المسؤولية الاجتماعية للشركات العائلية في العالم العربي

المسؤولية الاجتماعية للشركات العائلية

زيادة التنافسية من خلال إحداث الأثر الاجتماعي

كثيرًا ما ذُكر على لسان البعض أنه إذا اعتنت الشركات واهتمت بمسؤولياتها الاجتماعية، فسوف يسهم هذا في تحسّن كبير على تنافسيّة هذه الشركات وتنافسيّة محيط عملها. ومع ذلك، ففي الأوساط الاجتماعية سريعة التغيّر، تواجه الشركات العائلية صعوبة في كيفية المساهمة المسؤولية في مجتماعاتها على نحو يؤدي بالفعل إلى تحسين مكانتها كشركة ويساعد على مزيد من الّتنمية للبنية الاجتماعيّة التي تعمل من خلالها.

المجتمعات الديناميكية واحتياجاتها

ترتبط التغيرات المفاجئة في البنية الاجتماعية والتحوّلات في الأنظمة الاقتصادية ببعضها البعض على نحو لا يمكن الفصل بينهما، وللجانبين تأثير مباشر على تنافسية مجتمع الأعمال. إلى جانب سعي الحكومات إلى تحسين معايير الأعمال من خلال وضع التشريعات وإنشاء حوافز جديدة، فبإمكان مجتمع الأعمال نفسه التحول إلى محرّك هائل لتحسين عملية إيجاد الفرص التجارية وزيادة مستوى التفاعل التّجاري.

 واجه العالم العربي على مدار الأشهر الأخيرة العديد من التحدّيات الجديدة وهناك بعض الشكوك في أن بيئة الأعمال للشركات العائلية من كافة الأحجام تأثرت على نحو بالغ. بما أن الشركات العائلية في الشرق الأوسط كانت دائماً على اتصال بالأطراف المعنية وأصحاب المصلحة وشديدة الامتزاج ببيئتها الاجتماعية المباشرة، فالتحديات التي تواجه المجتمعات سريعة التطور قد تكون فرصة لهذه الشركات لعرض نفسها كمثال على كيفية تعامل الشركات مع هذا التغيّر. إن أهمية الشركات العائلية وكذلك تأثيرها الشامل في مجتمعاتها المحلية يجعل من الصعوبة بمكان الاستغناء عن دورها في رسم ملامح مستقبل المنطقة. قامت العديد من العائلات بتخصيص مبالغ ضخمة كجزء من برامجها الاجتماعية لإنعاش مجتمعاتها وبيئتها. وعلى الرغم من توافر القليل من الحقائق والأرقام بشأن هذه المساهمات، إلا أنه من المعروف على نطاق واسع الحجم الكبير لمساهمات هذه الشركات للمجتمع.

ومع ذلك، لكي تحدث الشركات أثراً حقيقياً، ولكي تساهم أيضاً في الازدهار الكلي وبالتالي زيادة التنافسية، فيجب عليها مراعاة الاحتياجات الأساسية لبيئتها الاقتصادية المباشرة. في الاقتصادات العربية، سنجد بالتأكيد أن الجانبين الرئيسيين في قلب هذه الاحتياجات هما التعليم والتوظيف. إن الكيفية التي تختارها الشركات -سواء كانت عائلية أو غير عائلية- للتعامل مع هاتين المشكلتين سيكون له أبلغ الأثر في تحسين تنافسية الشركة وبيئتها وقد تصبح عاملاً حاسماً كذلك في المزيد من التنمية والتطوير بالشرق الأوسط.

بإلقاء نظرة عن قرب على مجالي التعليم والتوظيف، نجد أن الغالبية العظمى من الشركات العائلية لها أنشطة خيرية متطوّرة كجزء أساسي من رؤيتها والتي من شأنها تعزيز أثرها.

ما الذي يمكن تقديمه للتعليم؟

عندما يتعلق الأمر بالتعليم، فهناك العديد من الوسائل التي يمكن بها للشركات العائلية المساهمة ورؤية المزايا المباشرة التي سوف تعود على قدراتها التنافسية وبيئتها بالنفع:

  • إنشاء صناديق مالية لخدمة التعليم: قامت العديد من العائلات بإنشاء صندوق مالي لتمويل تعليم أفراد العائلة وكذلك عامّة الناس في مجتمعها. وغالباً ما تستهدف هذه الاعتمادات المالية الشهادات الجامعية وما بعدها، ومع ذلك فلا يوجد سوى القليل من المبادرات لدعم التدريب المهني. يُمكن لزيادة الدعم للتدريب المهني والتعليم التقني توسعة شريحة القوى العاملة المؤهلة التي يمكن للشركات العائلية الاستعانة بها وفي نفس الوقت مساعدة المجتمعات لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
  • المساهمة في الجامعات والكليات: هناك وسيلة أخرى للمساهمة في التعليم كثيرًا ما تتبعها العائلات وذلك من خلال زيادة أو إنشاء الكليات والجامعات. هذا بدوره يزيد من قيمة أنشطة عمل العائلة والتمييز التجاري لشركة العائلة.
  • تعليم موظّفي الشركة العائلية: هناك وسيلة أخرى مباشرة للتعامل مع المشكلة وذلك بالتركيز على تعليم الموظفين العاملين بشركة العائلة. قد تستفيد الشركات العائلية بزيادة تطوير وتنمية مهارات موظفيها، سواء كانوا من أفراد العائلة أو من خارجها. قد يعمل هذا على ضمان سلاسة إدارة الشركة في حالة الفترات الانتقالية ويعزّز روح التطوير والابتكار الداخلية.

ما الذي يمكن تقديمه للتوظيف؟

وفقًا لصندوق النقد الدولي، تحتاج المنطقة إلى توفير 18 مليون وظيفة جديدة خلال العقد القادم. لكن السؤال عن كيف يمكن للشركات المشاركة في توفير فرص العمل لا توجد له إجابة محدّدة ومباشرة. في الواقع، زاد إقبال القطاع الخاص في الفترة الأخيرة على توفير فرص العمل. ومع ذلك، فتوفير فرص عمل جديدة ليس بالمهمة السهلة، لأن الشركات في حاجة إلى الموظفين المهرة متعددي الكفاءات والخبرات وهو ما يتماشى مع الحاجة إلى التعليم. ومع هذا، فعند النظر إلى ما هو أبعد من تلك الطريقة التقليدية لتوفير فرص العمل، يمكن للشركات التفكير في الخيارات التالية:

  • دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة: يمكن للشركات العائلية تدعيم تطوّر مشروعات ريادة الأعمال الجديدة سواء بالاستثمار في الأفكار الجديدة لإضافتها إلى مجموعة أنشطة الشركة أو بإنشاء صندوق عائلي للاستثمار بهدف البحث عن المستثمرين الشباب وتقديم الدعم لهم. بالرغم من أن العائد الاستثماري للشركات العائلية من وراء توفير فرص عمل قد يكون مادياً، إلا أنه سوف يتيح في الأساس إمكانية الوصول إلى أفكار تجارية جديدة ومبتكرة وأولويّة الوصول إلى فرص أعمال محتملة.
  • دعم المشروعات الحكومية: وضعت العديد من الحكومات في الشرق الأوسط مشروعات لتوفير وظائف على المدى القريب والبعيد. يمكن توصية الشركات هنا للقيام بتسويق المتطلبات وتقديم فرص المنح التدريبية. وبالتالي يمكن للشركة العائلية العثور على المواهب المرشّحة للعمل بها مستقبلاً.
  • إنشاء أنظمة تدريب مهني داخلية: بالجمع بين الحاجة إلى التوظيف والتعليم، يمكن للشركات التي تعمل في القطاعات التصنيعية قبول القوى العاملة غير المدرّبة بأجور منخفضة وإتاحة الفرصة لهم للتطّور وتنمية مهاراتهم من خلال دورة تدريبية مهنية بداخل الشركة لفترة من الوقت. سوف يتيح هذا للشركات خفض تكاليف موظفيها في البداية وفي نفس الوقت الحصول على قوى عاملة مدرّبة ومؤهلة جيداً فيما بعد.

توحيد المسؤولية الاجتماعية من أجل بيئة تنافسيّة أفضل

من المؤكد أن نتائج الجهود الفردية أو حتى الجماعية من جانب الشركات العائلية لدعم التعليم والتوظيف في الشرق الأوسط سوف تعود بالنّفع عليها. كلما زادت الطاقة الموظّفة للارتقاء بالمعايير العامة للتعليم وبالتالي احتمالات التوظيف، زادت تنافسية الأسواق على الصعيد الإقليمي والعالمي أيضاً. سوف تعمل هذه المبادرات على توفير المزيد من فرص الأعمال. وفي النهاية، فإن التخطيط لمستقبل أفضل للأجيال القادمة يشكّل جزءاً أساسياً من رسالة أيّ شركة عائليّة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 10, 2011

Tags from the story