هل يكون صغر الحجم ميزة ؟

الحذر , الحجم

 المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم 

تحديات تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول الخليج العربي 

من المتعارف عليه أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي محفز مهم للنمو والتنمية والتنوع للدول في جميع مراحل التطوّر. بالرغم من المفهوم الراسخ لريادة الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي و الحجم الكبير لقطاعات الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة الخليج، إلا أنه ما زال هناك قدرات وإمكانيات رائعة للتنوع المستدام وتوفير الوظائف لم تتم الاستفادة منها بعد. دكتور ستيفن هيرتوج المحاضر بكلية لندن للاقتصاد والمدير الأكاديمي للمعهد الدولي للشركات العائلية يتناول باستفاضة التحديات والتوجّهات في الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي. 

دكتور ستيفن هيرتوج، محاضر في كلية لندن للاقتصاد والمدير الأكاديمي للمعهد الدولي للشركات العائلية

zsteffen-close-up-better

توضح دراسة موسّعة أجريتها من 2008 إلى 2010 بالتعاون مع غرف التجارة الأوروبية وغرفة التجارة الألمانية بالإمارات واتحاد الغرف التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي[1] أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الخليجية غالباً ما تركز على أنشطة منخفضة الربح وتوظّف نسبة من العمالة الوافدة أكبر حتى من تلك التي توظفها الشركات الخاصة الأخرى. للتغلب على القيود الحالية للقطاعقد يكون هناك حاجة إلى إعادة النظر في سياسات الدعم الحكومية وكذلك توجّهات الشركات بشأن الموارد البشرية والحوكمة المؤسسية.

الشركات الصغيرة والمتوسطة  في منطقة الخليج: ما نعرفه وما نجهله عنها

تقتصر البيانات عن الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي غالباً على عددها الإجمالي وما تمثّله من نسبة في كل قطاع وإجمالي مساهمتها في سوق العمل. و لا تتوفر إلى الآن في منطقة الخليج بصفة عامة المعلومات المذكورة في احصاءات الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مثل الربحية أو معدل الاستمرارية أو دورة رأس المال .

ومع ذلك، توضّح الملامح العامة التي تحدد قطاعات الشركات الصغيرة والمتوسطة في الخليج أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكّل ما نسبته  90% على الأقل من كافة الشركات في جميع دول المنطقة. تعمل نسبة كبيرة من الشركات الصغيرة والمتوسطةهذه  في قطاع التجارة بالإضافة إلى قطاعات أخرى مهمة مثل الورش الصغيرة والفنادق والمطاعم و المقاولات، بينما تقل أهميتها في الصناعة والقطاعات الأخرى التي تتطلب امتلاك رؤوس أموال كبيرة.

تميل الشركات الصغيرة والمتوسطة في الخليج إلى الأنشطة منخفضة الربحية والأنشطة الخدمية الصغيرة. تقسيم هذه الشركات على القطاعات المختلفة في الأسواق الناضجة يتسم بالمزيد من  التنوعية والتوازن .

توفر الشركات التي لديها 100 موظف فرص عمل لنسبة تتراوح بين 40 و63% من القوى العاملة الخاصة الرسمية في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي مقارنة بحوالي 60% في الاتحاد الأوروبي. في حالات مجلس التعاون الخليجي حيث نجد شركات متوسطة وصغيرة ومتناهية الصغر، يتضح أنه بالرغم من هيمنتها العددية -نسبة الشركات متناهية الصغرالتي لديها 10 موظفين في سوق العمل الرسمي متواضعة إلى حد ما- فإنها توفر ما بين 10 و30% من إجمالي فرص العمل الرسمية في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. وعند مقارنتها بنظيراتها من الشركات الأوروبية متناهية الصغر، نجد أن نسبتها تصل إلى حوالي الثلث من جميع وظائف القطاع الخاص في مختلف أنحاء القارة.

هذا ويعتبر سجل دول مجلس التعاون الخليجي ضعيف على نحو خاص فيما يتعلق بتوظيف المواطنين حيث تشير التقديرات إلى أن 98% من موظفي الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية هم من الوافدين، بينما تبلغ نسبة الوافدين في القطاع الخاص إجمالاً في السعودية إلى ما يقارب 90%.

وتعدّ البيانات الخاصة بإسهام الشركات الخليجية الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني قليلة ومحدودة للغاية. لكن نظراً لأن الشركات الصغيرة والمتوسطة تدفع في المتوسط أجور أقل وتعمل في أنشطة أقل ربحية وأقل احتياجاً إلى رؤوس الأموال الكبيرة مقارنة بالشركات الكبيرة، فإن نسبتة مساهمتها في النشاط الاقتصادي الخاص أقل منها في وظائف القطاع الخاص، حيث يُحتمل أن تصل إلى 30% لا غير، وهي أقل بكثير من من مساهمة نظيراتها في الاتحاد الأوروبي حيث تقترب النسبة من  50%.

