نبذة عن شركة عائلية: مجموعة روثستشايلد

روثستشايلد

 لقاء حصري مع البارون ديفيد دو روثستشايلد

فرنسا والمملكة المتحدة- رئيس مجلس إدارة مجموعة روثستشايلد

في القرن الثامن عشر وفي فرانكفورت بألمانيا، بدأ تاجر عملات معدنية وميداليات شاب مع عائلته العمل لتأسيس أحد أشهر الشركات العائلية في العالم، وبعد 250 عامًا من ذلك الوقت أصبح لدى هذه الشركة ما يزيد عن 2800 موظفًا في 38 دولة. وتعتبر مؤسسة روثستشايلد ذات ملكية عائلية خاصة منذ أكثر من 200 عام والتي تدير عمليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والأمريكتين، وآسيا، وبالطبع أوروبا. ومنذ تأسيس الشركة فإنه يتم توارث قيم ومبادئ وفلسفة العائلة جيلاً بعد جيل وتبرز هذه المبادئ في شعار الشركة من خلال كلمات ثلاث هي التآلف والنزاهة والعمل الجاد والتي تمثل عناصر منظومة العمل. ويبقى اسم روثستشايلد عبر تاريخه العريق مصدر ثقة واهتمام للكثيرين.

روثستشايلد

أوروبا

شهدت أوروبا في القرن الثامن عشر أوقاتاً عصيبة حيث كانت التغيرات الكثيرة في كافة جوانب الحياة بداية من عصر النهضة وحتى الإصلاح الديني بمثابة تحد للاعتقاد بأن رفعة النسب والشرف تفرض مسؤوليات وواجبات على صاحبها، كما بدأت تتغير الحدود السياسية بصفة مستمرة وبدأ خطر الحرب يلوح في الأفق وكان ذلك المناخ بمثابة الأرض الخصبة التي أتاحت الفرصة لظهور طبقات جديدة تتميز بفكر مهاري في إدارة المشروعات التجارية، وكانت تلك هي البيئة التي ساعدت روثستشايلد على الإنطلاق والازدهار.

روثستشايلد

تاريخ عائلة روثستشايلد

بدأ ماير آمشيل روثستشايلد مؤسس عائلة روثستشايلد منذ ما يقرب 250 عامًا مضت في وضع واستنباط إستراتيجيات ابتكارية جديدة لدعم أعماله كتاجر في العملات المعدنية والميداليات، واكتسب في ذلك المجال شهرة واسعة بفضل أمانته وصدقه وأدراكه لقيمة إقامة شراكة طويلة الأجل مع العملاء. وبالفعل ازدهرت أعماله في الحي اليهودي بفرانكفورت وكان من الممكن أن ينتهي وجود الشركة العائلية مع موت ماير آمشيل لو لم يتخذ قراره الحاسم بإقامة شراكة مع أبنائه الخمسة. تلك الشراكة التي مازالت مبادئها وقيمها حية حتى اليوم.

أرسل ماير آمشيل أبنائه الخمسة ليقيموا في خمسة عواصم أوروبية كبيرة، وشرع الأخوة الخمسة في بناء أعمالهم مع مواصلة العمل ودعم كل منهم الآخر في صفقاتهم وأعمالهم. وتظهر وحدة الأخوة الخمسة جلية حتى اليوم في شعار روثستشايلد الذي يضم خمسة أسهم مترابطة مع بعضها البعض، وكان نتاج إستراتيجية التعاون هذه تكوين شركة تعتبر من الأوائل في تأسيس مؤوسسة متعددة الجنسيات حيث بدأ كل أخ منهم بإضافة خبراته المحلية وبيانات اتصالاته للشركة الأم. ووفقًا لرؤية والدهم قاموا بتجديد علاقات أعمالهم مع بعضهم البعض مع المحفاظة عليها أخذين على أنفسهم وعودًا بدعم ومساعدة كل منهم الآخر خلال الأوقات العصيبة وأن يتقاسموا أرباح شراكتهم. ظل آمشيل الابن الأكبر في فرانكفورت لإدارة ثروات الشركة الأم في حين قام ناثان ماير الابن الثالث لماير آمشيل بتأسيس أعمال العائلة في بريطانيا العظمي ومع حلول عام 1820 كانت هناك فروع للمجموعة في باريس، وفيينا، ونابولي تحت إدارة سالمون وكارل على التوالي.

