الملكية المسؤولة: سرٌ يكمن في الداخل

الملكية المسؤولة: سرٌ يكمن في الداخل

الملكية المسؤولة: سرٌ يكمن في الداخل 

 الأستاذة “لورين أولانر”، أستاذة ريادة الأعمال والشركات العائلية لإدارة الأعمال
كلية EDHEC
مركز الشركات العائلية

غالبــــاً ما تتداخل الخطوط  بين الأدوار العائلية والملكية والإدارة في كثيرٍ من الشركات العائلية، ولا سيما الصغيرة منها أو تلك التي يديرها الجيل الأول. خاصة إذا ما زاد عدد المالكين للشركة، أو عندما يصبح البعض منهم غير منخرط بفعالية في إدارة الشركة، فكلما زادت الأهمية لفهم مسؤوليات المُلكية بمعزلٍ عن مسؤوليات الإدارة. يصبح هذا الفهم بمثابة الحد الفاصل الذي يحدّد مختلف المسؤوليات والأدوار كلما تقدمت الشركة العائلية نحو الجيل الثاني والتالي، وخصوصاً عندما يزداد عدد أصحاب الشركة غير الإداريين أو السلبيين، بمعنى أولئك الذين لا يشاركون في أنشطة وأعمال الشركة بشكلٍ يومي.

يؤكد البحث الذي أجريناه أنّ نجاح الشركة العائلية يرتبط بشكلٍ واضح بمبدأ المُلكية المسؤولة ، سواء من حيث تعبئة أفضل الموارد لمصلحة الشركة أو من خلال تعزيز الابتكار والأداء المالي. يوضح هذا المقال العقلية الجماعية التي ينبغي التحلي بها لتكوين مجموعة فعّالة من مالكي الشركة العائلية الواحدة، والسلوكيات الأربعة الأساسية للمالك المسؤول، والخطوات الثلاث التي يمكن أن تؤدي إلى تعزيز دور مالكي الشركة الواحدة.

تطوير عقلية جماعية بين أصحاب الشركة الواحدة

يعتمد نجاح أي شركة عائلية أولاً وقبل كل شيء على العلاقة التي تجمع بين أصحابها، وكذلك على وجود رؤية مشتركة لمستقبل الشركة، وهما عنصران يكملان بعضهما البعض لخلق عقلية جماعية قوية لأصحاب الشركة الواحدة.

  1. العلاقات بين أصحاب الشركة الواحدة

تشير الروابط بين أصحاب الشركة إلى نوعية وجودة العلاقات بين أصحاب الشركة، على مستوى الثقة المتبادل بينهم ومستوى التعاون وروح الفريق الإيجابية، ويستشعر المرء هذه الطاقة الإيجابية بين أفراد العائلة في الشركات العائلية ذات الأداء العالي والمتميزة، والتي تعمل على حل النزاعات وتسويتها دون تمزيق العلاقات الأسرية وتفكيك العائلة.

  1. رؤية مشتركة

تعتبر الرؤية المشتركة الجانب الأساسي الثاني في تكوين العقلية الجماعية بين مالكي الشركة الواحدة. ولتكوين مجموعة قوية من مالكي الشركة، عليهم مواصلة المواءمة بين قيمهم ورؤيتهم للحفاظ على منظورٍ مشترك حول توجه الشركة ومستقبلها، حتى لا يكون من الصعب المضي قدماً في حال كانت لديهم أهداف ورؤى مختلفة. وقد أظهرت الأبحاث والدراسات أنّ وجود رؤية مشتركة لدى المالكين (بغض النظر عن أدوارهم الإدارية) يعدّ عنصراً ضرورياً لضمان التعبئة المستمرة لموارد الشركة العائلية وتعزيز أداءها المالي.

