جيل قادم ناجح

مقابلة مع د/ رانيا لبكي

الدكتورة رانيا لبكي هي الأستاذة المساعدة في قسم علوم الإدارة في جامعة بوردو 4 الفرنسية والباحثة المتخصصة في إدارة الشركات العائلية والشؤون المالية هي من الخبراء الذين يُرجع إليهم عندما يتعلق الأمر بالتحدّيات العديدة التي قد تواجه الشركات العائلية مع جيل قادم. في هذه المقابلة، تقدم د/ لبكي نصيحة قيّمة حول كيفية إدارة العمليات الانتقالية بنجاح بين الأجيال المختلفة  مع التمسّك بالوقت ذاته باحترام القيم وضبط الانفعالات.

كيف يمكن للشركات العائلية نقل خبرة وقيم العائلة إلى الجيل القادم؟

لدى الشركات العائلية ميزة تنافسية فريدة مقارنة بالشركات الأخرى. تنبع هذه الميزة من قيم العائلة ومن المعرفة الضمنية التي يتم نقلها من جيل إلى آخر. وتعتبر عملية النقل هذه ضرورية ومستمرة وتتم على المدى الطويل، وعادة ما تبدأ بصفة غير رسمية في مرحلة عمرية مبكرة للغاية، سواء كان هذا على مائدة تناول الطعام أو أثناء الاجتماعات التقليدية للعائلة أو حتى في الشركة ذاتها، وذلك عن طريق الاستماع إلى قصص العائلة ومشكلات الشركة وكيفية التعامل معها، وبالتالي يطوّر الجيل التالي بالتدريج مهارات الأعمال ويحصل على الإلهام من قيم المؤسس للشركة. تعد هذه العملية مهمة لتعزيز المواقف الإيجابية للجيل التالي تجاه أدوارهم كمسؤولين عن الشركة في مرحلة لاحقة.

وفي مراحل لاحقة من دورة حياة

 الشركة العائلية، يمكن استكمال هذه العملية غير الرسمية من خلال آليات رسمية لحوكمة العائلة. عندما تمتد الشركة وتكبر لتشمل العديد من الأجيال، يكون من الصعب عادة بالنسبة للجيل الأكبر سناً أن يغرس قيم العائلة في الجيل التالي. وينبع من هنا الدور الهام الذي يلعبه وجود دستور للعائلة من شأنه توضيح قيم شركة العائلة والإسهام في تيسير هذه المهمة. ومع ذلك فإن عملية إعداد دستور العائلة هذا هي أكثر أهمية من الوثيقة ذاتها. ومن هنا يجب تشجيع كافة الأجيال على المشاركة في عملية كتابة الدستور من خلال تحديد قيمهم وتوضيحها والتفكير في طرق تطبيقها عملياً. سيجعل هذا من الجيل القادم جزءاً متكاملاَ من العملية نظراً لإدراكهم الواضح للقيم العائلية وتحملهم مسؤولية نقلها للأجيال المستقبلية.

وتسهم كذلك أمور كتنظيم ورش العمل المتعلقة بالشركات العائلية أو زيارات الجيل القادم الدورية للشركة في تطوير الخبرة والمعرفة عند هؤلاء والحفاظ على القيم. كما يؤدي إشراك الجيل القادم في الأنشطة الاجتماعية للعائلة مثل الأعمال الخيرية أو المؤسسات الخيرية التابعة للعائلة إلى توفير فرصة عملية لأفراد الجيل القادم يمكنهم من خلالها تطبيق المعرفة والقيم التي تعلموها، والتي يمكنهم بعد ذلك تطبيقها على مستوى الشركة.

كما يجب على أفراد الجيل القادم كذلك أن يلعبوا دوراً إيجابياً من خلال التحول إلى روّاد وقادة  للقيم، فلا يجب عليهم القبول بقيم العائلة كمسلمات، ولكن عليهم بالإضافة إلى ذلك المساهمة في تكييفها وتهيئتها لتلائم البيئة المتغيرة مع أهمية الحفاظ في الوقت ذاته على جوهر هذه القيم.

zz56503154

ما هي الإجراءات التي يجب القيام بها على مستوى العائلة والشركة للاستعداد لعملية دمج الجيل القادم والحاقه بالشركة؟