استمرت الأعمال في التطور خلال فترة حروب نابليون على الرغم من انقسام أوروبا. وفي عام 1806 أجبرت قوات نابليون أحد عملاء ماير آمشيل وهو أمير هيس على الخروج من بلاده. كان ماير آمشيل وصيًا وأمينًا على أصول وممتلكات الأمير وبعد عودته من المنفى ابتهج سرورًا عندما رأي أصوله بدلاً من أن تنهب وتسلب في أوقات الحرب والصراعات، وجدها قد زادت ونمت تحت إدارة آمشيل الحكيمة والأمينة.

جدير بالذكر أن العائلة حافظت على أعمالها وشبكة اتصالاتها الآمنة بكل نجاح خلال هذه الفترات العصيبة، فقد ساعدت هذه الشبكة العائلة على توثيق علاقاتها بحيث لا توقفها حدود سياسية أو عسكرية خلال أوقات الحروب والقتال. ومن بين الأمثلة والنماذج على الإستراتيجية المبكرة الناجحة ذلك التفويض الذي قبلته عائلة روثستشايلد من الحكومة البريطانية في عام 1814 لتزويد وإمداد دوق ويلنجتون بالأموال لدفع رواتب القوات في الوقت الذي كانت فيه الحملة متجهة إلى معركة ووترلو، واستطاع الأخوة ووكلائهم شراء كمية كبيرة من العملات المعدنية بقيم صغيرة تجنبًا لإثارة الريبة والشك في هوية العميل النهائي ألا وهو الحكومة ومن ثم ضمان عدالة الأسعار واستقرار الأسواق.

ولكن لم يكن ذلك هو السبب الوحيد وراء اكتساب شركة روثستشايلد لسمعتها المرموقة، فقد كان ناثان روثستشايلد الذي كان يتولي دورًا رائدًا في الشركة من مقرها في لندن أول شخص يتلقى نبأ هزيمة نابليون في معركة ووترلو. ووصلت الأنباء أول ما وصلت إلى سانت سويثنز لاين والتي ماتزال المقر الرئيسي للمصارف البريطانية ـ بواسطة أحد رسل العائلة. وشرع ناثان مباشرة في إبلاغ رئيس الوزراء بهذا الخبر والذي لم يصدقه، واستغرق الأمر رسول الحكومة البريطانية 24 ساعة ليصل بالأخبار ذاتها وانطلاقًا من هذا الموقف ذاعت سمعة وصيت روثستشايلد في الحصول على المعلومات بسرعة ودقة وأمان.

وقد عززت ووطدت السنوات التي تلت الحرب النابليونية اسم روثستشايلد حيث تم تكليفها من قبل العديد من الحكومات للتعامل مع القروض الحكومية، وكان دورها آنذاك هو دور الوسيط بين الدولة والمستثمرين. ويرجع الفضل في ذلك إلى ابتكارات ناثان في اتخاذ الإجراءات اللازمة بحيث يتم سداد أقساط الأرباح بالجنيه الإسترليني في لندن. وبدأ الشعب البريطاني يشعر بمزيد من الثقة في هذا النوع من الاستثمار. وبهذه الطريقة ضمنت الدولة توافر عدد كبير من المستثمرين بينما ازدادت أيضًا ثقة المستثمرين في تقييم روثستشايلد للملاءة الائتمانية للدولة – والتي اكتسبتها من خلال شبكة من العملاء والمؤسسات الخاصة بها في جميع أنحاء أوربا وهو ما يعتبر عاملاً آخر أدى إلى زيادة الثقة في المزيد من الأعمال التي تقدمها المؤوسة.

وخلال القرن التاسع عشر تولت شركات أعمال روثستشايلد التعامل مع العديد من القروض الحكومية حول العالم، ومع زيادة واتساع رقعة الأعمال بدأت في تطوير المزيد من الخبرات الفنية في المشروعات الصناعية المختلفة، حيث قامت الشركة بتمويل وبناء نظام شبكات سكة حديد كبيرة وإنشاء العديد من سبل وشبكات الاتصال إضافة إلى فتح أسواق جديدة للبضائع والسلع. وقد قامت الشركة أيضًا بالاستثمار في العديد من المجالات منها مصانع الحديد والموارد الطبيعية وحرصت على العمل مع الخبراء في هذا المجال لضمان نجاح هذه الاستثمارات.

