الدماغ والتوتر، علاقة معقدة (جدلية)

الدماغ والتوتر، علاقة معقدة (جدلية)

لقاءٌ مع البروفيسور بروس س. ماكوين

تشير الدراسات العلمية أن مستويات التوتر سوف تسجل ارتفاعاً خلال الفترة القادمة بسبب ارتفاع مستويات الضجيج في العالم وازدياد انتشار شبكات التواصل. ولذلك يجب علينا أن نفهم  أسباب ونتائج التوتر الذي لا يؤثر على صحتنا فحسب بل على أدائنا للعمل وعلاقاتنا الشخصية وعلى نشاطنا الدماغي أيضاً. ولحسن الحظ فإننا نمتلك القدرة والمرونة للتكيف وإجراء التغيير الإيجابي اللازم.

يعتبر البروفيسور بروس س.ماكوين، رئيس قسم مخبر هارولد ومارجريت مليكن هاتش للأعصاب والغدد الصم في جامعة روكفلر خبيراً في دراسة أثر هرمونات التوتر على الدماغ. ولقد نشر ما يزيد عن 700 مقالة تناولت الدراسات التي قام بها أقرانه وحصد العديد من الجوائز في هذا المجال.  كما شارك البروفيسور ماكوين في تأليف كتابي “The End of Stress As We Know It” و “The Hostage Brain”. التقت مجلة ثروات بالبروفيسور ماكوين للحديث عن معنى التوتر وأثاره على العقل البشري والآلية المحتملة للتأقلم مع هذه الأثار.

   الدماغ والتوتر، علاقة معقدة (جدلية)

هل لك في البدء أن تعرفنا على معنى التوتر, وكيف يمكن تعريفه؟

بدايةً لابد من توضيح أن كلمة “التوتر” هي تعبير نلجأ إلى استخدامه بشكل عفوي. نقوم في المجلس العلمي الوطني لنمو الأطفال في هارفرد بالتركيز على عواقب الحياة الحضرية وقد وجدنا عموماً أن هناك ثلاثة أنواع للتوتر.

“التوتر المفيد” وهو التوتر الذي تشعر به عندما تواجه تحدياً ما، مثل التوتر قبل المشاركة في اجتماع هام أو إلقاء كلمة. فغالباً ما تترافق هذه الحالات مع مخاطر معينة. وعندما تمتلك التقدير المناسب لذاتك وحساً عالياً من الثقة بالنفس حينها تتمكن من ضبط نفسك. وعندما تكون النتائج إيجابية فإنك ستشعر بفرح عارم وتعزز احترامك لذاتك إذ استطعت مواجهة التحدي.

ونطلق على النوع الثاني من التوتر اسم “التوتر المحتمل” والذي يترافق عادةً مع ظروف مؤلمة أو عنصر المفاجأة مثل وفاة أحد أشخاص العائلة أو الطلاق. ويمكن أن تعود هذه الحالات بآثارها السلبية على صحة الإنسان. لكن عندما يمتلك الفرد التقدير المناسب لذاته والمعرفة الثقافية والاجتماعية يمكنه أن يتخطى هذه العواصف الطارئة في حياته.

 عندما يتعرض الإنسان إلى ظروف قاسية في وقت مبكر من حياته مثل التحرش الجنسي أو فقدان أحد الوالدين  فإن مقاييس احتمال هذا التوتر تختلف بين شخص وآخر. وهذا يقودنا للحديث عن “التوتر الضار” الذي يحدث عندما لا يملك الشخص المقدار المناسب من تقدير الذات و/أو عندما لا يمتلك المعرفة الثقافية والدعم الاجتماعي ليتأقلم مع هذا التوتر، مما يؤدي إلى حدوث أعراض متكررة وقد يميل هذا الشخص إلى الإكثار من الطعام أو التدخين أو الشراب ويصاب بالاكتئاب أو قد يصبح غير قادر على أداء المهام المترتبة عليه.