إذا نظرنا إلى دورة حياة الشركات العائلية، نجدها تتطور بصفة عامة من مرحلة ملكية فردية للمؤسس إلى مرحلة شراكة بين أشقاء الجيل الثاني يتبعها اتحاد بين أبناء العمومة في الجيل الثالث. فالعائلة تمتد وتتوسع بالتدريج لتضم عدد متزايد من أفراد الجيل القادم. وبداية من الجيل الثالث يكون هناك احتمالية أكبر  بضعف العلاقات في محيط العائلة، فقد يتراجع ويتلاشى الارتباط العاطفي والاندماج في الشركة العائلية عند أفراد هذا الجيل. يجب على مدراء الشركة العائلية السعي نحو تحفيز الجيل القادم للاندماج في الشركة وفي الوقت ذاته أن يكونوا مدركين أن ذلك يحدث طواعية وعلى أساس تطبيق مبادئ الجدارة والاستحقاق.

كما يجب الأخذ في الاعتبار كذلك أنه قد يكون لدى أفراد الجيل القادم أهداف مهنية مختلفة وغير متوافقة مع مجال عمل شركة العائلة أو المناصب المتاحة. وقد تكون لديهم مصالح متعارضة مع الجيل المسؤول عن السياسات الاستراتيجية والمالية للشركة. على الجانب الآخر، قد يكون أفراد الجيل القادم  على درجة عالية من الحماس ويمتلكون دوافع حقيقية للانضمام للشركة لكن تنقصهم القدرات والمؤهلات المهنية والشخصية للقيام بذلك. يجب على مدراء الشركة العائلية توخي الحذر في عملية اختيار قادة المستقبل والحرص على ألا يكون قرارهم مشوباً بالتحيّز.

إن عملية تعريف الجيل القادم بقيم وإنجازات شركة العائلة تساعد في غرس الاعتزاز والإحساس بالمسؤولية نحو شركة العائلة،  كما تدعم هذه العملية اندماجهم في العائلة والشركة. وتحسين التواصل فيما بين الأجيال المختلفة على درجة كبيرة من الأهمية بالمثل لأنه يُبقي على الجيل القادم في الصورة ويعزّز رغبتهم في السير على خطى سابقيهم.

ما هي أهم الأدوات التعليمية التي يحتاجها الجيل القادم في الشركات العائلية؟

بالإضافة إلى المتطلبات التقليدية المتعلقة بأي شركة، مثل التعليم الراقي في التخصصات الملائمة لأنشطة الشركة والخبرة المهنية خارج شركة العائلة، يجب على مدراء الشركة العائلية توفير أدوات تعليمية معينة للجيل القادم:

بتشجيع الجيل القادم على المشاركة في مؤتمرات خاصة بالشركات العائلية، يوفّر لهم مدراء الشركة فرصة فريدة للتفاعل مع أقرانهم من أفراد الجيل القادم من شركات أخرى من جميع أنحاء العالم، ومشاركة خبراتهم والتعلم من بعضهم البعض في مناخ ودي يبعثعلى الثقة. غالباً ما يدرك أفراد العائلة في نهاية مثل هذه المشاركات أنهم ليسوا الوحيدين الذين يواجهون مشكلات معقدة خاصة بشركتهم العائلية.

لا يجب أن تركز الموضوعات التعليمية للجيل القادم على المستوى التجاري وممارسة الأعمال فحسب وإنما يجب أن تعالج هذه المواضيع كذلك الشؤون الشخصية والعائلية والاجتماعية. ومن أجل استعراض الموضوعات ذات صلة، يجب أن تكون النسق التعليمية متنوعة، بحيث تتدرج من عروض تقديمية لدراسات حالة بواسطة العائلات إلى حوارات تفاعلية مع متحدثين ملهمين وخبراء في مختلف المجالات مثل علم النفس أو المالية أو الإدارة أو الحوكمة، وصولاً إلى العمل الجماعي بين أفراد الجيل القادم و/أو أفراد الجيل السابق لتحفيز التعاون والتعلم المتبادل.

