أولى ثمار حوكمة الشركات: قصة نجاح على صعيد العائلة والعمل

لقاء مع سليم عثماني، رئيس مجلس إدارة شركة NCA-Rouiba

في عام 1966، وعلى بقعة صغيرة من أرض الجزائر، قام صلاح عثماني مع والده محمد سعيد بوضع الأساس لمشروع تجاري أصبح اليوم الأنجح في البلاد، ألا وهو شركة NCA-Rouiba. بدأت الشركة بإنتاج رب البندورة أو ما يعرف باسم “الهريسة” وعدد آخر من الفواكه المعلبة، لتنجح سريعاً في ترسيخ اسمها في عالم تلك الصناعة. وفي عام 1970، انضم صلاح لفريق العمل مساهماً في تحقيق نجاح الشركة يداً بيد مع إخوته مختار وسعيد والهادي وحسين ومحمد.

و يجري العمل اليوم على إدارة الشركة من قبل الجيل الثالث من تلك العائلة، تحت قيادة رئيس مجلس الإدارة سليم عثماني وابن عمه صحبي الذي ركّز نشاطات الشركة على إنتاج عصائر الفواكه والمشروبات غير المكربنة الخالية من الكحول. في عام 2005، حدثت تغييرات جذرية في شركة العائلة من خلال تطبيق نظام حوكمة الشركات، ما ضمن تحقيق الاستثمار في شركة ذات ملكية خاصة، ليسمح بالتالي لشركة العائلة أن تحقق ذلك النمو والتوسع.

واليوم فإن شركة NCA-Rouiba بقيادة سليم عثماني، للإدراج في السوق النقدي في الجزائر. وقد أجرت مجلة ثروات لقاءً مع السيد عثماني حول أهمية مفهوم حوكمة الشركات في إدارة توقعات العائلة والقيم التي تُعدُّ الأساس لنجاح عمله وخططه المستقبلية.

أولى ثمار حوكمة الشركات: قصة نجاح على صعيد العائلة والعمل

متى دخلتم عالم أعمال الشركات العائلية، وكيف بدأ دوركم بالتنامي من حينها؟

بادئ ذي بدء، لقد ولدت وترعرعت في تونس، وانتقلت للعيش في كندا، بعد أن حصلت على شهادة في هندسة الكمبيوتر. وفي العام 1991، قررت العودة إلى الجزائر. فقد شجعني والدي على العودة بعد عدة نقاشات معه حول مستقبل شركتنا العائلية. كان يعلم بأني مهندس كمبيوتر وغير متخصص في عمل الشركة الذي كان يتعلق حينها بالمنتجات الزراعية. لذلك قررت العودة والعمل في الشركة لفترة من الزمن، مما خلق عندي الرغبة في إضفاء لمسة من الحداثة على عمل الشركة، والسعي لتحقيق المزيد من الأرباح منها وجعل العمل فيها أكثر فاعلية. وما عزز رغبتي أيضاً بالبقاء في الجزائر، إحساسي بالواجب تجاه بلدي الذي كان في تلك الأثناء يمر بمرحلة مفصلية من تاريخه. لقد كانت واحدة من أسوأ مراحل التاريخ، وشعرت حينها بمسؤوليتي تجاه عائلتي، وتجاه وطني، ما حتَّم علي البقاء فيه. أما السبب الثالث الذي دفعني للانضمام للشركة فهو رغبتي بحمل بعض الأعباء عن والدي الذي بدأ التعب والإرهاق ينال منه، فأحببت أن يتفرغ قليلاً لحياته الخاصة.

وهكذا بدأت بتنفيذ مشاريعي الخاصة لصالح العائلة، حيث أصبحنا وكلاء تعبئة لشركة كوكا كولا في الجزائر. وقد أنجزت هذا المشروع بالتعاون مع والدي وأعمامي، واستمر العمل فيه لمدة عامين، ومن ثم بدأت بالإشراف على عملنا الأساسي في قطاع عصائر الفواكه. كما قررت أيضاً البدء بمشروعي الخاص في مجال الكمبيوتر والمتمثل بترويج منتجات ميكروسوفت في الجزائر.