هناك الكثير من قصص التجديد والنمو المبهرة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة بدول الخليج. ومع ذلك فلا تزال مساهمة قطاع عريض من مجموع الشركات الصغيرة والمتوسطة في تنويع الأنشطة وتوظيف المواطنين قليلة إلى حد ما. ما العوامل التي تعيق دور الشركات الخليجية الصغيرة والمتوسطة في تحديث الاقتصاد؟

التحديات

تتشابه الكثير من المشكلات المعيقة لتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة في الخليج مع تلك الموجودة في الدول المتقدمة والدول النامية بصفة عامة، بينما هناك أمور أخرى تقتصر على منطقة الخليج دون سواها.

يُعد الحصول على التمويل واحدة من المشكلات العامة الشهيرة.وفقاً لدراسة أجرتها شركة دان وبرادستريت، فقد رفضت البنوك في الإمارات في عام 2008 حوالي 50 إلى 70% من طلبات الحصول على قروض من الشركات الصغيرة والمتوسطة نظراً لارتفاع المخاطرة ولإخفاق المتقدمين في تلبية شروط الحصول على قرض. لم تتمكن 55% من الشركات الصغيرة والمتوسطة من الحصول على القرض الذي كانت تحتاجه. وعلى النقيض في الاتحاد الأوروبي وبالرغم من الأزمة الاقتصادية الأخيرة، فإن أكثر من 70% من الشركات حصلت على كل أو جزء من القرض البنكي الذي طلبته، بينما رُفض قطعياً حوالي 15%  وهذا  وفقاً لدراسة موسعة شملت الاتحاد الأوروبي في 2009.

يعتبرأحد الأسباب التي قد تجعل البنوك المحلية تتجنب إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة هو المجهود الإداري الكبير نسبياً عند التعامل معها. ومع ذلك، في كثير من الأحيان يتم رفض طلبات القروض لمبررات قوية: كضعف و بدائية المهارات المحاسبية للكثير من مدراء الشركات الصغيرة والمتوسطة ؛ وغالباً ما يكون هناك نقص في خطط الأعمال ودراسات الجدوى. علاوة على ذلك، فإن إجراءات تنفيذ وتحصيل الضمانات في المحاكم المحلية تكون بطيئة في بعض الأحيان.

تفويض المدراء الوافدين للقيام بالعمليات التشغيلية اليومية -خاصة في دول الخليج الأصغر والأوفر في الموارد المالية- يؤدي إلى الحد من الابتكار واكتساب المهارات لدى أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة. فطالما أن هناك إمكانية تحقيق تدفق منتظم للدخل من خلال أنشطة قليلة الربحية وبمجهود قليل من جانب المالك، سيظل النفور من الابتكار وتجنب المخاطرة سائداً في الشركات الصغيرة.

كما أن نمط الأعمال في الخليج يميل إلى الفردية بوضوح، حيث يندر التعاون فيما بين الشركات الصغيرة والمتوسطة فيما يتعلق بالمشتريات وسلاسل التوريد والتسويق. و قد يعني نقص تخطيط الأعمال وهوامش الربح المنخفضة كذلك محدودية الوصول إلى العمالة الماهرة. تعرض الشركات الصغيرة والمتوسطة غالبًا أجورًا منخفضة على موظفيها مع غياب مخططات للتطور المهني أو التوقعات على المدى البعيد.

كما تستمر إدارة الشركات الصغيرة والمتوسطة في بذل الكثير من الجهد في التعامل مع البيروقراطيات المحلية فبينما أصبحت بيئة الاستثمار أيسر لكبار المستثمرين في مجلس التعاون الخليجي، ما زالت في أغلب الأحيان مرهقة للشركات الأصغر حجماً،وهذا ما يزيد من صعوبة التنبؤبالأعمال وبالتالي يقوّض فرص الاستثمار على المدى البعيد. توضّح دراسة أجرتها غرفة الرياض التجارية أن البيروقراطية هي أهم عائق أمام تطور الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية:

أهم عائق أمام تطور الشركات المتوسطة والصغير وفقاً لدراسة غرفة الرياض للتجارة والصناعة

أخذت الحكومات على عاتقها مهمة تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة، فقد ظهر العديد من برامج الدعم خلال العقد الماضي. ومع ذلك، لا تزال هذه البرامج متباعدة وغير مترابطة ودراسات المتابعة وعمليات التقييم المنهجي لنتائج السياسات نادرة وقليلة. كان من الممكن ظهور النماذج المبتكرة لخدمات الأعمال وخدمات الحضانة المطورة في بعض المؤسسات الإقليمية بمظهر أفضل إذا ما تم إعداد مثل هذه التقارير.