ما هي العوامل المسببة للتوتر وكيف يمكن التعرف عليها؟

جميعنا يعرف الأسباب العامة والواضحة للتوتر مثل الأمور التي تحدث في حياتنا اليومية، كالصراع في المنزل وضغط العمل ورحلات العمل اليومية الطويلة والحرمان من النوم وغيرها الكثير. وغالباً ما تظهر هذه الأعراض بوضوح لدى العائلات التي تعاني من مشاكل مالية. كما يعاني الكثيرون بما فيهم الأطفال من التوتر الناجم عن الهوس بوسائل التواصل الاجتماعي.  ويعتبر العنف اليومي والحزن الذي نشهده في العالم من حولنا من المسببات الشائعة للتوتر التي لا يأبه به الكثيرون. ويمكن أن يتسبب التلوث والبيئة المليئة بالضجيج بمستويات عالية وخطيرة من التوتر.

 فعوامل التوتر قد تؤدي إلى تغيرات نفسية. وإن أردت أن تعرف فيما لو كنت تعاني من التوتر أم لا فعليك أن تراقب نفسك بشكل كامل. قيّم أداءك الإجمالي بشكل صادق. هل أنت شخص نشيط؟ هل تنام لساعات كافية؟ هل تتواصل مع أصدقائك؟ فإن لم تكن تنام أو تأكل بشكل جيد أو تشرب كثيراً فهناك احتمال أنك تعاني من الإجهاد أو التوتر لأي سبب كان.

بالحديث عن التغيرات النفسية، كيف يمكن للتوتر أن يؤثر على أدمغتنا؟

يعتبر الدماغ العضو الرئيسي المسؤول عن الشعور بالتوتر أو التكيف مع التوتر، فهو يسيطر على النظم النفسية المترابطة ويؤدي دوراً مشابهاً لدور قائد الأوركسترا ويستجيب أيضاً لردات فعل “الموسيقيين”. لكن عندما يحدث أي خلل في واحد من الأنظمة فمن المحتمل أن تتأثر باقي الأنظمة بهذا الخلل الأمر الذي يؤدي إلى حدوث اضطراب في الوظائف.

نعلم جميعاً أن الدماغ يرتبط بكامل الجسم من خلال شبكة من الأعصاب والغدد الصم. وهكذا عندما يقوم الدماغ بإرسال مؤشرات التوتر عبر الغدد النخامية، حينها يتم إنتاج الكورتيزول، الهرمون المسؤول عن التوتر. تساعدنا لوزة المخ وهي جزء من النظام الحوفي في الدماغ المسؤول عن ضبط المشاعر والمدارك الحسية، لإدراك فيما لو كانت المنبهات التي نتعرض لها إيجابية أو سلبية. وتستجيب هرمونات التوتر لهذه المنبهات. تؤثر هذه المسالك العصبية على جهاز المناعة لدينا وكذلك على نشاطنا الدماغي. وبدورها، تقوم أجهزتنا العصبية بتنظيم ردات فعلنا للقتال أو الهروب والسلوك المرتبط بصحتنا الجسدية سواء أكان إيجابياً أو سلبياً.

الدماغ والتوتر، علاقة معقدة (جدلية)

في الواقع، تتأثر بنية دماغنا بالتجارب الإيجابية والسلبية. وقد يؤدي التوتر إلى حدوث خلل في التواصل في بعض أجزاء الدماغ وإجهاد بعضها مثل لوزة المخ. وقد أظهر البحث الذي أجريته أن مستقبلات الكورتيزول الموجودة في قرن آمون أو الحُصين وهو جزء الدماغ المسؤول عن الذاكرة وتنظيم تقلبات المزاج. كما يؤدي التوتر المزمن إلى حدوث خلل في وظيفة قشرة الفص الجبهي من الدماغ والتي تتحكم بقدرتنا على تنظيم سلوكنا ذاتياً. وبعد المرور في مرحلة التوتر المزمن، سوف تعاني من خمول في نشاط قرن آمون وخلل في وظيفة قشرة الفص الجبهي وإجهاد في لوزة المخ، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث نقص في الذاكرة وفي القدرة على ضبط النبض والمزاج وارتفاع مستوى القلق.