لأنني الأكبر سناً بين أبناء عمومتي، ولأن والدي هو الأكبر سناً بين أشقائه، فقد كنت أتوسط جيلين عمريين: جيل الآباء المتمثل بوالدي وأشقائه وجيل الأبناء المتمثل بأولاد عمومتي الذين كانوا أصغر مني بعشر سنوات أو خمس عشرة سنة ما منحني المكانة الخاصة هي الوسطى بين الجيلين. وعندما بدأت العمل بينهم كان علي أن أتمتع بالمرونة والهدوء والقدرة على إيجاد الحلول الوسطية، رغم أن إيجاد مثل تلك الحلول في الشركات العائلية له تأثيره الكبير على الوقت المخصص لإنجاز المشاريع حيث تواجه معظم الشركات العائلية ذات التحدي.

بعد فترة من الزمن عمدت إلى إيقاف عملي في قطاع البرمجيات، بهدف التركيز قدر الإمكان على العمل في مجال العصير. حينها كانت الفرصة مواتيةٌ لتحقيق النجاح في قطاع المشروبات غير المكربنة الخالية من الكحول في المنطقة. لذلك رغبت في انتهاز هذه الفرصة لتكون لنا الصدارة في هذا المجال. وهكذا أصبحت المدير التنفيذي لشركة العصائر، ليبقى والدي الرئيس حتى 2006، عندها استقلت وأصبحت رئيس مجلس الإدارة. وعُين صبحي ابن عمي في منصب المدير العام. ولم أعينه لاعتبارات عائلية، بل لأنه أظهر مهارات فائقة في أداء المهام التي توكل إليه.

أولى ثمار حوكمة الشركات: قصة نجاح على صعيد العائلة والعمل

كيف خلصتم أنت وعائلتك إلى نتيجة مُفادها، أنكم بحاجة إلى اتباع نظام حوكمة الشركات؟

عندما بدأت باكتشاف ماهية عمل شركة العائلة، لاحظت وجود شيء من الغبن لبعض المساهمين والموظفين. أدركت حينها بأنني لا أستطيع فعل أي شيء حيال ذلك. أما النقطة الأخرى فتمثلت في أنني شعرت بأهمية تنظيم علاقاتنا مع مجتمع الأعمال في الجزائر والحكومة. فقد علمت بأنني في حال رغبت في بناء مستقبل على أسس مستدامة، فليس ثمة فرص أمامي لذلك دون اللجوء لحوكمة الشركات. وقد خلصت إلى أن تلك إحدى أفضل الوسائل التي يمكن للعائلة استغلالها لتجنب حدوث تناقضات.

اتبعت منهجين اثنين لترويج فكرة حوكمة الشركات. أولهما كان يتعلق بالشؤون الداخلية، حيث شرحت للعائلة مزايا الاعتماد على حوكمة الشركات. أما المنهج الآخر الذي اتبعته فهو المساهمة مع عدد من الجمعيات التي تروج لمبادئ حوكمة الشركات في الجزائر. كانت النتيجة التي حققناها في المحصلة نمواً كبيراً، وصلنا إليه بين أعوام 1999 و2004، الأمر الذي أقنع الجميع بحقيقةٍ مفادها أن ارتفاع نسبة المبيعات بشكل كبير خلق حاجة مُلحة للاستثمار. وقد اعترضتنا مشاكل مالية جمّة ما دفعني لإخبار العائلة بتنامي العقبات التي تقف في طريقنا وأن علينا البحث عن مصادر تمويل خارجية. لذلك فقد عمدت إلى زيارة المصرف لذلك الغرض، إلا أنهم أخبروني بأنني وصلت إلى الحد الأقصى الممكن للدين، وكان ذلك بمثابة ظاهرة صحية بالنسبة لمعدلنا. الاحتمال الأخير بالنسبة لنا كان الاستثمار في الأسهم الخاصة. وعندما اطلعت على الشروط المسبقة لشركات الاستثمار خلصت إلى حتمية اللجوء إلى مفهوم حوكمة الشركات. حينها رجعت إلى العائلة، وأخبرتهم بضرورة تحقيق متطلبات شركات الاستثمار اللازمة لجمع المال. وبتلك الطريقة ضمنت تجاوبهم معي، بل تجاوزنا ذلك إلى حد وضعني على رأس فريق العمل الجزائري الذي وضع القانون الجزائري لمفهوم حوكمة الشركات.

