الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

حوار مع لوكا بيرانو

 تعارض عادةً الشركات العائلية فكرة إدراج أي جزء من شركاتها ضمن سوق الأسهم.  إذ يبدو أن متطلبات سوق الاكتتاب العام تتعارض مع أسلوب الإدارة غير الرسمي الذي تتبعه العائلة في بعض الأحيان وكذلك مع مزايا تحكم العائلة التام في الشركة. وبالرغم من ذلك، تشتمل البورصة الإيطالية الكائنة في ميلانو “بورسا إيطاليانا” على مجموعةٍ من الشركات تعود الحصة الأكبر فيها للشركات العائلية بنسبةٍ تصل إلى 72%. يدرك لوكا بيرانو، رئيس “كونتيننتال يورب” الأسواق الرئيسية لمجموعة بورصة لندن للأوراق المالية، المعنى الحقيقي لهذا التوازن إذ تعاونَ مع المئات من الشركات العائلية التي عُرِضتْ للطرح العام الأولي. يكشف بيرانو في حديثه مع مجلة ثروات عن الفاعلية المتبادلة وغير المتوقعة بين الملكية العائلية والأداء الجيد في سوق الأوراق المالية.

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

ما هو تقييمك لدور الشركات العائلية في الاقتصاد الإيطالي؟

يعتمد اقتصاد إيطاليا على الشركات العائلية التي تشكل الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم الحصة الأكبر فيها. إنه جزءٌ من تراثنا. ونشترك في هذا الأمر مع دولٍ أخرى مثل اسبانيا وفرنسا. حيث تُهيمنُ الشركات العائلية على كافة القطاعات الرائدة في إيطاليا وعلى بعض الشركات العائلية الإيطالية التي تُعد من بين الأعرق والأقدم في العالم. لا يمكنك في إيطاليا تجنب الحديث عن الشركة العائلية أثناء مناقشة العمل. إذ تسيطر الشركات العائلية على نسبةٍ تقارب 72% من كافة الشركات المُدرجة في “البورسا”.

يعتقد معظم الناس أن سوق الأوراق المالية يتعارض مع الشركات العائلية الخاصة وهذا مفهوم خاطئ بالنسبة لنا. حيث تُبنى فكرة عدم تناسب سوق الاكتتاب العام مع الشركات العائلية على فرضية أن العائلة سوف تخسر سيطرتها بمجرد إدراجها للشركة. لكن هذا غير صحيح: لا تزال الغالبية العظمى من الشركات المُدرجة تخضع بالكامل لسيطرة العائلات، حيث تحتفظ العائلات بأكثر من 50% من الشركة. وأعتقد بأنها تركيبة تفاعلية حقاً: الشركات العائلية من جانب والأسواق العامة من جانبٍ آخر. قيّمتْ التقارير العالمية الشركات العائلية المُدرجة وأظهرت المؤشرات تفوّق الشركات العائلية في الأداء مقارنةً مع الشركات الأخرى. ويُعزى ذلك إلى قدرة العائلات على تقديم إستراتيجية بعيدة المدى تحظى بتقدير واستحسان المستثمرين.

تميل العائلات بطبيعتها إلى امتلاك رؤية بعيدة المدى نظراً لحاجتها إلى الحفاظ على تراثها على مدار الأجيال المختلفة. فهي تتمتع بدرجةٍ كبيرةٍ من الإلمام بالشركة وليس من المُرجّح أن تتبنى أساليباً قصيرة الأمد لتحقيق توجهاتها على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال، تعود ملكية شركة “تود” العائلية المتخصصة في المنتجات الجلدية الفاخرة والمُدرجة في بورصة ميلانو إلى عائلة “ديلا فالي”: حيث أعلنت العائلة عند القيام بعملية الطرح العام الأولي عن خطةٍ ومسارٍ واضحين لتحقيق النمو. وتضمنت بعض الأهداف والمسارات الواضحة بعيدة المدى. عانى سوق الأوراق المالية من عدم الاستقرار على مدار السنوات العشرة الماضية. إلا أن ذلك لم يكن ليؤثر على إجمالي مبيعات أسهم شركة “تود” التي حافظت على درجةٍ كبيرةٍ من الثبات. كان هناك رابط مباشر بين أساسيات الشركة وسعر أسهمها في البورصة. أعتقد أن الثبات الذي تميزت به عائلة السيد/ ديلا فالي كان سبباً في تواصل العائلة وضمان تحقيق أهدافها العام تلو الآخر.