لقد كانت هناك أيام يسر وأيام عسر، ولكن تظل فلسفة وحكمة ماير آمشيل حية حتى اليوم. وتتجلى روح تعهد وإستمرارية الأعمال والمشروعات التي لم تخبو يومًا في أعمال روثستشايلد لتؤكد وتثبت احترامهم للتقاليد ونماذج الأعمال، وقد تأكد ذلك عندما تم تأميم بنك روثستشايلد في فرنسا عام 1981 حيث كان التأميم من وجهة نظر ديفيد وإريك دو روثستشايلد تحديًا جديدًا وشرعوا في إنشاء بنك إستثماري في فرنسا حيث اختاروا للبنك هيكلاً يتواكب مع روح العصر.

ومنذ تسعينيات القرن العشرين بدأ العمل على تجميع الأعمال المصرفية للفروع المختلفة تحت مظلة مؤوسسة واحدة برئاسة البارون ديفيد دو روثستشايلد رئيس مجلس إدارة الشركة الموسعة الجديدة. وجدير بالذكر أن ابن عمه بارون إريك دو روثستشايلد يشغل منصب رئيس أعمال المصرفية الخاصة والائتمان. 

واليـــوم

يعمل ما يزيد عن 2800 موظف في مجموعة روثستشايلد في 38 دولة حيث أثبت نموذجها الاستشاري نفسه مما تمخض عنه قبول متزايد لخدماتها بين الأفراد، والشركات والحكومات في جميع أنحاء العالم الساعين للحصول على استشارات حيادية موضوعية وعادلة من مصدر موثوق من خلال بيئة عمل تنعم بالاستقرار. وقد أظهر التاريخ العريق الذي تتمتع به عائلة روثستشايلد أهمية وجود منهج مرن لمعالجة العمليات والقضايا المختلفة. وتضم اليوم أعمال الشركة بين جنباتها الأعمال المصرفية الإستثمارية والمصرفية الخاصة إضافة إلى قائمة من الأعمال تم تشكيلها حديثًًا مثل الأعمال المصرفية التجارية، والتي تسعى إلى الاستثمار المشترك في مجموعة من الأعمال العالمية وهو ما يعود بالعائلة إلى جذورها المصرفية التجارية.

وعلى مدار تاريخ العائلة واصل أعضاء فروع عائلة روثستشايلد القيام بدور فعال في الأعمال إلى جانب من هم ليسوا أعضاءً في العائلة، وتتواصل مسيرة التجديد والسعي الدءوب نحو التميز والامتياز وها قد جاء اليوم والشركة تحتل مكانة جيدة تتوافق مع السنوات 250 عامًا القادمة.

مقابلة ـ سؤال وجواب

قام أحد أجدادك السيد/ ماير آمشيل روثستشايلد بتوسيع أعماله ووصل بها إلى حد العالمية من خلال إرسال أبنائه إلى الخارج. فكيف تقوم بتنظيم خلافتك لهذه الأعمال في الوقت الحاضر؟

z249

هناك ثلاثة جوانب لخلافة هذا المنصب فالأمر الأول وهو معلوم لدى الجميع حيث مُنعت النساء في فترة من الفترات من الخروج للعمل وفي رأيي الشخصي. لو كان لدينا موضوعية في قياس القدرات العقلية لأعضاء أفراد أسرة روثستشايلد منذ بداية المجموعة وحتى يومنا هذا لأدركنا وجود العديد من المواهب والقدرات لدى نساء عائلة روثستشايلد، بل لربما كانت بعض هذه القدرات أكثر موهبة من الكثير من رجال الأسرة، والتفسير الوحيد لمنع خروج النساء للعمل في الأجيال الثلاثة الأولى هو أن المرأة قد تتزوج من شخص آخر من خارج العائلة وفي حال رغب الزوج الجديد في المشاركة في العمل فمن الممكن أن يشارك فيه مع بمرور الوقت ولكن ذلك قد يضعف من قوة عائلة روثستشايلد، واعتقد أن ذلك كان هو السبب الرئيسي وراء هذا القرار. والآن لا أدري كيف يمكن الحكم على هذا القرار، وإذا ما كان صائبًا أو خاطئًا. أما اليوم فقد اختفى العمل بهذا القرار إلى الأبد فالمتقدمين لخلافة رئاسة أعمال عائلة روثستشايلد من الرجال والنساء يعاملون سواء بسواء وأعتقد أن هذا أمر على قدر كبير الأهمية.