ما هي التغيرات التي حدثت ضمن نطاق العائلة والشركة نتيجة لتطبيق مفهوم حوكمة الشركات؟

أعتقد بأن مبدأ النزاهة والإنصاف أهم ما أضفناه من قيم؛ حيث ساد فهم في الآونة الحالية بأن أموال العائلة تختلف عن أموال الشركة. أما في الماضي، فكان جميع أفراد العائلة يطالبون برواتب، وهو وضع غير مقبول البتة. فخلال السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من تفعيل مبدأ حوكمة الشركات لدينا نشأت العديد من الخلافات بين أعضاء العائلة، ما خلق أجواءً من التوتر ضمن العائلة كان عليّ العمل على احتوائها. ومرة أخرى عمدت إلى استخدام شركات الاستثمار كمقياس للحكم بيني وبين باقي أفراد العائلة الذين تختلف برامج عملهم عن برنامجي. واليوم يسعدني القول إن 99 في المائة من المساهمين مرتاحون لطريقة إدارتنا. فقد تغير أسلوب عمل الشركة بشكل جوهري وباتوا يعلمون كل شيء عن أموال الشركة وأماكن وجودها، ويستلمون حصص أرباحهم ويشعرون بالرضا.

كما كان لذلك أثر إيجابي كبير على موظفينا: ففي معظم الأوقات يحتاج إجراء تغيير بهذا الحجم إلى وجود أدوات وأذرع له، وهم على الغالب الموظفون. وتكمن أهمية هذا الأمر في أن الموظفين يجب أن يكونوا منسجمين مع رؤيتنا، حيث يعتمد نجاحنا بشكل تام على العنصر البشري. ومهما كان التغيير الذي تريد إحداثه بسيطاً فلن تستطيع تحقيق النجاح إذا لم يكن لديك الكادر المؤهل، ولم تمتلك القيادة الصحيحة، ولم يكن أعوانك مؤمنين بأفكارك. إن سوء تطبيق مفهوم حوكمة الشركات هو السبب الرئيس وراء معاناة الموظفين من الظلم. فمنذ تطبيقنا أحكام مفهوم حوكمة الشركات، بدأ موظفونا بالتعاطي مع إدارة الشركة بطريقة مختلفة وباتوا أكثر احتراماً لنا لأننا نبادر بالتعامل معهم بكل الاحترام والشفافية.

واليوم فإن مفهوم حوكمة الشركات لدينا من العوامل الأساسية التي نعتمد عليها في تنظيم شركتنا ووضع قيمنا الأساسية مع التركيز على الموارد البشرية، الجودة، الاستقلالية والمسؤولية، الرؤية على المدى البعيد، الإبداع، القيادة الجيدة، الالتزام والشفافية. كما عدلنا أيضاً رسالتنا لتصبح على الشكل التالي: “العمل على إتاحة منتجاتنا بأسعار مناسبة وجودة مقبولة لكافة عملائنا ومستهلكينا، بأكثر الطرق كفاءة.”

