الاستدامة في الحياة والعمل

قصة نجاح شركة ماوري العائلية

لقاءٌ مع مافيس مولينز، شركة باوي مولينز شيرينج ليمتد

أرى نفسي في سلسلة جبال رواهاينز
وفي نهر ماناواتو
وأتخذ من كايتوك موطناً لي
سميت باسمي خلفاً لجدتي رانجوا كاوي
وأنتمي إلى قبيلة رانجيتين واتيهوني في بابا رانجي
وهذه هي الأشياء التي تعرّف عن شخصيتي
وأنا هنا لأقوم بدوري في هذه الحياة
أنا مافيس مولينز

تقود مافيس وكورو مولينز حالياً الجيل الرابع من شركة ماوري العائلية والمعروفة باسم ماوري مولينز شيرينج ليمتد وهي شركة متخصصة في جز صوف الخراف في نيوزيلندا. وعلى مر عقود عديدة لم تتمكن عائلة مولينز من تنمية شركتها وتحويلها إلى شركة رائدة في مجالها إلا أنها ساهمت بدور كبير في تنمية قطاع الصوف. ونجحت هذه الشركة في الحفاظ على عراقتها وتمسكها بإرث ثقافة الماوري، إذ عززت قيمها وسخرت أعمالها لصالح المنفعة الجماعية لشعب الماوري. ونجح شعب الماوري بكل تأكيد في الظهور كقوة اقتصادية لا يُستهان بها.

الاستدامة في الحياة والعمل

سخّرت مافيس ماوري كامل حياتها لخدمة قطاع الصوف والزراعة، إذ أطلقت عملها في البدء من الطابق الأرضي لحظائر جز الصوف بصفتها خبيرة بمعالجة وتصنيف الصوف، ونجحت في الحصول على عقود لجز الصوف قبل أن تؤسس شركتها العائلية بمشاركة زوجها كورو. وبصفتها الراعي والمدير التنفيذي للعديد من المبادرات في هذا المجال، نالت مافيس التكريم لمرات عديدة إقراراً بتميز إنجازات شركتها ومساهمتها في خدمة المجتمع. ولعل أكثر ما تتميز به مافيس سيدة الأعمال المبدعة هو قدرتها على الجمع بين حكمة أجدادها من شعب الماوري والابتكار الناجم عن مسؤوليتها الاجتماعية وممارسات استدامة الأعمال. وفي هذا الصدد، أجرت مجلة ثروات حواراً مع المبدعة مافيس مولينز لنتعرف على قيم شعب الماوري ومجال العمل في الصوف والابتكار في شركتها.

كيف تصفين بدايات شركتك العائلية؟

أبصرت شركتنا العائلية النور على يد جدي لوي باوي في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، وكان جدي مزارعاً وتزوج جدتي التي تنتمي أيضاً إلى عائلة مزارعين ليكونا معاً نواة لشركة متخصصة في جز صوف الخراف. وكانت الزراعة جيدة تعود بأرباح تفوق الحد المطلوب للمعيشة، مما جعل الرجال يتجهون لتعلم مهارات الخدمات الزراعية وتمكنوا بذلك من الحصول على دخل إضافي لعائلاتهم.

لقد سخر جدي نفسه للعمل في مجال جز صوف الخراف الذي كان يعود بدخل جيد ومزايا متنوعة. وأدرك إمكانية توفير فرص العمل لأفراد العائلة. وعمل أجدادي طباخين وخبراء تروس وكذلك في مجال الخدمات اللوجستية في حين تولى الأفراد الأصغر سناً في العائلة مهام جز صوف الخراف ومعالجة الصوف وضغطه. وعلى الرغم من صعوبة وقساوة العمل، شعر أفراد العائلة بالسعادة إزاء العمل معاً لخدمة العائلة. كما ساد شعور الألفة والانسجام ليصل إلى العمال المأجورين الذين نشأوا في كنف العائلة. ومع مرور الوقت شهدت الشركة العائلية توسعاً كبيراً إذ حصل كل فرد فيها على دور له لتحقيق أهدافها.