الأمر الثاني هو أنه لا يوجد أحد في عائلتنا مجبرًا أو مضطرًا للانضمام إلى هذا البنك ، ولقد أنعم الله علي بأن ابني أليكسندر البالغ من العمر 29 عامًا انضم إلى البنك مؤخرًا. أراد أليكسندر في بادئ الأمر أن يكتشف ماهية التمويل والإستثمار، ولقد عمل لمدة خمس سنوات خارج المؤوسسة ثم بعد ذلك طلب بنفسه وأعرب عن رغبته في الانضمام للبنك. ولقد قمت بالتحدث إليه وأوضحت له المسؤوليات التي سوف تلقى على عاتقه كونه يعتبر من الأسرة ولكنني أكدت له لمرة ثانية بإنه أذا شعر فجأة أن لديه الرغبة في عمل شيء آخر فيقم بالمباشرة به ودون تردد.

الأمر الثالث هو أنك لا يمكن أن يكون لديك 250 عامًا من التاريخ الطويل دون أن يكون لديك كفاءات بشرية يعتمد عليها، فمجرد كونه أو كونها من الأسرة ليس ضمانًا للحصول على مناصب عليا في البنك، وإنني أفضل أن أرى العائلة بصفة مساهم رئيسي في الشركة ولا يكون رئيس مجلس الإدارة من أفراد عائلة روثستشايلد بدلاً من أن نفقد سمعتنا بالتميز والتفوق. ولذلك فإنني دائماً أسعى للحصول على من يتمتعون بأفضل أداء وذكاء في العمل ليكونوا شركائي في العمل. إن أفراد العائلة يريدون أن يكونوا رؤساء وهو أمر طبيعي، ولكن من الضروري أن يكون هناك أفراد آخرون من خارج الأسرة على قدر كبير من الكفاءة في المؤسسة ولذلك فإننا نرحب بالعديد من الأفراد من خارج العائلة. والإدارة العليا التي اختارت العمل في شركة عائلية، تحب وتقبل بمفهوم العمل لدى الشركات العائلية وإلا لما اختارت العمل في هذا المجال. وعندما يلتحقون للعمل يكون هناك استقرار دائم حيث إنهم لا يتنافسون معي لإنهم ينظرون إلى رئيس مجلس إدارة من عائلة روثستشايلد على أنه أحد المميزات في الشركة، وينظرون إليه على أنه من الأصول وليس من المسؤوليات مما يعني أن العلامة التجارية لروثستشايلد محفوظة ومقدرة. إن العلاقات رفيعة المستوى ـ وهو الأمر الشديد الأهمية في العمل المصرفي الاستثماري ـ والاجتماع بالأفراد والتحدث معهم، واكتساب ثقة الجميع يمثل أحد أهم نقاط القوة الرئيسية في عملنا.

إن المجموعة، عبر تاريخ روثستشايلد، تبدو وكأنها تزداد قوة وابتكارًا بعد كل أزمة وتحد يواجهه العالم. فما الذي يجعل روثستشايلد أكثر قوة وصلابة بعد كل أزمة؟

لا أعتقد أنه يوجد ثمة إجابة واحدة وبسيطة على هذا السؤال لأني لا أعلم إلى متى سيستمر ذلك وما إذا كان ذلك مرده الجينات البشرية لعائلة روثستشايلد أم أنه أمر أخر ، غير أننا نتمتع بشعور عظيم من التضامن والوفاء بين أفراد العائلة. إنني أعتقد أنه عند وقوع أحداث مهمة يكون هناك شعور بحتمية أن يساعد كل منا الآخر ونظل متضامنين معًا”. النقطة الأخرى الجديرة بالذكر هي ما يحدث عندما يبدأ اسم أحد أفراد العائلة في الظهور واكتساب الشهرة. فعندما ترك الأخوة – أبناء ماير آمشيل فرانكفورت واستقروا وعملوا في شراكة تميزت بالتضامن القانوني والمالي المطلق وبحسب اعتقادي عندما يكون لك عائلة يرتبط اسمها بأعمالها، فإنه هناك نوع من الفطرة والغريزة الطبيعية و الالتزام الذي يحتم عليك فعل كل ما هو جيد ويصب في صالح تلك العلامة التجارية العائلية. ولكن في نهاية اليوم تجد أن أغلب حالات الترابط العائلي تعتمد على مشاعر الحب والألفة بين أفراد العائلة، وعندما ندمج كل هذه العواطف والانفعالات مع تقديرنا لأهمية السمعة، فإن ذلك يجعلنا أكثر حساسية وإدراكًا تجاه الاتجاهات وردود الأفعال والدوافع والتعليقات التي قد تساعد الشركة وهو ما يسري حتى يومنا هذا.

