عصر الإعلام الاجتماعي

عصر الإعلام الاجتماعي

عصر الإعلام الاجتماعي

تأثيرات الاتصال والتميّز السِلعي

عزّز ظهور الإعلام الاجتماعي من قدرتنا على الاتصال الفوريّ عبر المسافات البعيدة. وبالطبع لا يمكن إنكار تأثير هذا التطور على طريقة تفاعل المؤسسات مع عملائها. إذ يتيح التقدم الذي تشهده التكنولوجيا على يد الإعلام الاجتماعي طرح المزيد من المزايا التي تعود بالنفع على العلامات التجارية. وهنا يجب على الشركات أن تتبنى هذا التطور بشيء من الاتزان لكيلا يتداخل ذلك مع استراتيجية التميز السلعي الخاصة بها. وفي مقابلة أجريت مع الخبير باتريك ستال، المدير الإداري لشركة إنتربراند أمستردام، تكتشف مجلة ثروات كيف يمكن للمؤسسات أن تستخدم الإعلام الاجتماعي كأداة هادفة لتعزيز استراتيجية التميّز السِلعي والاتصالات الخاصة بها.

كيف يتفاعل مفهوما الاتصالات والتميّز السِلعي مع أحدهما الآخر؟

يُخطئ بعض الأشخاص باعتقادهم أن التميَز السِلعي يشير إلى هويتنا لكنه في الحقيقة يصف الطريقة التي نستخدمها في فعل كل شيء نقوم به؛ أي الطريقة التي نُسيّر بها أعمالنا التجارية. تضمن العلامة التجارية وجود خبرة مناسبة عبر كافة سلوكياتنا سواءً كانت مرتبطة بتعريف منتجاتنا وخدماتنا أو مرتبطة بالاتصالات التسويقية. تُعتبر الاتصالات جزءاً من التميّز السِلعي ولكنها حتماً ليست الجزء الأوحد كما أنها ليست الجزء الأهم بالنسبة للعديد من الشركات

لا بدّ للعلامة التجارية الخاصة بالشركة أن تتمحور حول جوهر المؤسسة حيث يتم استخدام الاتصالات كوسيلةٍ لإحياء العلامة التجارية. يتجه عدد متزايد من المؤسسات نحو تعيين مسؤولين رئيسيين مختصين بالعلامات التجارية؛ الأمر الذي يعكس إدراكها لأهمية العلامة التجارية في المؤسسة.  يختلف مجال عمل المسؤول الرئيسي المختص بالتميّز السلعي عن المسؤول الرئيسي المختص بالتسويق: حيث يضمن أحدهما تميّز العمليات المرتبطة بالاتصالات التسويقية وينهض بمهمة التخطيط ويؤدي مهام الاتصالات. بينما يضمن مسؤول التميّز السلعي  أن كل ما نقوم به يتماشى مع ما نريد فعله بوصفنا إحدى العلامات التجارية – بدءاً من تصنيف المنتجات وحتى الاختيارات المتعلقة بسلسلة التوريد.

هل غيّر الإعلام الاجتماعي من الطريقة التي نتواصل بها؟

يُعرف الإعلام الاجتماعي على أنه التطور التالي للتكنولوجيا والذي من شأنه أن يساعدنا في التصرف كأشخاص اجتماعيين. أي أنّه لم يغير الطريقة التي نتواصل بها. لقد جعل الاتصال أمراً سهلاً فحسب. حيث كانت التكنولوجيا السابقة تفرض علينا قيوداً. فتوجب علينا أن نخطط مسألة الاتصالات. لقد تغيرت الأمور الآن وأصبح بإمكاني إرسال أي من أفكاري من خلال الرنين فقط. إن الأمر أشبه بتجاذب أطراف حديث مستمر مع أحدنا الآخر. إنها ذات الطريقة التي اتبعناها عبر الماضي السحيق الممتد إلى زمن رجال الكهوف إن جاز التعبير. إذ كنا نجلس حول ألسنة النار ونتشارك الأفكار. لقد مهّد الإعلام الاجتماعي بيئة التعامل ليسمح لنا بالتواصل على نحوٍ يماثل في كثير من جوانبه طريقة التواصل المباشر. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو كيف غيّر الإعلام الاجتماعي طريقة التي نتواصل بها بصفة شركة تجارية وبصفة علامة تجارية.

