نقطة الصفر

الجيل , نقطة

  مقالات منوّعة : نقطة الصفر 

عندما ترسّخ مؤسسة ما طرقها و اجراءاتها المعينة لتسيير الأمور يكون من الصعب غالباً اقناع الأشخاص بفعالية و فائدة اجراء عمليات مراجعة شاملة للطرق التقليدية للعمل. يشاركنا أنيس قمر سلطان رئيس قسم تطوير التسويق في دبليو جي تاول في سلطنة عمان بتجربته عندما أصرّ على إعادة اختراع العجل في شركة عائلته.

أنيس رضا قمر سلطان ، رئيس قسم تطوير التسويق في دبليو جي تاول، سلطنة عمان

يقول المؤرخ ويل دورانت: لن تبقى الحضارة خالدة. ولضمان بقائها، على كل جيل أن يعيد تعلّمها. 

كنت قد أتممتُ سنةً تعريفية في شركة العائلة في مهام متفرقة ومتعددة عندما بدا لي أنه الوقت المناسبٌ للتعمق بعض الشيء.  وبدا لي ايضاً أنه لا شيء أعمق من بحـر الأرقام.  فأُعطِيت لي مهام بناء بعض التقارير الإدارية التي من شأنها خدمة “المالك”.  و كشركة كبيرة كشركتنا لها تاريخ طويل وبها شركات ومجموعات متعددة فكان من الطبيعي أن تضم فيالق من المحاسبين الذين ينهالون علينا بتقاريرهم المالية الدورية. ولم يكن رد الفعل لذلك الأمرمفاجئاً لي حيث كان من شأنه أن يُفسَّر كتدخُّل أو تشكيك فيما يقوم به المختصون، ناهيك عما سيكون رد الفعل لو وَجدتُ ثغرةٍ ما أو خلل.  لذلك وبحماسة شديدة أكدتُ للجميع أن ما سأُقدم عليه سيكون عملاً موازياً أو مكملاً لما ينتجه المحترفون.

وجاء رد الفعل سريعاً ومدوياً من مديري المباشر،  فقد فسّر ما أنوي القيام به بالرجوع الى نقطة الصفر أو كما يُردَّد “إعادة اختراع العَجَل.”  وفي لحظة جامحة – أدركت بعدها صواب قراري – تحديت المدير بـ ‘نعم، أريد أن أبدأ من الصفر!’  صَرحتُ بذلك بحزم، ‘أريد أن أتعلم، و أريد أن أعرف كيف يصنع ذلك العَجَل!’  فمهما بلغت جرأة المدير أو نفوذه سيجد أنه من الصعب منع أحدنا -أفراد عائلة عاملين في شركة العائلة- من ‘التعلم’.  فبإسم الرغبة في التعلم، وبحكم مهامي الرسمية طبعاً، شرعتُ فيما أردتُ أن أخوض فيه.

أدركت سريعاً بأن عليَّ صقل مهاراتي في التحليل المالي والتي كانت بحاجة الى ذلك، و لم أجد في ذلك غضاضة  ورأيت عملي يتبلور الى وسيط للمعلومات، ما جعلني أتأمل في طبيعة الإدارة في الشركات الخليجية التي تعتمد في المقام الأول على تحليلات الموظفين المأجورين.  لم يفت الأوان في رأيي على تعلّم و لو القدر البسيط عن عالم الأرقام بل وأنني أرى أنه لا بديل من أن يحلل المرء الأرقام والمعضلات بنفسه وأن يستفيد من آراء الآخرين أيضاً.  وتذكرت مثل الذي يقود سيارته في مدينة غريبة، فلا بد من أن يفقد سبيله أولاً حتى تنكشف مخابئ المدينة أمامه. على كلٍ، لم يكن ما وجدته في أرقامي شيئاً خارقاً أو غير متوقع ، ولكني عزَّزتُ من موقفي كنقطة وصل بين التقارير المالية المجردة وبين اهتمامات أصحاب رأس المال.