تتمتع روثستشايلد بسمعة وصيت ذائع في جميع أنحاء العالم بما تقدمه من معلومات موثوقة، هل تظن أن عامل عائلة الأعمال مايزال الجانب الأقوى في تحقيق ثقة العملاء؟

إن الشركة التي تملكها العائلة هي شركة غير مدرجة في أسواق الأسهم، وثقة المستثمرين هي من الأمور التي يتعين علينا التعامل معها قليلاً مقارنةً بالبنوك المدرجة أسواق الأسهم ، وهنا يكمن السؤال عن أسباب ثقة العملاء بنا؟ إن ذلك يرجع إلى سمعة وتاريخ العائلة بصفة جزئية. ولكنه في معظمه يرجع إلى الأقدمية في التاريخ لإن 250 عامًا من الخبرة كفيل بأن يتحدث عن نفسه. ولكن الأمر من وجهة نظري أعمق من ذلك بكثير. إن الأقدمية عبارة عن رصيد من السمعة والثقة لا يخصني أنا فقط بل يرجع إلى أسلافي، ولكنني أعتقد أن السبب وراء عملنا الجيد طوال هذه السنوات مرده إلى قيامنا بالحصول على موظفين على قدر كبير من المهارة والإبداع والمعرفة ممن يتمتعون بالذكاء والقدرات الفذة. نحن لسنا أشخاصًا أنقى أو أفضل أو أكثر احترامًا من الآخرين ولكننا نعي جيدًا حاجتنا لحماية سمعة الشركة والسبب الجوهري لهذا الأمر هو أن سمعتنا هي أقوى أصولنا لإنه متى ما وجد العملاء فريق عمل جيد يؤدي عملاً متقنًا فإن التأثير الإيجابي لهذا الأمر يكون له نفس الأهمية كما لو كنا نستعين بمصادر تمويل ضخمة أو مجموعة من الأصول الملموسة الأخرى.

في عام 2003 تمت عملية الاندماج بين فرعي المملكة المتحدة وفرنسا بنجاح ويتم الآن إدارتهما بطريقة مشتركة. فما هي التحديات التي واجهتموها في هذا الصدد؟

إن تاريخًا حافلاً يقف خلف أحداث 2003.

قام النظام الاشتراكي الحاكم في فرنسا في عام 1981 بتأميم بنك روثستشايلد  الفرنسي؛ وعليه لم نجد بدًا من أن نؤسس بنكًا استثماريًا جديدًا في فرنسا بالاشتراك مع عائلتين قريبتين أخرتين بالإضافة إلى عدد محدود من الزملاء رفيعي المستوى. وفي تلك الأثناء كانت شركة روثستشايلد الإنجليزية – التي تأسست منذ حوالي عام 1800 – ما تزال مزدهرة. لقد كان البنك الفرنسي الذي تم تأميمه بنكًا تجاريًا ولكن لما شرعنا نؤسس بنكًا جديدًا في عام 1982 أبصرنا بأن المستقبل هو لبنوك الاستثمار أو بالأحرى البنوك الاستشارية. وقد تضمن البنك الجديد اثنين من الأعمال الرئيسية، وهما على صلة وثيقة إلى اليوم: أولهما تقديم إستشارات موضوعية وحيادية ذات جودة عالية للعملاء، وثانيهما إدارة ثروات العملاء.

وما أن بلغنا عام 1990، حتى كانا بنكي عائلة روثستشايلد – في إنجلترا وفرنسا – واللذان كانا يحملان نفس الاسم ونفس العلامة التجارية، في منافسة مع بعضهما البعض. ولم تكن ساحة هذه المنافسة هي السوق المحلية لكل منهما بل إن المصرفيين الفرنسيين أرادوا تقديم نصائحهم ومشورتهم إلى الشركات الأسبانية أو الإيطالية أو الألمانية وهي الشركات التي لطالما ظل المصرفيون الإنجليز يخدمونها تاريخيًا. لذا فقد كان لزامًا علينا الوصول إلى شيء منطقي يكون قادرًا على الوفاء باحتياجات العملاء بدلاً من إشباع غرور المصرفيين.