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

عندما تبالغ الشركات في وعودها يصبح من الصعب جداً استعادة ثقة السوق. أعتقد أن العائلات تخضع لنظام تدقيق أكبر إذ أنها لا ترغب عادةً في المجازفة بسمعتها. قد يرتبط اسم العائلة في بعض الأحيان باسم العلامة التجارية. فإذا ما نظرنا إلى حالة فيراجامو، نجد أن شركة المنتجات الفاخرة هذه والتي تأسست منذ قرابة المئة عام ما هي سوى قصة ناجحة للغاية عن عملية الطرح العام الأولي: لجأت العائلة إلى السوق في ظل فكرة تنظيم العلاقة بين الأجيال وتحديد أهداف واضحة لأفراد العائلة والمدراء والشركة ذاتها بهدف زيادة فرص استمرار الشركة ربما إلى ما بعد العائلة ذاتها. لا شك أننا نأمل جميعاً في استمرار العائلة في إدارة هذه الشركة والتحكم فيها مستقبلاً. إلا أنها اتخذت قرارها للفصل بين حياة الشركة وحياة العائلة. وقد سمح سوق الأوراق المالية بتنفيذ هذه الإستراتيجية.

وتقدم شركة برونيلو كوتشينيللي المتخصصة في المنتجات الفاخرة نموذجاً آخراً عن الشركة العائلية إذ ازداد الاكتتاب على الأسهم التي عُرِضتْ عند عملية الطرح العام الأولي بمقدار 17 ضعفاً. أعتقد أن نجاح السيد كوتشينيللي يرجع إلى طريقة تنظيمه لعملية الطرح العام الأولي. إذ يجب عليك التجهيز للعملية بأكملها والتي قد تستغرق 12 شهراً من التحضير؛ حيث يجب توافر وتطبيق خطط الأعمال ونُظم التحكم وهيكل الحوكمة. يُطلب من الشركة في الأشهر الأخيرة طرح سجلات العمل للبدء في تجميع طلبات المستثمرين. وهنا قرر السيد كوتشينيللي بدء هذه العملية قبل موعد الطرح العام الأولي بثمانية أشهر. وهذا ما أتاح له إجراء حوار سلس مع المستثمرين. تمكن المستثمرون من الاطلاع على حرفيةالشركة. لقد ابتكر القصة ورسم المعنى الذي تتمحور حوله الشركة. وقد أدى ذلك إلى نجاح لا نظير له. الأمر الذي شجع المستثمرين على دفع سعرأعلى من القيمة المعنوية للشركة. لقد وثقوا في استدامة الشركة على المدى البعيد.

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

هل يتحتّم على الشركة العائلية بلوغ مرحلة معينة حتى تنفذ هذه العملية بنجاح؟

تمحوّر الهدف الرئيسي في حالة السيد كوتشينيللي حول منح الشركة حياة أطول من حياة عائلته. فعلى الرغم من بلوغه سن الشباب الذي يخوله الاستمرار في إدارة الشركة لبضعة سنوات قادمة، إلا أنه فضّل إدارة الشركة بواسطة الأشخاص الأنسب والأكثر تأهيلاً للقيام بالمهمة. وقد أقنع المستثمرين بمراعاة استدامة الشركة على المدى البعيد مما سمح لموظفيه بالحفاظ على مستويات معيشية جيدة.

طرحنا من خلال “بورسا إيطاليانا” برامجاً متخصصة لإعداد العائلات بهدف القيام بعمليات الطرح العام الأولي لأسهمها. وقد اكتشفنا وسيلة جيدة لزيادة اهتمام العائلات بسوق الأوراق المالية. إذ أننا نقدم التدريب والدعم من أجل إدارة التغيير المطلوب للقيام بعملية الإدراج ضمن البورصة. وأوضحنا أن التواصل مع السوق لا يتطلب بالضرورة الكشف عن التركيبة السرية لأحد المنتجات، وإنما يتعلق بالإعلان عن نقاط تميز الشركة واستراتيجياتها. نوضح في برنامجنا مزايا إدارة شركة عامة مدرجة بالبورصة. ندرك أن هذا الأمر هو بمثابة اختبار للعائلة وأنها ليست ملزمة بالتسعير العام. ويقتصر دورنا على المساعدة في تغيير بعض سلوكياتها وممارساتها الداخلية. قد يؤدي إدراج جزء من الشركة ضمن البورصة إلى تحقيق نموٍ قوي لكنه يتطلب مشاركة المعلومات وهو الأمر الذي قد تتردد العائلات في القيام به. تُشكل العائلات التي تقرر طرح أسهمها في البورصة أفضل الأمثلة على الجمع بين هذين الجانبين. فهي توضح كيف يمكن للشركة أن تُدرج ضمن البورصة و في الوقت ذاته تحافظ على صفتها العائلية.

