات، عندما راهن الجيل الثاني على تصميم الموضة والإبداع والماركات الفرنسية لتوسيع نشاط الشركة وصنع اسم وشهرة لها خارج اسبانيا. وخلال تلك الفترة الهامة بدأت الشركة بالعمل مع المصمم أندريه ريكارد لتطوير رزمة متكاملة ومؤثرة من المنتجات، ومع المصمم الفرنسي باكو رابان لإطلاق “كالاندر” كأول عطرٍ له في الأسواق الدولية في العام 1969.

في حين أن المحطة الثالثة كانت في الفترة الأخيرة في العام 2004 عندما كنّا نواجه بعض الصعوبات وقمنا آنذاك باتخاذ قراراً بمراجعة الجزء الأكبر من منتجاتنا، والتي شملت مستحضرات التجميل والصابون والشامبو، واخترنا التركيز على الموضة والعطور، وهي المجالات التي نبرع فيها ولدينا خبرة طويلة فيها. ومنذ تلك اللحظة اخترنا نموذج مختلط يتكون من سلسلة من العلامات التجارية التي نملكها، مثل كارولينا هيريرا، نينا ريتشي، باكو رابان، ان بول غوتييه، بالإضافة إلى برادا، فالنتينو، كوم دي غارسون، وعطور المشاهير.

كيف تمكنت من دمج قيم العائلة في إستراتيجية الشركة؟ وهل شاركت العائلة بفاعليّة في هذه العملية؟

أعتقد أنّ العائلة التي لديها قيم قوية وجذور يعود أصولها إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، فإنّ هذه العائلة ستعمل على نقل تلك القيم للشركة وتطبيقها، وكذلك تنقل القيم والمبادئ الشخصية بطريقةٍ طبيعية وبدون إدراك لتصبح جزءاً من منهجيات العمل داخل الشركة.

Puig Family Business Spain

عندما يتعلق الأمر بأعمال الشركة، ماذا تعني كلمة “ملكية” لك ولعائلتك؟

أقول إنّ أعمال الشركة ليس لها علاقة بالملكية، لأننا لا نملك هذه الأعمال بل نعتبر أنفسنا نحمل إرث وخبرات ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا وننقله إلى الجيل القادم.

في كثيرٍ من الأحيان تفشل الشركات العائلية في تخطي الجيل الثالث بسبب الخلافة أو تعاقب الإدارة. ما هي الآلية التي اعتمدتها الشركة لإعداد الجيل القادم؟

 إعداد الشركة للجيل القادم هدف عملنا من أجل تحقيقه على تنفيذ نظامٍ للحوكمة، إذ يكون فيه عدد أفراد العائلة الفعّالين وسلطة العائلة محدودة، لتجنب الوقوع في المشاكل التي تواجهها الشركات عادةً نتيجة التعاقب الإداري، فضلاً عن سعينا لضمان معرفة الجيل القادم لحقوقه وكذلك واجباته والتزاماته تجاه الشركة.

ما هو التحدي الأكبر الذي تواجهه الشركة حالياً في مجال عملها، وما الفرص المتاحة للشركة؟

عادةً في مجالات العمل الناشئة، يكون أمامك خياران لا ثالث لهما، إما أن تصبح شركة متخصصة في مجالٍ معين أو أن تصبح شركة عملاقة، وخلاف ذلك أنت تخاطر بإمكانية أن يصبح عملك لا صلة له بالسوق والعرض والطلب أو تحكم بتوقفه على نحوٍ تام. أمّا نحن فقد اخترنا أن نتواصل مع شريحةٍ هامة، ولكي ننجح قررنا مواصلة تطوير المنتجات التي نبرع في إنتاجها ونتقنها أكثر من غيرنا.

تستثمر الشركة وبشكلٍ كبير في البحث والتطوير، لماذا يحظى هذا المجال بمكانة بارزة في جدول أعمالكم وكيف يمكنه أن يكون لصالح الأجيال القادمة؟

هذا كلام صحيح، فنحن نستثمر في مجال الابتكار والإبداع والتصميم، وهي عناصرٌ هامة ومكونٌ رئيسي في الإستراتيجية التي جعلت شركة بويغ شركةً رائدة ومنافساً قوياً في مجالات عملنا. وأنا أؤمن حقيقةً أنّه إذا كان بإمكانك تحريك مشاعر الناس وإتاحة الفرصة للمستهلكين بأن يحلموا من خلال منتجاتٍ جديدةٍ ومثيرة، عندئذٍ يمكنك التطلع إلى المستقبل بكل ثقة. وهنا يأتي دور وأهمية الابتكار والإبداع والتصميم في تحقيق هذه الرؤية.

قامت الشركة بالاستحواذ على عددٍ من العلامات التجارية الرائدة مثل نينا ريتشي وكارولينا هيريرا. كيف يمكن الحفاظ على هوية العلامة التجارية مع إمكانية استفادة هذه العلامة من علامة تجارية أخرى ذات هيكلية أكبر كشركة بويغ؟

تتبنى شركة بويغ نموذج عملٍ خاصٍ بها، وهي أنّ كل دارٍ للأزياء وكل علامة تجارية تتمتع بالاستقلالية وبمساحة كافية لرسم مسارها الخاص بطريقةٍ دقيقة ومفصلة للغاية، لأننا نؤمن أنه من الضروري أن تحتفظ كل علامة تجارية بهويتها وأن تتنفس من خلالها وتعمل على تطويرها والارتقاء بها. وبويغ كشركة ما هي إلا مظلة تعمل في المجالات التي لا تهدد علامة تجارية بحد ذاتها، وفي المجالات التي تتمتع بعمليات مفيدة وهامة للغاية كالموارد البشرية وتكنولوجيا المعلومات.

بعد 100 عامٍ على تأسيس الشركة والحجم الهائل الذي وصلت إليه، هل تشكل ملكية العائلة للشركة ميزة تنافسية؟

للشركات العائلية إيجابيات وسلبيات في الوقت ذاته، ولهذا نسعى إلى تعزيز المزايا والإيجابيات والعمل على تقليل المخاطر والتغلب على السلبيات.

أنت تشدد على أهمية “سرد القصص” عند التسويق. من أين لك هذه القناعة وكيف يتم ترجمتها لتتناسب مع طريقة عمل الشركة؟

أتذكر قصة سمعتها في أواخر العام 2004 مع حلول موسم الأعياد، إذ أنّ أحدهم كان يتحدث عبر المذياع ويقول إنه يأمل أن لا تقدم له عمته عطراً آخراً كهدية. شعرت بقشعريرة عند سماعي هذا الحديث، وأدركت أننا فقدنا القدرة على إثارة المستهلكين الذين أصبحوا يتعاملون مع العطور كنوعٍ من السلع. وفي تلك اللحظة أدركت أنّه من الضروري إعادة فكرة سرد القصص ليحلم الناس مرةً أخرى، ذلك لأن إحدى الوسائل الفعّالة للتأثير على الناس هو أن تسرد عليهم قصة تثير عواطفهم وتجعلهم يشعرون برابطٍ خاص مع العلامة التجارية والمنتج.

هل ستكون ملكية العائلة أمراً مهماً لك في المستقبل، أم أنّك ستفكر في سيناريو مختلف؟

طالما بقيت ملكية العائلة تشكّل ميزة، سنواصل امتلاك الشركة.

Tags from the story