وفي التسعينيات من القرن المنصرم، وافق ابن عمي إفلين – الذي كان وقتئذٍ يشغل منصب رئيس مجلس إدارة بنك روثستشايلد الإنجليزي- على أن يبيع لنا حصة صغيرة من المجموعة الإنجليزية ثم بدأنا عملية التقارب علماُ بأن الأمر لم يتم من خلال تغيير الهياكل القانونية فقط ولكن من خلال الانتقال بالنشاط ببطء إلى أن يأخذ شكل شركة واحدة فريدة. لقد حددنا الطريقة التي يعمل بها المصرفيون وكيف يقومون بإدارة كافة أنشطة الأعمال الأوروبية من خلال كيان واحد منفرد بحيث لا يكون هناك منافسة غير صحية وإنما من أجل غرض وهدف مشترك. لقد كانت لدينا رؤية وفهم واضحين على الرغم من اختلاف الكيانات القانونية وإمتداد العائلة ولكن الحاجة الماسة لأن نعمل تحت علامة تجارية واحدة للوصول إلى العالمية حقًا أعطتنا العزيمة القوية لكي نُنظم أنفسنا بشكل مترابط.

هل واجهت أي اعتراض من جانب الموظفين أو العائلة؟

لا فمع منتصف ثمانينيات القرن العشرين أدرك الجميع أن الاقتصاديات العالمية تتجه نحو العولمة بحيث إنه إذا كان لديك طموح في العالمية مثلنا فإن القضية التي تطرح نفسها هي كيف ننظم أنفسنا بحيث نؤدي بأفضل صورة ممكنة خارج الأسواق المحلية. لقد رأى جميع طاقم العاملين كل خطوة نقوم بها على إنها إيجابية تمامًا لنشاط الأعمال الذي كانت تحذوهم رغبة في تطويره. وقد شهد عام 2003 نهاية عملية قد بدأت منذ أمدٍ طويل ولكن تصادف أيضًا أن تكون هذه هي اللحظة التي يرغب فيها ابن عمي إفلين في التقاعد فقام ببيع أسهمه إلى العائلة الفرنسية فأصبحنا نمثل أغلبية المساهمين في هذا الكيان المشترك من كلتا العائلتين الإنجليزية والفرنسية وهو ما تم بالطبع من خلال الإبقاء على أبناء إفلين ككبار المساهمين في المجموعة. إن الإبقاء على هذا البنك كمؤسسة أنجلو فرنسية تمثل جزءًا من جيناتنا وتركيبنا الوراثي وثقافتنا. 

كيف نجوتم من براثن الأزمة المالية الراهنة؟ وما هي رؤية مجموعتكم للوضع بأكمله في الوقت الراهن؟