إن تكرار إجهاد النظام يؤدي إلى حدوث حمل ألـّـوستاتيّ، مما يؤدي إلى حدوث أمراض مثل التهاب المفاصل والسكر والاكتئاب. وتشير الدراسات الحديثة أن التجارب السيئة خلال فترة الطفولة قد تؤثر بشكل إيجابي على تطور المرض وتساهم بشكل كبير في حدوث أعباء على الصحة الجسدية.

ومن ناحية أخرى، تؤدي التمارين الرياضية اليومية إلى تحفيز قرن آمون لإنتاج خلايا عصبية جديدة في عملية تسمى “تخلق النسيج العصبي” التي تؤدي إلى تمدد قرن آمون وتقوية الذاكرة وتحسين المزاج. كما تساهم التمارين الرياضية لدى كبار السن وكذلك الشباب في زيادة عملية “تخلق النسيج العصبي” وتقوية الذاكرة وتحسين المزاج وتنظيم السلوك ذاتياً. وتعتبر التمارين الرياضية من أقوى الأساليب الفاعلة في معالجة الاكتئاب.

تساهم التجارب في تنظيم أنماطنا الوراثية التي تغير باستمرار حالة الدماغ. وحتى بعد التعافي من التوتر، لا يعود الدماغ على الحالة التي كان عليها من ذي قبل بل يتغير باستمرار.

أشارك حالياً في أبحاث مؤسسة ” Hope for Depression Research ” الخاصة بالاكتئاب والذي يوضح بأن فاعلية معظم الأدوية المضادة للاكتئاب تتراوح فعلياً فقط بين 30% إلى 40% في كافة الحالات. كما أن هناك حالات اكتئاب مقاومة للعلاج. وتوضح جميع هذه الدراسات كيف أن حالة الدماغ تتغير باستمرار وتجري حالياً دراسة أدوية جديدة مضادة للاكتئاب.

الدماغ والتوتر، علاقة معقدة (جدلية) 

ما الطرق التي تساعدنا في التأقلم مع حالات التوتر بشكل أفضل؟

عندما ندرك بأننا نعاني من حالة توتر، علينا اتباع استراتيجية للتخلص من هذه الحالة من خلال الحصول على الدعم والطاقة. ويعتبر ذلك أمراً ضرورياً خاصة عندما تحاول تغيير أنماط روتينية معينة أو الخروج من علاقات طالما كانت جزءاً من حياتك وقد يؤدي الخروج منها إلى حدوث “اكتئاب تغير الحالات”.

لا شك أن تغيير هذه الحالة يتطلب توفير نظام يمكنك من إهمال هذه الأمور وعدم التفكير بها مجدداً وهذه مهارة وجزء من  “التفكير المبدع”. ويتمثل الحل الآخر لمشكلة التوتر في وضع استراتيجيات وأهداف قابلة للتطبيق، فلا يتحتم عليك أن تتحول إلى متسابق ماهر في الجري لمسافات طويلة بل يكفي أن تمشي بدلاً من الجلوس طوال اليوم. كما يجب عليك أن تحصل على ساعات كافية من النوم وتأكل وتشرب بشكل معتدل. واحرص على وضع أهداف منطقية.

تشكل العلاقات جزءاً مهماً في حياتنا وتمدنا بالتأثير الإيجابي. لذا ينبغي عليك البحث عن الأشخاص القادرين على مساعدتك للتخلص من حالات التوتر، كالعائلة، أو الأصدقاء المقربون، ويجب عليك عموماً أن تعيش أو توفر لنفسك بيئة إيجابية. وطالما أن دماغك يمر بشكل مستمر في حالات متغيرة فلا بد وأنه يمتلك القدرة على استبدال المعلومات الحالية المسببة للتوتر بتجارب جديدة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 27, 2015

Tags from the story