ريادة الأعمال الإجتماعية – نظرة مستقبلية مبتكرة على التنمية البشرية

الإجتماعية

 نظرة مستقبلية مبتكرة على التنمية البشرية

يميل الكثير من الأفراد إلى التفرقة بين اهتمامات القطاع الخاص واهتمامات القطاع العام. والذي لا يدركه معظمهم حتى الآن إنه توجد منطقة رمادية بين الأثنين يغطيها نموذج أعمال حديث العهد يُسمى: المؤسسة التجارية الإجتماعية. بالرغم من أن مفهوم توجيه التفكير المعني بالأعمال والتجارة إلى حل التحديات الإجتماعية ليس بجديد على العالم العربي، حيث تعد الأعمال المتعاطفة مع الآخرين والأعمال الخيرية المعلن عنها على استحياء جزءًا من الأعمال اليومية، إلا أن ظهور مؤسسات الأعمال الإجتماعية أعطى هذا الاتجاه شكلا ملموسًا. يتناول غسان نقل نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة نقل بالأردن في مقالته وجود المؤسسات التجارية الإجتماعية في الاقتصاد الأردني والعالم العربي بصفة عامة مع التوصية بتضمين نموذج الأعمال الجديد هذا في التعليم والسياسات.

بالتأكيد، ريادة الأعمال الإجتماعية ليست مفهومًا جديدًا، ولكنها شهدت تطورًا ملحوظًا منذ ظهورها لأول مرة منذ ما يزيد على عشر سنوات مضت. والأمر أكثر من مجرد نزعة خيرية أو إنسانية، فهذا الاتجاه الجديد يتضمن طرقًا حديثة لمعالجة التحديات الإجتماعية التي تواجه العالم العربي والمجتمع الدولي على حد سواء. وحاليًا، تحفز ريادة الأعمال الإجتماعية إقامة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بما يضمن تحقيق نجاحات فعالة ومستدامة. حيث تجمع في طياتها شغف الدفاع عن قضية بالإضافة إلى مهارات وأداوات تجارية قوية. وبالرغم من أن العديد يعقتد إن مشاركة القطاع الخاص لا تتعدى تقديم الموارد المالية، فإن ريادة الأعمال الإجتماعية في الوقت الحالي قائمة على التحالفات الفعلية والوسائل المبتكرة لمعالجة القضايا الإجتماعية على نحو مؤثر ومستدام والذي يضمن استمرارية تمكين المجتمعات ومشاركتها.

فكرة ريادة الأعمال الإجتماعية متأصلة بوضوح في الثقافة العربية، ومنبثقة من المعتقد الأساسي بأهمية مساعدة الآخرين وتقديم يد العون لهم. وكثيرا ما يُخلط بين ريادة الأعمال الإجتماعية من ناحية والمسئولية الإجتماعية للشركات أو النزعة الإنسانية أو حتى الأعمال الخيرية من ناحية أخرى، إلا أن الأولى أكثر استراتيجية وتوجهًا نحو الأعمال. وإلى وقتنا هذا، كانت البرامج المحفزة لمشاركة القطاع الخاص تركز على التخفيف من وطأة مشكلة على المدى القصير مثل القضاء على المجاعات. وبالرغم من أهيمتها التي لا يمكن إغفالها أو إنكارها، فمازال هناك كذلك هدف مشترك على المدى البعيد للتمكين الإجتماعي والنجاح المستدام يجب أخذه في الحسبان. وهنا تحديدًا تظهر أهمية ريادة الأعمال الإجتماعية لأنها في جوهرها معنية بإيجاد حلول إجتماعية وقيمة إقتصادية مشتركة.

ورواد الأعمال الإجتماعية ككل يخوضوا التحديات الإجتماعية بطريقة مبتكرة وديناميكية مع وجود حرص دائم على الاستدامة. لنأخذ على سبيل المثال محمد يونس الحائز على جائز نوبل عام 2006 والمؤسس لمصرف جرامين. لقد كان هدفه الأولي القضاء على الفقر، والذي بإتفاق الكثير ليس بالمهمة البسيطة. طريقة يونس في التعامل مع المشكلة -تقديم قروض صغيرة للمعدمين- تبدو بسيطة وإن كانت مبتكرة، وهذه غالبًًا ما تعد العلامة المميزة لريادة الأعمال الإجتماعية في أبسط صورها.