دعني في البداية أُبدي تعليقًا في غاية الأهمية: “لا يروقني المصرفيون الذين يقولون لقد قمت بأداء جيد في حين أخفق الآخرون”. إنها وجهة نظر خاطئة وأعتقد أنها غير مناسبة تمامًا لإننا عانينا جميعًا من الأزمة.  لماذا عانينا بشكل أقل وما السبب في أن أدائنا كان جيدًا على نحو نسبي يرجع إلى سبب واحد وبسيط وهو أنه عندما يتعلق الأمر بالشركة العائلية فإنك تريد أن تستمر كمؤوسسة عائلية إلى أطول فترة ممكنة وذلك لوجود إحساس بالفخر و إحساس بأهمية حماية المصالح المالية العائلية. وهذا يعني بوجه عام عدم تعرض المشاريع التي أنت بصدد الشروع في تنفيذها لمخاطر كبيرة. كما أنك سوف تكون مستعدًا لقبول عائدات أقل خلال أوقات اليسر من أجل تحقيق هدف الإستمرارية. فنحن لدينا ثلاث مجالات عمل تُبرز روح ومبادئ عائلتنا حيث أننا على الأرجح واحدة من الشركات الرائدة على مستوى العالم فيما يتعلق بمساعدة العملاء في إعادة التفاوض حول ديونهم مع البنوك، ومساعدة العملاء في تحقيق مزيد من الاستقرار المالي خلال الأوقات العصيبة. كما إننا نقوم أيضًا بتقديم الاستشارات ليس فقط فيما يتعلق بإعادة هيكلة الديون ولكن أيضًا بشأن إستراتيجيات الاستحواذ والإندماج، والتمويل من خلال جمع رؤوس الأموال والإقتراض. ويتمثل عملنا الثاني في المحافظة على ثروات العملاء حيث إننا نركز على إمكانية تعظيم العملاء لثرواتهم من خلال أقل مستوى من المخاطر. وأخيرًا نقوم بأداء ما يُسمّى بالمصرفية التجارية والتي يمكن أن نشير إليها بصفتها صندوق توظيف أموال خاص. جدير بالذكر أن شركتنا تضخ جزءًا من الأموال الخاصة بهذا الصندوق ويضخ شركاؤنا جزءًا آخر من الأموال بالإضافة أيضًا لمساهمة العديد من كبار الموظفين بالاستثمار لدينا في الصندوق، وغالبًا ما نعمل على جذب الشركات العائلية والقائمين على المشاريع وأيضًا الأفراد الذين يتفهمون ثقافتنا. ونحن نطلق عليها صرافة الاستثمار لأننا لا نتنافس مع شركات توظيف الأموال الخاصة ولسنا بصدد جذب الأعمال وتشغيلها فقط ولكننا نقوم بأدوارٍ رقابيةٍ كبيرة على الأعمال في  الشركات التي نقوم بإدارتها. إننا نختار الشركاء الذين نود مرافقتهم ونوكل إليهم إدارة الأعمال ونفكر على نحو واضح في وضع إستراتيجية للتخارج من هذه الإستثمارات. تلك هي الفلسفة الخاصة بمصرفنا. إن العمل الخاص بإقراضنا للعملاء هو محدود جدًا والتي تمثل نشاط إقراض صغير مُهيكل لعملائنا في المملكة المتحدة ويمثل هذا المستوى من الإقراض نسبة صغيرة مقارنة بنسب إقراض المصارف الكبيرة التي تقدم قروضًا كبيرة. ولقد قمنا باتخاذ إجراءات عديدة للتقليل من هذا النشاط في هذه الأزمة للحد من التعرض لمخاطر أكبر. وبالرغم من أخذ هذه الإحتياطات فقد تأثرنا لأننا نكون في حالة من النشاط والفعالية فقط إذا كان شركاؤنا يواجهون مناخ عمل جيد وبيئة تجارية مشجعة وبالتالي فإنه عندما يلجأ عملاؤنا لتقليل أعمالهم فإننا نقوم بتقليل أعمالنا بالمثل.

ما هي المناطق الجغرافية التي تركز عليها روثستشايلد في المستقبل القريب؟

إنني أعتقد أن الاقتصاد العالمي ما زال هشًا وضعيفًا. إن ما نطلق عليها ” بأوروبا القديمة”” ماتزال تشكل السوق الأساسية لمصرفنا وكنتيجة اقتصادية لأوضاع الأسواق الأوربية خلال العام المنصرم سوف تنمو بعض الأنشطة الخاصة بنا بسرعة أقل من المعدلات الطبيعية في السابق. ولكننا نشهد تغيرات كبيرة في كثير من الاقتصاديات على مستوى العالم مما ساعد على نمو أعمالنا في بعض المناطق في بلدان مثل روسيا والصين وآسيا وجنوب أفريقيا والشرق الأوسط وعدد من البلدان الأخرى وهو ما جعلنا في قمة السعادة بالنتائج والتوقعات الناجمة عن هذه التغيرات. الجدير بالذكر  أن بلدًا مثل الهند حيث يتواجد لنا فيها حاليًا ما يزيد عن 20 متخصصًا من مجموعتنا تعتبر أحد أسرع الأسواق لنمو أعمالنا. ويكمن التحدي أمامنا في التوسع في العديد من الدول الأخرى والذي يمثل صعوبة في أحيان كثيرة لحرصنا على التأكد من أن ثقافة الأفراد الذين يعملون لدينا هي ذات جودة عالية تمكننا من الإستمرار وبقدرة كبيرة في تقديم الاستشارات المالية والإستراتيجية إلى عملائنا فيما يتعلق بالفرص في الأسواق العالمية. وهنا أود أن أشير إلى أن توجهنا السائد يقوم على إنتقاء أفرادًا ذو فكرًا شامل وعميق لمواجهة عالم ما بعد الأزمة الأقتصادية التي ألمت بالعديد من الإقتصاديات المتقدمة والنامية على حد سواء و يمثل هذا التوجه الشغل الشاغل  لفكرنا في للعالم.