أربعة سلوكيات رئيسية للمالك المسؤول

لكي يساهم المالك بشكلٍ فعّال في نمو وتطوير شركته، يجب عليه أن يتصرف بمسؤولية لا أن يفكر فحسب، وحتى  يشكّل المالك فائدة كبيرة للشركة يجب أن ينظر لدوره على أنهّ أكثر من جمعٍ للأرباح أو ممارسة حق التصويت. ووفقاً للأبحاث والدراسات التي أجريناها، هناك أربع طرق يمكن للمالك المسؤول التصرف من خلالها والتي لها آثار إيجابية متفاوتة على أداء الشركة:

الملكية المسؤولة: سرٌ يكمن في الداخل

القيام بالواجبات الرئيسية

يُتوقع من المالك الذي لديه اطلاع أكبر وأوسع على أمور الشركة أن يتصرف بطريقةٍ تعود بالفائدة على الشركة على المدى الطويل. فحضور اجتماعات المساهمين وقراءة التقارير الفصلية والسنوية هي من الطرق التي يمكن من خلالها البقاء على اطلاع ودراية بتوجهات الشركة، وعلى الرغم من تأثيرها غير المباشر على الأداء المالي لكنها تؤسّس لبناء مجموعة قوية من المُلاّك يتميزون بأنّهم أكثر دراية واطلاع على تفاصيل الشركة وشؤونها.

توفير الموارد للشركة

هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها أن يشكّل المالك المسؤول مورداً هاماً للشركة. ومن هذه الجوانب الحفاظ على استثماراته في الشركة ما دام هناك حاجة لها، أو ما بات يُعرف بسياسة “رأس المال الصبور” في أدبيات الشركات العائلية. وبعيداً عن الجوانب المالية، يمكن للشركات الصغيرة والحديثة وسريعة التوسع الاستفادة من معارف وشبكات التواصل لأصحابها ومساعدة الشركة على تحديد فرص الأعمال الجديدة للشركة. ويتميز أصحاب الشركة الذي يتشاركون عقلية جماعية واحدة (وكذلك رؤية مشتركة) بأنهم أقدر على تعبئة هذه الموارد لمصلحة الشركة ومن ثم تحفيز الابتكار والابداع.

إدارة الشركة: بين الرصد وعدمه  

قد يبدو الدور الإشرافي والرقابي على الإدارة من اختصاص أصحاب الشركة، لكن الحاجة إلى مثل هذه المراقبة قد تختلف على نطاقٍ واسع عبر الشركات. وسواء كان المالك يقوم بعملية الرصد أو “التدخل”، بمعنى التدخل في أنشطة الإدارة، فهذا يعتمد في جزء منه على الدور المنوط به. فقد يتم تعيين أحد أعضاء مجلس الإدارة للإشراف على الخطوط العريضة لأعمال ومسؤوليات الإدارة. وقد يتحول الرصد المفرط إلى إدارة تفصيلية يكون لها تأثير عكسي على الشركة. وقد أظهرت دراسة أجريت على شركات عائلية أكبر وأقدم أنّ الإفراط في الرصد أضرّ بالأداء المالي للشركات، أي أن تولي دور المشرف خاضع إلى حدٍ كبير لمسألة القياس والتوازن.

 

التصرف بشكل مهني

تكمن إحدى الجوانب المهمة في المُلكية المسؤولة في معرفة “ما لا يجب فعله”، ومنها -على سبيل المثال- عدم التدخل في التسلسل الهرمي للشركة أو انتهاك قواعد اتفاق المساهمين. أي أن على مالك الشركة المسؤول أن يفهم بوضوح التزاماته وواجباته وأن يقوم بدوره وفقاً للقواعد والتعليمات المعمول بها في الشركة. فقد تلجأ بعض الشركات العائلية إلى وضع مدونة لقواعد السلوك لمزيد ٍمن التوضيح حول الأمور التي ينبغي لأصحاب الشركة فعلها أو تجنبها للحفاظ على الشركة وسمعتها.

وتشير الدراسات والمعطيات أنّ اعتماد هذه السلوكيات يفيد أداء الشركة، وأنّ التصرف بشكل مهني وتوفير الموارد اللازمة للشركة (ولا سيما من خلال الاستفادة من شبكة المعارف) له أثر إيجابي على الأداء المالي للشركة.