أنجب جدايّ تسعة أبناء بما فيهم والدي بونجا. وتعلم جميع أبنائه الذكور مهارات جز صوف الخراف وتمكنوا بذلك من تأسيس شركاتهم الخاصة في هذا المجال. وجاء الجيل الثاني من العائلة ليحدد هدفه في توفير الأموال ويستثمر الأرباح المتراكمة بشراء الملكيات لكافة الأخوة. وفي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، اشترينا أنا وزوجي شركة جز الصوف. وها قد جاء اليوم الذي يمارس فيه أولادنا أعمالهم بمزيد من الحيوية ويتحملون كامل المسؤولية ليكملوا مسيرة الشركة العائلية.

كيف يبدو لكِ نشاط العائلة اليوم؟

نشارك جميعنا في أعمال الشركة بطريقة أو بأخرى، إذ أتولى مع زوجي كورو مهام الإدارة والإرشاد. ونعمل دائماً على تحفيز أولادنا للتحلي بالمسؤولية، وغالباً ما يطلب الأبناء مساعدتنا في اتخاذ القرارات الجوهرية، ونحن بدورنا نلجأ إليهم عندما ندرك بحكم خبرتنا أن الأمر قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مشكلة ما.

تولى ابني الأكبر، توماتهي منصب مدير العمليات قبل أن يمارس مهنة جز الصوف بكل احتراف ويتحول إلى مدرب ماهر، ويعتبر اليوم المشرف على أرض المخزن. أما ابنتي الكبرى كورينا، فلم ترغب في بادئ الأمر الالتحاق بصفوف العمل في الشركة، لكنها قررت مؤخراً بأن تؤدي دورها في الشركة. تتولى كورينا اليوم مهام المدير وتساهم في تسهيل عمليات التدريب. تحمل كورينا إجازة في الفنون والتمريض وتعمل معنا بدوام جزئي. ويمكنني القول بأن كورينا تقدم لنا رأيها كمراقب من خارج إطار الشركة وهذه قيمة إضافية عظيمة. تعمل ابنتي الأخرى أريا في شركة تدريب مدعومة من قبل الحكومة الأمر الذي يسمح لها بالعمل مباشرة مع قسم التدريب لصالح شركتنا. ويعمل ابني الأصغر سناً بونجا كمدير للعمليات.

نعمل جميعنا معاً ولا يخلو الأمر من ظهور بعض الخلافات فيما بيننا، لكن ما إن ينتهي اليوم حتى ندرك أن قوتنا تكمن في تواجدنا معاً. واليوم تدار الشركة من قبل أبناء الجيل الرابع ولديها إرث عريق يقدم الكثير من الخبرات.

هل لكِ أن تخبرينا عن المبادئ الرئيسية لشركتكم؟

نلتزم بمبادئ شعب الماوري ضمن عائلتنا وشركتنا أيضاً وهذا ما يميزنا حقاً. نتبنى أربعة مبادئ رئيسية وتتمثل في:

“العلاقة” أو “وانونجا تانجا” كما يدعوها شعب الماوري، وتشير إلى صلة العائلة والترابط. فعندما تعمل معنا فإنك تصبح جزءاً من عائلتنا وتشكل العلاقة بذلك دافعاً قوياً للغاية، ويغدو تطورك ونجاحك بمثابة نجاح لنا، وكذلك الأمر في حال فشلت أو ارتكبت الأخطاء.

الاستدامة في الحياة والعمل

“الضيافة” أو “ماناكي تانجا” كما يدعوها شعب الماوري، ويشير هذا المبدأ إلى الاحترام وحسن الضيافة. فنحن لا نقيّم شخصيتك إلا من خلال المزايا التي تتمتع بها وليس من خلال مزايا والديك أو المدارس التي التحقت بها. وإن رغبت في رعاية “ماناكي” شخص ما، فعليك تقديم الدعم له. وتتضمن هذه الرعاية أيضاً حسن الضيافة. وبذلك ترتبط الرعاية بك مباشرة وبالطرق التي نتبعها لجعل حياتك أفضل.

“التعليم” أو “ماتورانجا” كما يدعوها شعب الماوري، ويشير هذا المبدأ إلى التعليم والحصول على المعرفة. فنحن نؤمن بضرورة مواظبة التعلم طيلة فترة الحياة.