ما هي الأمور التي تركز عليها في عملك الاستشاري؟ هل تعمل كثيرًا مع روثستشايلد كشركة عائلية؟

أنت لا تستطيع أن تقو ببناء شركة قوية راسخة فقط من خلال التركيز على ما يعتبره كل موظف لدينا بأكبر 10 عملاء. إذ إننا نقوم بعمليات إعادة هيكلة رأس المال للشركات الكبيرة ولكننا نقوم إيضًا بعمليات إعادة هيكلة رأس المال للشركات المتوسطة. إننا نحرص على تقديم النصح والإستشارات لعمليات إعادة هيكلة رأس المال للشركات المتوسطة والتي تعتبر مع الشركات المعروفة في قطاعاتها والتي عادة ما تدار من قبل العوائل التجارية أو متعهدي المشروعات. أننا نود أن نساهم في نمو تلك الشركات المتوسطة التي تدار بواسطة الأشخاص الذين يملكونها والتي ليست بالضرورة من الأفيال الضخمة التي تسعى وراء عائدات مجزية لمساهميها في أسواق الأوراق المالية وحسب. نحن لدينا علاقات متقدمة وراسخة مع العديد من العوائل التجارية في حياتنا الشخصية وفي أعمالنا وهم يثقون بنا وبالتالي يثقون في استشاراتنا كما يثقون في إدارتنا لأموالهم.

إننا نؤمن بأن حجم عميلنا ليس هو العامل الرئيس لإختيار العميل. إن أراد المصرفيون الإستثماريين الحصول على الاستقرار لحجم أعمالهم فإنهم في حاجة إلى قاعدة عملاء أكبر ولأننا نفهم طريق إدارة الشركات العائلية من واقع خبرتنا الواسعة في العمل مع العديد من العائلات التجارية في العالم فلقد ترسخت ثقافة خدمة العملاء من مختلف الأحجام لدى موظفينا.

ما هو رأيكم عن وضع شركة روثستشايلد في العالم العربي؟

لقد باشرت روثستشايلد عملها بشكل رسمي في الشرق الأوسط عام 2006، ولديها أحد أكبر الفرق الاستشارية وأكثرها استقرارا وخبرة في المنطقة حيث يضم الفريق نحو 20 مصرفيا، منها كوادر وطنية في مناصب إدارية عليا في الإمارات وفي مكاتبها في كل من دبي و أبوظبي والدوحة. ويقوم هذا الفريق بتوفير خدمات الإستشارات المالية والإستراتيجية، و يشتمل اطار عمل المؤسسة على تقديم خدمات النصح والإستشارة الموضوعية والحيادية في مجالات الاستراتيجيات المؤسساتية، وعمليات الاندماج والاستحواذ، و توفير السيولة وجمع رؤوس الأموال من خلال أسواق أوراق المال العالمية، و تقديم خدمات استشارية تتعلق بعمليات الإقتراض، وعمليات إعادة الهيكلة للمؤسسات والديون. وبالنسبة لوضع الشركة في العالم فنحن مازلنا في فترة المهد في العالم العربي حتى بعد إقامتنا علاقات مع عدد من الحكومات و الشخصيات المهمة والذين يسعون إلى نيل فرص استثمارية في العالم ونحن نتطلع إلى استكشاف المنطقة بشكل أكبر.

ما هي رؤيتكم للمستقبل القريب والبعيد لروثستشايلد؟

في المستقبل المنظور فإنني أرى أن روثستشايلد سوف تستمر في التعامل مع الأزمة وسوف نظل نعمل كشركة عالمية أو كشركة متعددة الجنسيات ذات أصول أوروبية. فنحن نرغب في التطور والنمو في كافة أنحاء المعمورة. وسوف نستمر في العمل في تلك المناطق التي قمنا باختيارها مؤمنين بمبدئنا وشعارنا المتمثل في امتلاك عدد محدد من الأعمال والتي تدار بجودة فائقة وعالية. ولكن ما هو طموحنا؟ إن طموحنا أن يرانا العالم الخارجي كإستشاري جديرًا بالثقة يتم إختياره بصورة طبيعية ليقدم لهم خدمات النصح والإستشارة الموضوعية والحيادية ذات الجودة الفائقة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 5, 2010

Tags from the story