كيف يمكن تقنين وتنظيم العامل العاطفي بين الأجيال المختلفة في الشركات العائلية؟

تمثّل العواطف جزء لا يتجزأ من أي مؤسسة لكنها ذات أهمية خاصة وكبيرة في الشركات العائلية، حيث تظهر وتؤثر على منظومتين وليس واحدة؛ منظومة الشركة من جانب ومنظومة العائلة من جانب آآخر. وبالتالي، فقد تؤثر العواطف المستثارة و/أو المعبّر عنها في العائلة على الشركة والعكس صحيح. وعلى الرغم من التأثير المفيد للعواطف الإيجابية مثل الحب والسعادة في تدعيم وتقوية تماسك العائلة والتقارب بين مصالح الشركة والعائلة، إلا أنه يمكن للعواطف السلبية  كذلك أن تكون ذات أثر إيجابي:

فعواطف مثل الإحساس بالذنب قد تؤدي إلى إجراءات إصلاحية تعمل على تحسين أداء الشركة مستقبلاً، بينما قد تؤدي مشاعر مثل الندم كذلك إلى اتخاذ قرارات أفضل في المستقبل.

ما هي العواطف التي يجب ضبطها وتقنينها بين الأجيال ومتى؟ هذه العواطف هي بالأحرى التناقض بين نوع العواطف الداخلية والطريقة التي يتم بها التعبير عنها، والذي يسمى كذلك “التنافر العاطفي”، وهو ما قد يكون له آثار ضخمة وبالتالي يجب ضبطه وتقنينه.

ترتبط درجة التنافر العاطفي على نحو كبير بثقافة الشركة العائلية. ففي بعض الثقافات، يكون التعبير عن مشاعر معينة بداخل العائلة و/أو الشركة ممنوعاً. كثيرا ما يشير التعبير عن المشاعر إلى قواعد ضمنية في العائلة، وقد يتسبب أفراد العائلة الذين لا يلتزمون بهذه القواعد العاطفية ويعبّرون عن أنواع غير متوقعة من المشاعر في حدوث نزاعات وخلافات مدمّرة.

تبدو عملية ضبط وتقنين المشاعر كتحدي مهم يجب التصدي له. ويجب على الرئيس التنفيذي الأعلى لشركة العائلة القيام كذلك بدور المدير العاطفي المسؤول عن ضبط وتقنين التنافر العاطفي بين أفراد العائلة. ومن خلال تطوير قدرات الذكاء العاطفي لديهم وإعداد آليات الحوكمة المناسبة سوف يعرفون المزيد عن توقعات العائلة وبالتالي تقل احتمالية وجود عواطف تؤدي إلى نزاعات وخلافات.

من واقع خبرتك، ما هي أكبر المخاوف لدى الجيل القادم؟

إن التحدي الأكبر للجيل التالي هو بلا شك مسألة الخلافة. فالمعدلات المنخفضة لاستمرار الشركات العائلية أثناء مرحلة الخلافة (أقل من 5% من الشركات العائلية تنجح في الاستمرار حتى الجيل الرابع) تشكّل مؤشر واضح على الصعوبات المصاحبة لتمرير الراية من جيل إلى آخر. تنطوي عملية الخلافة على العديد من التحديات الفرعية بالنسبة للجيل القادم: الصعوبات الكبرى تتمثل في التغلّب على مقاومة طرح موضوع الخلافة  بالإضافة إلى الحفاظ على العلاقات الجيدة بين الأجيال. في كثير من الحالات، يتردد الجيل القديم في التخلي عن السلطة وائتمان الجيل القادم على مهمة إدارة الشركة. ولا تقتصر مقاومة الخلافة على المدير الذي ينتمي للعائلة ولكن كذلك من جانب أفراد العائلة القدامى الذين قد يستشعرون خطورة فقدان السلطة. يمكن ربط المقاومة كذلك بأفراد آخرين من الجيل القادم يتنافسون بضراوة مع بعضهم البعض لاقتناص فرصة إدارة الشركة. بالإضافة إلى هذا، فإن هناك مقاومة من أصحاب المصلحة من خارج العائلة مثل الموظفين أو الموردين أو العملاء تجاه نقل وتولية المسوولية لفرد (أفراد) من الجيل القادم. يجب على أفراد الجيل القادم النضال والمقاومة من أجل اكتساب الشرعية، الأمر الذي يستلزم منهم إثبات أنفسهم على المستويين المهني والإنساني في شركة العائلة وفي الوقت ذاته إظهار الاحترام والتقدير تجاه الجيل القديم. كما يتطلّب ذلك أيضاً  التحلي بالصبر وفي الوقت ذاته قبول التعلم من الجيل القديم، وإظهار واستيعاب الضغوظات النفسية الصعبة التي يواجهونها أثناء عملية الخلافة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 15, 2012

Tags from the story