أولى ثمار حوكمة الشركات: قصة نجاح على صعيد العائلة والعمل

هل قامت عائلتك بكتابة دستور للعائلة؟ وهل هنالك طرق أخرى يمكن لعائلتك من خلالها تنظيم علاقتها بالعمل؟

يتعاون أفرادها عائلتي ويتعاملون مع بعضهم بموجب أحكام غير مكتوبة. حيث ساعدتنا حوكمة الشركات في عدد من الأوجه بتطبيق تلك الأحكام. فضلاً عن ذلك، فإنني ألعب دوراً أساسياً في التأكد من تحقيق العدالة والإنصاف. على سبيل المثال لا نقوم بتوظيف أفراد العائلة إلا على أساس من الكفاءة، كما أن لدينا اتفاقية مساهمين تكفل متابعة العديد من القضايا التي قد يغطيها الدستور إذ اعتمدت على تلك الاتفاقية كوثيقة ملزمة. وبدأ أفراد العائلة الذين يتمتعون بالثقافة والوعي بفهم الحاجة لوجود اتفاقية مساهمين في بعض الحالات والتي أثبتت فائدتها لأنها تمنحنا الفرصة لدعوة جميع أفراد العائلة للاجتماع وإدارة النقاش في الحالة المقبلة التي يتعين علي معالجتها بموجب اتفاقية المساهمين.

أما فيما يتعلق بالطرق الأخرى لتنظيم العلاقة بين العائلة والعمل، فإنني أعتقد بأهمية إيجاد استشاري خارجي يمكن ائتمانه على الأسرار والوثوق به. وفي مرحلة معينة يتعين عليك النظر للأمور من منظور خارجي بالنسبة لما يحدث لعمل عائلتك، ما يمكن أن يقودك إلى أفكار جديدة وتقوية فرصك في إطالة أمد العمل.

أولى ثمار حوكمة الشركات: قصة نجاح على صعيد العائلة والعمل

ماذا يعني لكم إدراج شركة NCA-Rouiba في سوق الأسهم بالجزائر؟

نجري ترتيباتنا حالياً لتحويل شركتنا إلى شركة مساهمة عامة في الوقت الذي تحتفظ فيه العائلة بغالبية الأسهم للأسباب التالية: أولاً، نحتاج لمصادر تمويل مختلفة. ثانياً، نحتاج لسيولة أسهم تأخذ على عاتقها مسؤولية تقييم مقدار ما ندين به لأفراد العائلة الذين يريدون بيع حصصهم، لأن الجميع يعلمون قيمة الأسهم. وثالثاً، أننا بدأنا بتطبيق مفهوم حوكمة الشركات، ولكن علينا تطويره دائماً بشكل يتوافق مع معايير السوق التي يُعتبر الإدراج في سوق الأسهم جزءاً منها. يتمثل رابع أهدافنا في دعم مكانتنا في المجتمع الجزائري ومجتمع الأعمال، الأمر الذي يساعد عليه إدراجنا في سوق الأسهم. وأما الهدف الخامس من سعينا للإدراج فيتمثل في السماح لنا بالخروج من صندوق الاستثمار، ما يُعتبر رسالة هامة نرسل بها إلى مجتمع الأعمال الدولي مفادها أن سوق الأسهم في الجزائر يوفر للشركات خطة خروج من الاحتمالات المالية الأخرى.

نريد أن نؤسس شركة ناجحة على المستوى الإقليمي. ولدينا خطط للتوسع لكنها تستغرق شيئاً من الوقت. ويعتبر ضعف منطقتنا في إدارة الوقت، وهو من أهم الموارد، من أكبر التحديات التي نواجهها . فنحن نخاطر بمستقبل العديد من الأشخاص الطيبين من خلال إخفاقنا في استغلال الوقت بشكل جيد لاسيما أن للشركات العائلية دوراً هاماً باعتبارها القدوة في كيفية إدارة الأمور بشكل مختلف.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 18, 2013

 

Tags from the story