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

ما هي أكبر عقبة تواجهك عند تدريب العائلات على إدراج شركاتها بالبورصة؟

أعتقد أن العائلات لا تطمئن لفكرة مشاركة الكثير من المعلومات. وأعتقد أن هذا أمر مفهوم. تعبر الشركات عن قلقها أحياناً من السماح للمنافسين بمعرفة ما تفعله أو من رد الفعل الذي قد تُبديه الوكالة المالية. بينما تقلق الشركات الأخرى من الاضطرار إلى الدخول في جدالٍ مع أفراد العائلة حول كل قرار والمحافظة على رضا السوق في الوقت نفسه. يمكنك كعائلة الجلوس في غرفة خاصة وإجراء نقاش ثم اتخاذ قرار نهائي في فترة زمنية قصيرة نسبياً. سوف تضطر العائلة باعتبارها كياناً مدرجاً في البورصة إلى إبداء المزيد من الوضوح. ستحتاج إلى اتخاذ القرارات بالاعتماد على مبدأ الشفافية. وقد تُجازف في الوقت ذاته بفقدان الأجواء الطيبة التي تسود بين أفراد العائلة. ولذلك تحتاج فعلياً إلى نموذج تتبعه في إدارة الشركة. إنني أدرِكُ تماماً أنها مهمةٌ في غاية الصعوبة بالنسبة للعائلات. إذ تُعتبر العائلة المالك وحامل الأسهم الرئيسي للشركة. ويجب على الشركة إتباع إجراءات واضحة بغض النظر عما إذا كانت مدرجة ضمن البورصة أم أنها شركة خاصة.

يوجد العديد من الأمثلة التي توضح أن هنالك شركات عائلية كبيرة للغاية غير مدرجة في البورصة ولكنها مُنظمة على طريقة الشركات العامة المدرجة. تحرص شركتي فيريرو وباريلا، على سبيل المثال، أشد الحرص على إتباع  هذه  الإجراءات. إذا لم يكن لديك إجراءات لتتبعها، فسوف تواجه المتاعب عاجلاً أو آجلاً. قد يُسهم إدراج الشركة في البورصة إلى تحسين الشركة من الناحية التنظيمية.

تنطوي العملية بالنسبة للشركات صغيرة الحجم على المقايضة فقد تؤدي مسألة إضافة الإجراءات إلى شركة صغيرة إلى إعاقة الإنتاجية إذ أنها تجعلك أكثر صرامةً وتفقدك المرونة. لحسن الحظ، لا يزال هنالك في معظم الأحوال  رائد أعمال يتولى دفة القيادة في الشركات الصغيرة. لكن في مرحلة معينة لعل التوقف عن إدارة الشركة بمفردك قد يعود عليك بالكثير من المزايا. وهنا لا بُدَّ من تطبيق كافة الإجراءات المناسبة.

الديناميكية المُكملة لأسواق الأوراق المالية والشركات العائلية

هل تشعر أن المناخ الاقتصادي الحالي في إيطاليا يساعد الشركات العائلية على الاكتتاب في البورصة؟

أعتقد أنه كذلك، من منظور المصدرين المحتملين للأسهم، وذلك لسببٍ بسيطٍ للغاية: الوقت عصيب ولا تقدم البنوك خدمات التمويل بسهولة. وربما تكون البنوك في بعض الأحيان أكثر صرامةً من سوق الأوراق المالية. لا بد أن تتمتع شركتك بالثبات إذا ما رغبتَ في المنافسة على الصعيد العالمي. فإما أن تقوم العائلة بضخ بعض المال، أو تحصل على مساهم خارجي سواء عبر السوق الأوراق المالية أو الأسهم الخاصة. ستحتاج في كلا الحالتين إلى القيام بعمليات إعادة هيكلة. وهذا ما يجعلني أعتقد أن اتجاه الشركات الإيطالية إلى السوق في الوقت الحالي قد يعود عليها بالكثير من الإنتاجية. نحاول من خلال برامجنا وضع ما يشبه المسار للوصول إلى السوق الذي تتمكن العائلات من خلاله تبني نهج التقدم تدريجياً. نتفق مع العائلة حول شخصية وطبيعة المستشارين الواجب إشراكهم في العملية. ونسعى لتكوين فريق يتعاون مع الشركة. تحصل الشركة على هدفين أو ثلاثة أهداف واضحة للقيام بالتغيير. قد يثبت هذا النهج فعاليته بالنسبة للشركات. فهو نهج مريح مُدعَّم ببعض الأهداف البسيطة الواضحة التي يجب القيام بها.

من ناحية أخرى، يجب علينا أن نذكر دوماً أننا بحاجة إلى المستثمرين لإجراء طرح عام أولي أو صفقة أسهم خاصة. لا يُعتبر ذلك بالأمر السهل في الوقت الحالي إذ لا يزال السوق يعاني من الاضطراب والانتقائية. على أية حال، أعتقد أن السوق سوف يستقر خلال السنوات القليلة القادمة وأنا أرى العديد من الفرص التي تتكشف أمام المستثمرين الدوليين والشركات العائلية التي تضم مستثمرين من مختلف أنحاء العالم.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 17, 2013

Tags from the story