“الاستقلالية” أو “رانجاتيرا تانجا” كما يدعوها شعب الماوري، ويعبّر هذا المبدأ عن قيم تقرير المصير، فأنت وحدك من يمتلك القدرة على تحديد مصيرك والتحكم بمجرى حياتك.

ولدينا أيضاً مثلٌ قديم “واكا توكي” يقول “ما هو الشيء الأكثر أهمية في هذه الحياة؟ إنه الإنسان، إنه الإنسان، إنه الإنسان” أو بلغة شعب الماوري “هي أها تي ميا نو” هي تانجاتا، هي تانجاتا، هي تانجاتا”. وهنا أود أن أقول بأن الشركة ليست مجرد صفقات فحسب فهناك توقعات فعلية ومساهمات تعود بأثارها على الناحية الاجتماعية والثقافية والبيئية. فنحن نقوم بدورنا في توفير الرعاية للجيل القادم تماماً كما فعل أسلافنا ليمنحوننا هذا الإرث.

ما هي المسؤوليات التي تتحملها شركتك العائلية تجاه البيئة؟

لدينا مبدأ راسخ لم يتغير عما كانت عليه في الماضي: نحن البيئة والبيئة نحن. ولا نبالغ إذ وصفنا أنفسنا بأننا جزء من البيئة المادية التي نتغنى بها، إذ لا تقل أهمية البيئة عن المجتمع الذي نعيش فيه ولا حتى عن شركاء العمل. إنها البيئة التي نشأ فيها آباؤنا وعائلتنا والتي ستحتضن أبناءنا من الأجيال القادمة.

z_MB61342

كيف تطورت الشركة عبر أجيالها الأربعة وما الدور الذي لعبته ثقافة شعب الماوري في ضوء هذه التطورات؟

عندما وصل الجيش الإنجليزي إلى نيوزيلندا في مطلع الثمانينات من القرن الثامن عشر، وجدوا شعباً بدائياً للغاية. وبسبب الاستعمار تحول أفراد شعب الماوري من مالكين للأراضي ومدافعين عن حضارتهم إلى مجموعة مهمشة في بلادهم. وخلال القرن الماضي، نجح شعب الماوري في استعادة جزء من مكانته السابقة. واليوم يعمل أفراد شعب الماوري بكل إصرار في ظل الاستعمار ويكافحون العديد من الآفات الاجتماعية. فنحن نملك حالياً أصولاً بالغة الأهمية في نيوزيلندا وقد أقرت الحكومة بمساهمات شعب الماوري في الاقتصاد النيوزيلندي والتي تقدر بقيمة 4,9 مليار دولار. وقد حققنا كل ذلك بفضل اتباعنا مبدأ تحديد المصير “رانجاتيرا تانجا”.

شهد مجال عملنا في القطاع الرئيسي للصوف تطوراً بخطى ثابتة وساهمت شركتنا العائلية في هذا التطور. ومن خلال علاقتنا الوثيقة بالمستخدم النهائي لمنتج الصوف، نجحنا في التركيز على عملياتنا وعلى تقديم أفضل النتائج.

ولأننا ندرك أيضاً بأن تحضير وبيع الصوف وحده يساهم في إجمالي الناتج المحلي بمبلغ يقارب 1 مليار دولار. ونظراً لأهمية إنتاج الصوف على الصعيد الوطني، وجدنا أنه من الضروري البدء بالعمل المؤسساتي من خلال تأسيس المعايير مع التركيز على إجراءات الصحة والسلامة لحماية الأفراد في بلادنا.

وبحلول العام 1996، أضحت شركتنا أول شركة صوف تحصل على شهادة الأيزو 9002. ولم نكتفِ بذلك بل قمنا بتطوير نظام إداري عالي الجودة ووضع معايير ونظم لمجال عملنا، الذي طالما سيطرت عليه الممارسات العشوائية قبل حلول هذا التاريخ. كما توجهنا لزيارة الشركات الأخرى واطلعنا على نظم العمل لديهم وبذلنا جهدنا لتكييف هذه النظم بما يتلاءم مع مجال عملنا. وخلال هذا الوقت، عدت لمتابعة دراستي الجامعية للحصول على درجة الماجستير الأمر الذي منحني المزيد من الدعم والثقة.