يمكن للمرء انتقاد فكرة أن الكثير من البرامج ما زال يوفر الدعم المالي المباشر لتمويل مشروعات سواء كانت قابلة للتطبيق أو لا بدون تفرقة بينها، كما أن بعضها يقدم خدمات سيكون من الأسهل توفيرها من خلال شركات خدمات الأعمال الخاصة.

الشركات الصغيرة والمتوسطة كشركات عائلية

تعتبر تقريباً كافة الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي هي شركات عائلية ، وبالتالي تصبح تحديات الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديات للشركات العائلية أيضاً. ويكون العكس صحيح، حيث تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة المشكلات المعتادة في الشركات العائلية من قبيل التفريق بين الملكية والإدارة وإعداد خطط الخلافة وفصل العائلة عن الشركة من ناحية الأمور المالية وغيرها الكثير.

قد تصعّب هيمنة العائلة من عملية اجتذاب المدراء المؤهلين من خارجها، كما أن تركيز السطات في العديد من الشركات العائلية قد يدفع كذلك أفراد العائلة من ذوي المواهب إلى ترك الشركة، مما يزيد من تأزم موقف الموارد البشرية بالشركات الصغيرة والمتوسطة.

وجود هياكل وأنظمة غير ثابتة بشركة منخفضة الربحية يعني عادة أنه ليس هناك الكثير لتسليمه للجيل القادم. توفر الروابط العائلية الثقة، لكن عند الاعتقاد أنها قد تحل محل أنظمة الحوكمة الرسمية، فعادة ما تكون النتيجة تدهور الشركة بمجرد تغير ظروف العائلة. متوسط عمر الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية هو 7 سنوات، ما يعكس بدوره انخفاض معدل استمرارية هذه الشركات. يُوصى بإجراء إصلاحات الحوكمة في الشركات الخليجية الصغيرة والمتوسطة، ليس فقط لتحويلها إلى شركات ذات إنتاجية أعلى للقيمة المضافة، وإنما للحفاظ على ثروة العائلة كذلك.

الحاجة إلى قيمة مضافة أعلى

لا يكمن التحدي بالنسبة لقطاعات الشركات الصغيرة والمتوسطة بمنطقة الخليج في النمو الكمي الكلي، والذي تحقق من خلال عملية الجلب المستمر للعمالة الأجنبية، مما كان له عائد ضئيل نسبيًا على المدى البعيد بالنسبة للمواطنين. وإنما يكون التحدي هو النمو النوعي للتحول إلى قطاعات تقنية وإدارية أكثر تعقيداً وتطوراً تتيح تنوع المنتجات، والأجور والأرباح الكبيرة التي تكفي حاجة الموظفين من المواطنين. ولتحقيق هذا الهدف، يجب التغلب على النموذج الحالي للشركات الصغيرة والمتوسطة والذي يقوم على توفير كافة الشركات لنفس الخدمات والمنتجات منخفضة الربحية.

يجب أن ينبع هذا التغيير من داخل الشركات، لكن بإمكان الحكومات المساعدة على بعض الأصعدة، ومنها مثلاً:

  • الاستعانة بالهيئات الوطنية الرائدة لتنسيق وتقييم سياسات دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وجمع المعلومات المتاحة ودمجها ثم توفيرها للعامة.
  • اقتصار تركيز سياسات الدعم على القطاعات الفرعية ذات القيمة المضافة الأعلى والتي يمكنها توفير فرص توظيف للمواطنين.
  • توجيه برامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى توفير بيئة تتيح نمو هذه الشركات بدلاً من الاعتماد على القروض المدعمة وخدمات دعم الأعمال المجانية.
  • تعزيز الأنظمة التعاونية بين الشركات الصغيرة والمتوسطة في التسويق والمشتريات ومشاركة البنية التحتية وخدمات الأعمال.
  • قياس أداء برامج الدعم الموجودة حالياً من خلال التجارب المراقبة ثم نشر النتائج.
  • إقامة منافذ مخصصة لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الهيئات الحكومية.

في ظل الظروف المناسبة، يمكن للشركات العائلية الخليجية الصغيرة أن تصبح المحفز الأساسي لتوفير فرص العمل للمواطنين والتنوع على إطار كبير وشامل. في أوروبا، أسهمت الشركات التي بها 250 موظف في زيادة فرص العمل بنسبة 85% من 2002 إلى 2007. من الضرورة بمكان وجود سياسة مستنيرة للشركات الصغيرة والمتوسطة للتغلب على التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي سوف يواجهها الشباب والعاطلون عن العمل بدول مجلس التعاون الخليجي في السنوات القادمة.

[1] “تقييم سياسات الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي”، http://ahk-vae.cps-projects.de/fileadmin/ahk_vae/Wirtschaftsnachrichten/SME_STUDY_FINAL_VERSION.pdf

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 10, 2011

Tags from the story