يوجد في الأردن العديد من الشراكات القائمة بين القطاعين العام والخاص بالفعل، ورغم ذلك فمساهمات القطاع الخاص ذات طابع مالي في أغلبها. ولعله سيكون تطورًا مفيدًا إذا ما تعاون القطاع الخاص مع المؤسسات الحكومية من أجل تطوير إطار عمل أكثر ريادية للتعامل مع القضايا الإجتماعية الملحة.  ويلعب القطاع العام كذلك دورًا رئيسيًا في تسهيل عملية الشراكة وضمان أن الكيانات الخاصة قادرة على العمل استباقيًا. من الأهمية بمكان تذكر أن مشاركة القطاع الخاص لن تكون فعالة وناجحة إلا إذا تم السماح له بتقديم ما هو أكثر من الموارد المالية؛ ريادة الأعمال الإجتماعية تكون في قمة نجاحاتها عندما يقدم القطاع الخاص ما لديه من أفضلية وتحليلات متميزة بالإضافة إلى قدراته على التخطيط وأداء عمليات التطوير.

z026_bxp45601h

في الأردن، هناك العديد من المجالات غير المطروقة التي يمكن استخدامها بفعالية لتشجيع الاستيعاب المتنامي لريادة الأعمال الإجتماعية. عند استخدام الإعلام على النحو المناسب، يصبح أداة قوية لنشر المعلومات بفعالية وعلى نطاق كبير من الجماهير في جميع أنحاء المملكة. يجب على محترفي الإعلام وكذلك أصحاب المدونات استيعاب أساسيات ريادة الأعمال الإجتماعية أولا بحيث يمكنهم توضيح مزاياها على النحو الأمثل.

وبالمثل، فمع وجود 65% من تعداد سكان الأردن دون سن الخامسة والعشرين، يلوح في الأفق مجال آخر جديد يمكن لرواد الأعمال الإجتماعية التركيز عليه، ألا وهو الجامعات. فمن خلال تقديم دورات تدريبية مخصصة عن ريادة الأعمال الإجتماعية وتشجيع دارسي الإدارة والأعمال على فهم ريادة الأعمال الإجتماعية، سيصبح هناك أمل بتحول المفهوم إلى ما هو أكثر من مجرد رؤية للتعاطف مع الآخرين. هناك أمل أن تصبح ريادة الأعمال الإجتماعية أسلوب حياة.

وأخيرًا، يجب علينا عدم إغفال واحدة من أكثر الوسائل فاعلية في الترويج لريادة الأعمال الإجتماعية؛ ألا وهي تقديم كل من التفكير النقدي والمشاركة المجتمعية للدارسين في مرحلة سنية مبكرة بحيث لا يقتصر وجودهما على أنشطة ما بعد المدرسة فحسب وإنما كجزء من المنهج الدراسي الأساسي. علاوة على ذلك، يجب أن تكون هناك وحدة دراسية أكثر حرصًا على النتائج لتشجيع الأطفال على النظر بطريقة مختلفة إلى أنفسهم وإلى علاقتهم بالعالم من حولهم وكيفية المواظبة على استكشاف وسائل للبحث عن حلول مبتكرة لحل الأزمات.

ولضمان زيادة علاقات الشراكة الناجحة مع القطاع الخاص، تظل كيانات القطاع الخاص مطالبة بضرورة التعاون الكامل مع بعضها البعض مما سيؤدي إلى مزيد من المجهودات الموحدة والمتكاملة في طبيعتها وتجنب التكرار. كما يجب على العديد من الوزارات المشاركة بممارسات أعمال مبتكرة وأدوات صناعية أثبتت جدارتها وتحالفات فعلية. يمكن لوزارات التعليم والتعليم العالي في العالم العربي إدراج وحدة دراسية شاملة في المدارس والجامعات لتزويد الطلبة بالمعلومات المتعلقة بريادة الأعمال الإجتماعية والأدوات اللازمة لإعداد الأجيال القادمة من شباب رواد الأعمال الإجتماعية. والذين سيصبحون أملنا الكبير في المستقبل.

غسان إيليا نقل

نائب رئيس مجلس الإدارة

مجموعة نقل

الأردن

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story