تاريخ ومناهج تعليم الشركات العائلية

تاريخ ومناهج تعليم الشركات العائلية

مقابلة مع البروفيسور كريغ أرونوف

يبدو أنّ مراكز البحوث وبرامج التعليم العالي التي تناقش ثقافة وتاريخ وفلسفة الشركات العائلية قد انتشرت في كافة أنحاء العالم على مدى العقود القليلة الماضية، وقد تساءلنا في مجلة ثروات عن أصل هذه الطفرة في عدد المراكز والبرامج وعن ماهية الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات للشركات العائلية والجيل القادم. وللإجابة عن هذا السؤال، كان لنا لقاء مع البروفيسور كريغ أرونوف، الأكاديمي المتخصص في الشركات العائلية والمستشار والمؤلف الذي برع في هذا المجال لأكثر من 30 عاماً، وشارك البروفيسور جون وارد في تأسيس المجموعة الاستشارية للشركات العائلية. خلال المقابلة، تحدث إلينا الروفيسور كريغ حول البدايات الأولى لظهور تعليم الشركات العائلية والأشكال التي اتخذها التعليم على مر السنين، وما الذي ينبغي علينا تعليمه لقادة ورؤساء الشركات العائلية.

 

متى بدأ تعليم الشركات العائلية الرسمي؟

بدأ تعليم الشركات العائلية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي من خلال المجموعات التي كانت مدعومة من قبل الاتحادات والجمعيات التجارية وغيرها من الجهات الراعية الأخرى، والتي قامت بتنظيم وإعداد البرامج التعليمية. أتذكر أن إحدى هذه المجموعات كانت تدعى “Sons of Bosses” أو “أبناء أرباب العمل” في سبعينيات القرن الماضي، كانت تقوم بعقد ندواتٍ ولقاءات حضرها عددٌ لا بأس به ولسنواتٍ عديدة.

أنا شخصياً بدأت الانخراط في تعليم الشركات العائلية عندما تلقت جامعة كينيساو تمويلاً لتأسيس رئاسة إدارة الأعمال، وقد تعامل العديد من زملائي في كلية إدارة الأعمال مع موضوع الشركات العائلية على أنه مزحة ولا يستحق الاهتمام، بعكس موقفي تماماً فقد كنت أدرك أن الموضوع يستحق منا اهتماماً كبيراً وبحاجة إلى تدريسه للغير، كوني نشأتُ وتربيتُ ضمن عائلة كانت تمتلك شركةً خاصة بها.

ومع ذلك، عندما بدأت بتصميم وتطوير البرامج، عمدت من خلالها إلى استهداف الشركات العائلية في المجتمع المحلي بالدرجة الأولى ومن ثم الطلاب في الجامعة، وقد لاقت هذه البرامج صدىً كبيراً وردود فعلٍ إيجابية عززت مكانة وسمعة الجامعة، وسرعان ما أدركت أن الناس تبحث عن إجابات. كان جلّ تركيزي منصباً للوصول إلى الشركات العائلية وليس بالضرورة طلاب الجامعة. بعد ذلك قمت بتنظيم ندوة ودعوت جون وارد ليكون أحد المحاورين فيها، ومن ثم حصل البرنامج على التمويل المناسب ولاقى نجاحاً كبيراً. قررنا إثر ذلك تأسيس منتدى الشركات العائلية، وهي منظمة عضوية للشركات العائلية متخصصة في تنظيم مختلف الاجتماعات واللقاءات والندوات، وبقيت قائمة لسنواتٍ عديدة، وركّزت كافة البرامج والموضوعات على فهم طبيعة التداخل بين العائلة وشركة العائلة، وسرعان ما أبدى كلٌ من معهد الشركات العائلية ومجلة “فاميلي بزنس ريفيو” الاهتمام بالموضوع وأجريا مقابلاتٍ معنا، وتبعتها العديد من الجامعات التي أرادت القيام بما كنا نقوم به.

متى قمت بتصميم أول مساق جامعي حول الشركات العائلية؟ 

لقد استغرق الأمر خمس أو ست سنوات قبل أن نقرر فعلياً توفير مساق في الشركات العائلية، ذلك لأن تركيزنا في البداية لم يكن منصباً على تعليم جيل الشباب حول الديناميكيات العائلية، وإنما زيادة نسبة الحضور في جامعة كينيساو والتي كانت في تلك الفترة جامعةً صغيرة تضم عدداً قليلاً من الطلاب، ولكن أردنا لطلابنا تلقي التعليم الجيد والمناسب.

حصلت المقابلة التي أجرتها معنا مجلة “فاميلي بزنس ريفيو” على الكثير من الاهتمام وانتشرت بشكلٍ سريع، حتى أنّ عشرات الجامعات اتصلت بنا، وسرعان ما بدأت بعض البنوك وشركات التأمين أيضاً بالإقرار بأهمية الشركات العائلية باعتبارها شريحة مهمة في مجتمع المال والأعمال وقامت بتوظيفي كمستشار لحملات التوعية.