وأضحت المهنية التي ساهمنا بنشرها ضمن مجال عملنا أساس المشروع التالي الذي يتحتم علينا البدء به، إذ يعد امتلاك المهارات ضمن مجال عملنا أمراً لا بد منه. وقد استغرقنا عامين حتى تمكنا في النهاية من امتلاك المهارات المناسبة في جز صوف الخراف. وكان من الضروري بالنسبة لنا أن يدرك الجميع بأن طاقم عملنا مؤلف من حرفيين ماهرين وأننا لسنا كغيرنا من جزازي أو معالجي الصوف الذين اتصف عملهم “بانعدام المهارة ومعايير الجودة”. وهكذا وجب علينا وضع معايير للتعرف على مهارات العاملين لدينا وتأهيليها بشكل مناسب. فليس هناك طريقة لبناء الثقة وتقدير الذات أفضل من تقييم الأداء بشكل إيجابي، ولتحقيق هذه الغاية، شاركت بنفسي في وضع التدريبات على جز الصوف ضمن إطار عمل التعليم الوطني ليتمكن العاملون الماهرون لدينا من الحصول على شهادة. وقد عاد هذا التطور بأثره القوي والإيجابي إذ أتاح للأفراد في شركتنا فرصة التوسع ضمن المجالات الأخرى بل ومنح العاملين فرصة تقدير الذات “مانا” والفخر والثقة والشهرة والتميز.

ولا أظن أن هناك شيئاً أكثر روعة من منح الأفراد فرصة “تقدير الذات” أو “مانا” كما يدعوها شعب الماوري.

الاستدامة في الحياة والعمل

برأيكِ ما هي أعظم التحديات التي تعترض اليوم سبيل تطبيق ممارسات الاستدامة الخاصة بالشركات في نيوزيلندا؟

من الصعب في هذه الأيام إقناع الجميع أن عمل الشركة يعتمد في الدرجة الأولى على الأفراد وليس على الصفقات فحسب. لا شك أن وسائل التواصل العالمي قد أضاف العديد من المزايا إلا أنه فرض علينا أيضاً الكثير من التحديات لمواكبة البيئة ذات التطورات المتسارعة. ولذلك يجب علينا إيجاد الطرق التي تكفل إيجاد بيئة مناسبة للأجيال القادمة.

نواجه اليوم تحديات خاصة بانقسام وحدة العائلة. وهنا نطرح على أنفسنا سؤالاً: ما العوامل الديموغرافية الواجب توفيرها لجيل الشباب؟ لاشك أن الكثير من الفرص والتحديات المستقبلية الخاصة بدولة نيوزيلندا عموماً وشعب الماوري خصوصاً تعتمد على السياسات والتشريعات الحكومية.

تقدمين مثالاً متميزاً عن قوة شعب الماوري على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. فهل تعتقدين أن نموذج الشركات العائلية قد يساهم في تقديم الدعم لشعب الماوري لاستعادة حقهم القانوني في الاعتراف بهم؟

صدر قرار برلماني يحظر إلى حد كبير بيع الأراضي التابعة لشعب الماوري، ولذلك لم نعد نملك سوى خيار العمل معاً لحصد مزايا هذه الفرصة السانحة. يمتاز الهيكل الاجتماعي لشعب الماوري بالاشتراكية ولذلك تلعب العائلات في معظم الأحيان دوراً كبيراً في تحديد سبل الاستمرار. نعتبر شركاتنا بمثابة شركات تابعة لعائلتنا العريقة. ويمكنني تقديم العديد من الأمثلة عن شركات عائلية تابعة لشعب الماوري والتي تتضمن نماذج عن أفراد العائلة المباشرة والنماذج الأكثر توسعاً. ولذلك أعتقد أنه يمكنه لنموذج الشركات العائلية “واناو” أن يساهم في الاعتراف بشعب الماوري إذ أنه ينسجم مع ثقافة شعبنا والفرص المتوفرة أمامنا. لكن يجب علينا التعامل بحذر مع البيئة العالمية ذات التغيرات المتسارعة كما يجب علينا التمسك بإرث الماضي مع استمرار النظر إلى مستقبلنا.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 26, 2015

 

Tags from the story