ثلاث خطوات لتصبح مالكاً مسؤولاً

كيف يمكن لمالكي الشركات العائلية التأكد من أنّهم يستحقون مواقعهم ومناصبهم؟ هناك ثلاث خطوات عليهم وضعها بعين الاعتبار بهدف تعزيز المُلكية المسؤولة وهي:

  1. وضع رؤية مشتركة

تعتبر الرؤية متغير قوي وفعّال. إذا بنيت العلاقة بين أفراد العائلة المالكة للشركة على أساسٍ من الثقة وروح الفريق، عندئذٍ يمكن لهم استخدام سلطاتهم ونفوذهم من خلال وضع رؤية مشتركة موحدة لمستقبل الشركة. ومن الأهمية بمكان عقد التجمعات العائلية بحضور المالكين الحاليين وكذلك أبناء الجيل التالي من أفراد العائلة، لضمان أن لا يصبح مالكي الشركة غرباء في حال إدارة الشركة من قبل أبناء العمومة بعد عدة أجيال. وهناك أيضاً الاجتماعات السنوية للمساهمين ولم شمل العائلة وورش العمل لتخطيط الرؤية ومختلف المناسبات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، وكلها تساهم في إبقاء أصحاب الشركة على اطلاع وأكثر توحداً وتماسكاً.

  1. تحديد أدوار واضحة

أن تكون مسؤولاً يعني أن تفهم واجباتك وأدوارك. من المهم أن يدرك أصحاب الشركة العائلية وبشكلٍ واضح أدوارهم ومسؤولياتهم لأنّ ذلك يشكّل قدوة للغير ويساهم في تشكيل الهياكل المناسبة في الأماكن المناسبة. وتكمن إحدى جزئيات دور المُلاّك في شرح واجباتهم وأدوارهم للجيل التالي لِما له من أثرٍ كبير على استمرارية الشركة العائلية. كما يمكن وضع مدونة لقواعد السلوك أو دستور عائلي لمساعدة مختلف أفراد العائلة في معرفة السلوكيات التي يجب فعلها وتلك التي يجب تجنبها بوصفهم مساهمين حاليين ومستقبليين.

  1. حصر الموارد

كيف يساهم المالك الجيد في تعزيز الشركة؟ أن تنتمي للعائلة التي تملك الشركة لا يعني أنك تلقائياً تملك الشركة، ذلك لأنّ الملكية هي الهوية التي على كل فرد أن يتحلى بها بكل ما فيها من مزايا وعيوب. وبالتالي من الضروري أن يقوم أصحاب الشركة بحصر مساهماتهم للشركة وتحديدها، لأنّ ذلك يساهم في جعلهم إحدى موارد الشركة.

قد ننجر أحياناً للادعاء بأنّ المالك المسؤول يعمل بشكل تلقائي على تأسيس شركة تتميز بالمسؤولية الاجتماعية بشكلٍ أكبر من غيرها من الشركات. وعلى الرغم من أنّ هذا الادعاء مبالغٌ فيه على الارجح ، لكنّ العديد من الشركات تعمل على بناء علاقات أقوى ووضع هدف مشترك في جزء منه حول الأهداف الاجتماعية الموجهة لصالح المجتمع ككل. في المقابل، ساهمت مثل هذه الأنشطة في تماسك وتقريب العديد من العائلات المالكة للشركة وتحديد أكبر لهويتها وطابعها. ولأن الملكية المسؤولة مرتبطة بأداء أفضل للشركة، تجد هذه الشركات نفسها في وضعٍ أفضل لتخصيص بعضٍ من أرباحها للأعمال الخيرية.

الملكية المسؤولة: سرٌ يكمن في الداخل

مراجع مختارة:

Berent-Braun, M.M. & Uhlaner, L.M. (2012). Family governance practices and teambuilding: Paradox of the enterprising family. Small Business Economics Journal, 38(1), 103-119.

Berent-Braun, M.M. & Uhlaner, L.M. (2012). Responsible ownership behaviors and financial performance in family owned businesses. Journal of Small Business and Enterprise Development, 19(1), 20-38.

Uhlaner, L.M., Matser, I., Berent-Braun, & M.M Flören, R.H. (forthcoming). Linking Bonding and Bridging Ownership Social Capital in Private Firms:  Moderating Effects of Ownership-Management Overlap and Family Firm Identity, Family Business Review. Published online before print February 1, 2015, doi: 10.1177/0894486515568974.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 26, 2015

 

Tags from the story