في محادثة أجريتها مؤخراً مع توماس مارزانو، مدير التصميم الرقمي في شركة فيليبس، ذكر لي أن الإعلام الاجتماعي لم يفعل أي شيء سوى الرجوع بنا إلى الطريقة التي كانت الشركات التجارية تتواصل بها منذ مئة سنة مضت. إنني أميل للاتفاق معه بهذا الشأن. لنفترض أنك كنت بصدد افتتاح مخزناً تجارياً منذ مئة سنة لاستقبال العملاء، الأمر الذي يحفز الكثير من التفاعل الاجتماعي. وكان لديك تفاعلاً شخصياً وعلاقات عمل تربطك بالعملاء والموردين. اكتشف جميعنا في السبعينيات والثمانينيات المزايا التي وهبتنا إياها الوسيلة الأولى للاتصال الجماهيري. حينها بدأنا باستخدام التليفزيون والراديو ووسائل الإعلام الأخرى للتواصل بصورة أكبر مع عملاء ذلك المحل. واكتشفنا أن ثمة طرقاً لتوصيل آرائنا لنطاقٍ واسعٍ من الجماهير. لقد أدت هذه الوسائل أيضاً إلى توسيع المسافات وإلى إثارة اتصال أحادي الاتجاه. فلم نعد نتحدث مع عملائنا بل أصبحنا نتحدث إليهم. بينما نتحدث اليوم ليس مع شخص واحد من الطرف الآخر لنافذة البيع وإنما مع عشرات الآلاف من العملاء في الوقت نفسه. ولكن لا ننسى أن الإعلام الاجتماعي ساعدنا في تكوين محادثة حقيقية وعلاقات شخصية مع عملائنا. سيأتي لنا بالكثير من الفوائد إذا ما استخدمناه على النحو الصحيح.

هل تعتقد أن الاتصال الرقمي وجد ليستبدل الاتصال الشخصي؟

ليس لدي أدنى شك أن الإنسان سخّر الإعلام الاجتماعي ليخدم حاجاته في الاتصال والتواصل. أعتقد أنه أداة قمنا بتطويرها لكي تتيح لنا الاستمتاع بإجراء المحادثات التي كنا لنحظى بها عند الجلوس بجوار بعضنا البعض. أعتقد أنه في الوقت الذي قد يستخدم الكثير من الأشخاص وسائل الإعلام الاجتماعي للاستمتاع بالمحادثات الشخصية، لا يمكن لشيء أن يستبدل متعة المحادثات الشخصية المباشرة. يتم الآن إجراء بحث يتناول مدى تقييد الإعلام الاجتماعي للطريقة التي نتفاعل بها باعتبارنا كائنات بشرية وتأثير ذلك على الأطفال. لكني أعتقد أن الإعلام الاجتماعي في جوهره ما هو سوى تقنية تسهّل تنفيذ الأشياء التي اعتدنا فعلها كأفراد.

باعتقادك، ما هي الأشياء التي يتوجب على الشركات إبداء الحذر الشديد حيالها عند استخدام الإعلام الاجتماعي كأداة؟

لنلقٍ في البدء نظرة إلى نظرية التميز السلعي. ثمة عدد من النقاط التي نعلم أهميتها إحصائياً إذ أنها تؤدي دورها كعلامة تجارية قوية. وهنا توجد عشرة عوامل:

  • الوضوح الداخلي بشأن ما ترمز إليه علامتنا التجارية
  • الالتزام الداخلي تجاه العلامة التجارية والتأكد من إدراك الجميع لأهمية علامتنا التجارية بصفتها أحد أصول الشركة الواجب علينا حمايتها.
  • حماية علامتنا التجارية بالمعنى القانوني وعبر التأكيد على كوننا موظفون أقوياء في الشركة.
  • الاستجابة – قدرتنا على التفاعل مع التغييرات المهمة في بيئتنا
  • الموثوقية – التأكيد على استناد العلامة التجارية إلى مجموعة راسخة من القيم التي تعتمد على الحقائق والإرث الداخلي للشركة
  • الترابط – التأكد من أن علامتنا التجارية تخدم التوجهات الرئيسية للعملاء
  • تمييز الاختلاف – الدرجة التي يُنظر بها إلى علامتنا التجارية على أنها مميزة عما ينافسها
  • التناسق – الدرجة التي تتمحور خلالها جميع أفعالنا حول تناسق المفهوم
  • التواجد – ضمان تواجد علامتنا التجارية في كل مكان يذيع فيه صيتها من قبل الجماهير
  • الاستيعاب – التأكد من مدى إدراك واستيعاب جمهورنا لأهداف علامتنا التجارية