وفي العام 1997، قامت شركة Mass Mutual بإجراء أول مسحٍ من نوعه حول الشركات العائلية، ومن ثم بدأت بتمويل المراكز المتخصصة بشؤون الشركات العائلية المنتشرة عبر الولايات المتحدة وإرسال ممثلين إلى مختلف كليّات إدارة الأعمال والجامعات. وأعتقد أن المراكز التي حصلت على تمويلٍ منها بلغ عددها 70 مركزاً. وفي غضون خمس سنوات، أصبح هناك قرابة 150 جامعة قامت بوضع وتدريس برامج ومساقات متخصصة في الشركات العائلية.

متى بدأت برامج الشركات العائلية بالانتشار خارج الولايات المتحدة؟

أود أن أشير هنا إلى أنّ جامعة بنسلفانيا وجامعة أوريغون وجامعة بايلور وغيرها الكثير شكّلت أيضاً جزءاً من الجهود الرائدة التي ساهمت في توفير وتطوير برامج الشركات العائلية. أمّا خارج الولايات المتحدة، فقد كانت جامعة بوكوني في ميلانو الإيطالية من أوائل الجامعات الرائدة في هذا المجال، وأعتقد أنها سبقتنا في تطوير وتصميم مختلف البرامج، وكذلك المعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD) في سويسرا الذي كانت لديه برامج ودورات حول الشركات العائلية، وكان جون وارد أحد أعضاء هيئة التدريس الرئيسية في المعهد.

لسوء الحظ، لم يتم دمج برامج التوعية التي قمت بتطويرها حول الشركات العائلية على نحوٍ مناسبٍ وملائم في نظام المكافآت في الكلية، وعدد الأبحاث التي أجريت في ذلك الوقت كانت قليلة نسبياً، ولكن تضاعف الاهتمام الأكاديمي عموماً على المستوى الدولي في وقتٍ لاحق في تسعينيات القرن الماضي، والانطباع الذي تولد لدي في ذلك الوقت أنّ التركيز الأكاديمي في هذا المجال خارج الولايات المتحدة كان أكبر بكثير منه داخل الولايات المتحدة.

كان هناك عددٌ هائل من البحوث الأكاديمية التي أجرتها وأصدرتها أكاديمية بحوث الشركات العائلية (IFERA)، وقد لعبت كندا دوراً إيجابياً في هذا المجال في وقتٍ مبكر من خلال الجمعية الكندية للشركات العائلية (CAFE)، وما تزال مستمرة في تصدر أفضل برامج التوعية المتعلقة بالشركات العائلية. وكان هناك هيئات ومؤسسات عديدة مثل مؤسسة الرؤساء الشباب (YPO) التي عملت أيضاً على تطوير برامج تعليمية حول الشركات العائلية في كافة أنحاء العالم، منها الهند وباكستان وسنغافورة. وهنا أقول إن الدول الناطقة باللغة الانجليزية كانت تميل أكثر إلى تبني واعتماد النماذج والبرامج الأمريكية. كذلك ركزت كلية إنسياد لإدارة الأعمال (INSEAD) على مجال الشركات العائلية وكان هناك اهتمام كبير من أمريكا الجنوبية، ومن ثم التحقت إسبانيا بالركب عبر تطوير مختلف البرامج من قبل أسماءٍ وشخصيات لامعة أمثال ميغيل جالو.

أما من حيث البحوث، فقد برز في وقتنا الحاضر اهتمام أكاديمي واسع في موضوع الشركات العائلية على الصعيد الدولي يفوق مثيله داخل الولايات المتحدة.

ما هي أشكال التعليم التي تحتاجها الشركات العائلية في وقتنا الحاضر؟

هناك العديد من الاتجاهات المعقدة التي تواجه العالم وقطاع الأعمال في وقتنا الحاضر، وعلينا معرفة كل ما بوسعنا عن التكنولوجيا والثقافات المختلفة، والاتجاهات الكبرى السائدة التي تعمل على تشكيل ثقافتنا وحياتنا.

أعتقد أنه ليس من الضروري التركيز على الشركات العائلية بحد ذاتها، ولكن ينبغي التركيز بدلاً من ذلك على تعليم الطلاب كيف يصبحوا قادة أعمال أفضل. قد لا يكون الالتحاق بمساق في علم النفس للشركات العائلية إحدى أهم أولوياتنا، فهناك الكثير من الفرص لتعلم كيفية التفاعل مع أفراد العائلة الآخرين في المؤسسات، وعلينا أن نستغل هذه الفرص لتركيز طاقاتنا بشكلٍ أكبر على تعليم قادة الشركات العائلية المحتملين كيفية تنمية وتطوير إرثهم في عالمٍ لا ينتظر أحداً لمواكبته. أنا لا أقصد أن أقول إن تعليم الشركات العائلية ليس هاماً، ولكن السؤال يتمثل في كيفية دمجه على نحوٍ بنّاءٍ وفعّالٍ دون إهمال المهارات الأخرى.

والشيء نفسه ينطبق على بحوث الشركات العائلية. نحن كأكاديميين علينا أن نسأل أنفسنا كم عدد النظريات التي نضعها ونطورها لديها علاقة فعلية بواقع الشركات العائلية ومرتبطة بها.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 25, 2015

Tags from the story