دفعني كل ذلك إلى التفكير في تجارب عملي السابقة.  فقد عملت فيما مضى مع رئيس تنفيذي كان قد استعان بتكرار مفردات بسيطة للتوصل إلى السبب أو “الحقيقة”.  ‘لماذا؟’ و‘كيف؟’ ردّدهما مراراً من غير أي وجل وفي كل محادثة ومع كل شخص.  أرى الآن أن مثل هذا التساؤل ينحدر تحت باب ‘التعلم’ ، فيكون من الصعب تجاهل المتسائل، لا سيما أن هدفه هو المعرفة والفهم و الوصول إلى جوهر الأمور.  و‘لماذا؟’ و‘كيف؟’ تشكلان تحدياً للمتحدث لإثبات صحة افتراضه ، وتفرضان أيضاً الرجوع الى نقطة الصفر، وليس هناك ما يعيب الرجوع الى الصفر إذا ما بدأ المرء من قاعدة بسيطة يريد تدعيمها.  ولم يكن الرئيس التنفيذي ليخبرنا بما لهذه العادة من أثر سلبي على شعبيته و لكن لم يكن لأي شخص في منصبه أن يكترث لتأفُفات موظفيه إذا ما أصر على أسألته، فحذاري …

و يأخذني موضوع الرجوع الى نقطة الصفر ومدى تقـبّله في عالم الأعمال الى نظرة أصحاب الشركات الكبار للتعليم الجامعي. شخصياً، أتألم عند سماعي لأكثر من رئيس أو “شهبندر” خليجي يستعين بتعليلات تُحُطُ من مقدرة الشهادة الجامعية.  ‘الجامعة كلامها نظري’ هي الجملة الأكثر شيوعاً.  بالطبع لا تخلق أي جامعة رجل أعمال.  ولكن الخبرة والعلم – بما في ذلك علم المحاسبة والتمويل – يؤديان الى قرار أسلم وأعمق.  ويبقى كلام الكتب نظرياً في الكتب، ولكن رجل الأعمال المستنير يعلم كيف يواجه ما يُدسُّ من تحاليل أو بيانات (أو أحلام) خيراً من أن يستعين بمساعدين قد ينقلب ولاءهم لغير مصلحة شركتهم.

عند تأملي فيما كشفته الأرقام لي، بدا جلياً أن ما سأحرره من تقرير سيؤدي إلى امتعاض البعض.  تساءلت فيما لو أسرعت بتقريري الى مكتب الرئيس، وتخيلت نفسي متحدياً إياه أنه لو طلب التقرير من آخرين لحصل على جزء من الحقيقة.  ولكن سرعان ما تدخل العقل لمحض مثل هذه البطولات الخيالية فلا رغبةً لي في خلق عداوات في موقف يتسم أصلاً بالحساسية  وماذا كان سيحل بمصداقيتي لو كانت معلوماتي ناقصة أو غير دقيقة؟  وفعلاً، بعد اجتماع لمّ المعنيين بدا ما بدأته ناقصاٌ مما جعل الجميع يعمل على اكماله.  وإذا يبدو للقارئ الكريم أن كل ما ذكرته آنفاً تحدٍ إداري أو مثالاً على صعوبة التواصل، فما أراه أمامي أدهى؛  فالتحدي هنا هو كيف أُغيّر من طريقة عرض تقارير أو حتى فحواها وقد عمل عليها منتجوها دهراً ولم ير قارئوها سواها؟  أعتقد أنني بحاجة إلى المزيد من الوقت والخبرة والعلم، ولكنني لن أعط الموضوع حقه حتى أدلي بالتالي تجاه من يعيب على ‘إعادة اختراع العجل’: لو عمل أحدهم على صناعة عجل الدراجة الهوائية – ولا أتحدث هنا عن عجلات السيارات أو الطائرات أو استخدامات تقنية عالية – لتعلم أصولاً في الهندسة والفيزياء والكيمياء وعلم التعدين والإنتاج.  ألا يبدو الرجوع الى نقطة الصفر هنا هدفاً نبيلاً يخرجنا إلى النور؟

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 10, 2011

Tags from the story