إذا ما تطرقنا إلى موضوع استخدام الإعلام الاجتماعي، يمكننا البدء بالحديث من منظور الترابط والموثوقية: إن لم تكن قناة الإعلام الاجتماعي ذات صلة بالمنتج أو الخدمة التي نقدمها أو ذات صلة بعملائنا، فلا يجب علينا حينها الالتزام باستخدامها كإحدى أدوات الاتصال الخاصة بنا. ولا بدّ أن نتخذ قرارنا حول استخدام الإعلام الاجتماعي بناءً على الجمهور الذي نستهدفه. لا بد أن نسأل أنفسنا فيما لو كان هذا الوسيط على قدر الأهمية التي نسعى لتحقيقها كعلامة تجارية.

النقطة التالية هي الموثوقية: حينما تتواصل عبر الإعلام الاجتماعي، تستلزم العلامة التجارية ضمان أن ما تقدمه هو حقيقي بالفعل في جوهره وحقيقي بالنسبة لجوهرنا. لقد عودنا أنفسنا على فهم الرسائل التجارية التي تحملها العلامات التجارية إلينا عبر لوحات الإعلانات وعبر الدعاية التليفزيونية. فأصبح لهذه الرسائل مكاناً نمطياً في عقولنا. تخيل أن ثمة محادثة شخصية نتحدث فيها إلى أحد الأصدقاء ثم شرع ذلك الصديق فجأة في الصياح بأننا نحتاج إلى شراء منتج محدد. لن نكون سعداء للغاية. لكن لو قام ذلك الصديق بإطلاعنا عن شيء ما اشتراه عندها سوف يطرح سرداً مختلفاً. بل قد يثير هذا الأمر الفضول والمزيد من الأسئلة عن المنتج. وهذا يفسر مستوى الموثوقية التي يتحتّم على العلامات التجارية استخدامها في الإعلام الاجتماعي عند إجراء المحادثة.

ما الأخطار والمزايا المرتبطة باستخدام الإعلام الاجتماعي داخلياً؟

إن كان بإمكانك ابتكار إعلام اجتماعي مخصص للاستخدام بشكلٍ داخلي فعّال عندها سنجد ضالتنا وقد يلتف من حوله الكثير من الأشخاص. وأعتقد أنه ما من مخاطر متعلقة بذلك الأمر. يرتبط الموقف الثاني الذي لا بد من الانتباه إليه بالطريقة التي يتفاعل بها حاملي الأسهم الداخليين مع عملائنا مباشرةً عبر قنوات الإعلام الاجتماعي. تخشى الكثير من العلامات التجارية هذا الأمر بسبب الافتقار إلى السيطرة الوافية. لكن ماذا لو كان لدينا شركة تجارية تحوي عشرة آلاف موظف. لنفترض أن معظم أولئك الأشخاص سعداء بعملهم الحالي. حينها يمكننا استخدام هذا المورد الخام لابتكار سفراء للعلامة التجارية. أضحت الإدارة الداخلية تتمتع  بأهمية أكثر مما مضى. بل تكمن الأهمية القصوى في التأكيد على تفهم الأفراد العاملين بالشركة لما ترمز إليه العلامة التجارية ومدى تحقيقه في طريقة عملهم اليومي. فنحن نعلم مدى المساهمة الإيجابية التي يمكن للموظفين تقديمها إزاء التميّز السلعي. وأعتقد أن الكثير من الشركات التي بدأت في استخدام الإعلام الاجتماعي منذ خمس أو ست سنوات تبدأ الآن في بقطف ثمار جهودها كونها أكثر ارتياحاً إزاء فتح أبواب أداة الإعلام الاجتماعي أمام قوتها العاملة بالكامل.

أعتقد أن الشيء المهم هنا هو مقدار الوضوح الداخلي الذي تقدمه الشركة حول العلامة التجارية. إذ يتمكن الموظفون من إجراء محادثات بناءة وقيمة مع قاعدة العملاء وبشكل يومي. وربما يوازي ذلك حملة دعاية كاملة. كما أنني أعتقد أن تحويل الأفراد إلى سفراء للعلامة التجارية من خلال الإدارة الداخلية للعلامة التجارية هو مفتاح النجاح للكثير من العمليات التجارية.

ما الاتجاهات الحالية للإعلام الاجتماعي؟ كيف سيؤثر هذا على استراتيجيات الاتصالات الخاصة بالشركات في المستقبل؟

رجوعاً بالزمان للوراء، لقد عشنا جميعاً في القرية نفسها وكنا نرى أحدنا الآخر يومياً. بينما يعيش أصدقاؤنا الآن في جميع أنحاء العالم وبالتالي نحتاج لأن نتفاعل معهم ولأن نتابع أحوالهم. ومن هنا جاء الإعلام الاجتماعي. لقد نما عالمنا وكبر حجمه، وبرزت حاجة حقيقية إلى شبكة التواصل الاجتماعي لينكد إن وفيسبوك على سبيل المثال. وسوف يستمر الإعلام الاجتماعي في تقديم الأشياء التي نستمتع بممارستها بصفتنا أشخاص اجتماعيين. وفيما يتعلق باستراتيجيات الاتصالات، ستحوّل العلامات التجارية اهتمامها إلى كيفية الدعاية عبر الإعلام الاجتماعي وكيفية تحقيق الاستثمار الداخلي. سوف تنظر الشركات إلى أفرادها باعتبارهم عامل استثمار، مما يتيح لهم أن يكونوا وكلاء أقوياء في ممارسة العمل التجاري للشركة.

أعتقد أن الشركات العائلية تملك إمكانيات عظيمة. قد تشعر بعض تلك الشركات بالخوف الشديد لأن الإعلام الاجتماعي قد يسلط المزيد من الضوء على العائلة. لقد تجنّب أصحاب الشركات العائلية وبشكلٍ تقليدي تسليط الضوء الإعلامي عليهم لكيلا تتعرض العائلة لأي خطر يرتبط بالسمعة. أعتقد أن بعض الشركات سوف تستمر في الاحتفاظ بهذا البناء الوقائي. وهنا أعتقد أنه لا يجوز أن تنظر الشركات الأخرى إلى استخدام الإعلام الاجتماعي بنفس منظور الشركة العائلية. وبالرغم من ذلك أعتقد أنه يمكن توسيع نطاق العلامة التجارية والشركة التجارية دونأن تتعرض العائلات بالضرورة لأي خطر.

لو كانت العائلات تسعى للحصول على التميّز السلعي لنفسها بصفتها شركات عائلية وتعتبر نفسها أفضل من منافسيها لأنها مملوكة من قبل عائلات، فهي إذاً تجعل من نفسها عمداً الجزء الأكبر من علاماتها التجارية. بالطبع يتيح الإعلام الاجتماعي لأصحاب هذه الشركات أن يمارسوا دوراً أعظم مما تمارسه الآن . فقد ترغب هذه الشركة في أن يقوم أفراد العائلة الرئيسيين ممن لديهم حسابات منفصلة على تويتر بكتابة تعليق على بعض ما تقوم بها العلامة التجارية والهدف وراء ذلك. أظن بأن كثير من العملاء يحبون ذلك الأمر باعتباره دلالة على الموثوقية، حيث يتبين لهم من أين يأتي المنتج أو الخدمة. إنها الرؤية والقصة الكامنة وراء ما تفعله العلامة التجارية. أعتقد أن الإعلام الاجتماعي يقدم أدوات رائعة لابتكار هذه الأنواع من العلاقات الحميمة بالعملاء. لا يجب أن نشعر بالخوف إزائه لأنه يعكس بصورة جوهرية ترجمة الطريقة التي نتواصل بها دوماً.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 17, 2013

Tags from the story