تونينو لامبورجيني

تونينو لامبورجيني

تونينو لامبورجيني هندسةُ الحياة

بعد أن حققت شركة لامبورجيني شهرة واسعة في إنتاج السيارات بقيادة مؤسسها فيروتشيو لامبورجيني في مطلع الستينيات من القرن الماضي، عادت هذه العائلة الإيطالية المبتكرة لتؤكد تفوقها في العديد من المجالات الأخرى مثل المجوهرات التقليدية والجواهر الفاخرة والساعات والمفروشات والهواتف الذكية وقطاع الضيافة. واليوم وبقيادة أفراد الجيل الثالث، تدير شركة لامبورجيني العائلية مجموعة تونينو لامبورجيني، وهي مجموعة شركات عالمية فاخرة أبصرت النور على يد تونينو، ابن فيروتشيو، في الثمانينيات من القرن العشرين. وأضحى اسم لامبورجيني في عداد الشركات العالمية الرائدة، وهي من الشركات العائلية القليلة جداً التي نجحت في تحقيق الشهرة العالمية.

تونينو لامبورجيني

وللتعرف على قصة نجاح العائلة، انطلقت مجلة ثروات إلى إيطاليا لزيارة منطقة إميليا رومانيا الساحرة ولقاء أفراد عائلة لامبورجيني الشهيرة في مقرهم الرئيسي بالقرب من مدينة بولونيا. وهناك أطلعنا تونينو لامبورجيني برفقة ابنيه الأكبر سناً فيروتشيو وجينفرا عن تاريخ العائلة واستراتيجية الشركة الحالية وعن مدى شغفهم بآليات عمل الأشياء.

في بلازو ديل فينيولا

بعد القيادة عبر الطريق المفروش بالحصى وصولاً إلى قصر بلازو ديل فينيولا، يصعب على المرء أن يتخيل بأن يكون هذا القصر الساحر والنابض بروح عصر النهضة في القرن الخامس عشر هو نفسه المقر الرئيسي لأعمال مجموعة “تونينو لامبورجيني” متعددة الأجيال. في هذا الموقع الساحر، يجلس تونينو لامبورجيني في غرفة الرسم على أريكةٍ فاخرةٍ تعود للقرن الثامن عشر وإلى جواره ابنه الأكبر فيروتشيو. ويقوم بتعديل بذلته الإيطالية قبل أن يتقد حماسه ويبدأ برواية قصة إرثه وشركته العائلية.

تونينو لامبورجيني

الجيل الأول

انطلق المؤسس والأسطورة فيروتشيو لامبورجيني في مشوار أعماله من منطقة إميليا رومانيا التي ولد فيها. وهذا ما يشرحه تونينو قائلاً: “لقد أسس والدي أعماله بنفسه فلم يرث أي شيء من والديه”. وفي العام 1946، عاد فيروتشيو إلى موطنه بعد أداء خدمته في القيادة العامة للقوات المسلحة في بحر إيجة خلال الحرب العالمية الثانية ليؤسس شركته التي تحولت إلى إمبراطورية أعمال عالمية. وهنا يتحدث تونينو قائلاً: “انطلق أبي في مشوار حياته بتطوير أعماله في القطاع الزراعي. وعندما أدرك بأن المزارعين في المنطقة بحاجة إلى أدوات أكثر قوة، بدأ بتصميم جرارات زراعية فيها الكثير من الابتكارات التي لم ترها عين قط من ذي قبل”. وسرعان ما احتل فيروتشيو مرتبة الصدارة في أعمال التصميم الميكانيكي وتمكن من تأسيس اسم عريق لعائلته. وفي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، نجح بتوسيع نطاق أعماله وبدأ بإنتاج المواقد ومكيفات الهواء.

تونينو لامبورجيني

لمع اسم لامبورجيني في عالم السيارات بعد أن بدأت هذه الشركة العائلية بإنتاج السيارات في أوائل الستينيات من القرن الماضي. وعن إنتاج السيارات، يتحدث تونينو قائلاً: “اتقدت الرغبة في إنتاج السيارات نتيجة شغف والدي في الآليات ذات المحرك بالإضافة إلى خلاف والدي مع شركة إينزو فيراري”. فكما تروي القصة، اقترح فيروتشيو لامبورجيني إدخال بعض التعديلات لتحسين أداء سيارات فيراري إلا أن مالك فيراري رفض اقتراحه. ويضيف تونينو: “عاد والدي إلى المنزل وهو مصمم على إثبات قدراته في ذلك المجال. وبعد مضي تسعة أشهر، نجح بتطوير أول سيارة لامبورجيني. وبعد مرور عامين دخلت السيارة إلى السوق ولقيت استحساناً كبيراً”. ولم يتمكن كبار الشخصيات من المشاهير أمثال فرانك سيناترا وبيرس بروسنان من مقاومة التصميم المبتكر وقوة المحرك الجبار آنذاك. وهذا ما يشرحه تونينو قائلاً: “ظهرت العديد من العلامات التجارية في الستينيات من القرن الماضي، وشهدت صناعة السيارات ازدهاراً كبيراً ومع ذلك نجحت سيارات لامبورجيني في التفوق بكافة جوانبها على سيارات فيراري ومازاراتي وكذلك على الشركات الأمريكية المنافسة لها. ويعزى الفضل في ذلك إلى أن كل قطعة فيها صممت بشكل خاص على يد والدي، فهو لم يستخدم أي قطع أو أفكار خاصة بالآخرين. وبذلك كانت السيارة خاصة بعائلة لامبورجيني بكل امتياز”.

تونينو لامبورجيني

الجيل الثاني

في السبعينيات من القرن الماضي، اتخذ فيروتشيو قراره بالاستقالة من العمل وتوجه إلى حقول الكرمة في أومبريا واضعاً قيادة الشركة في يد ابنه تونينو الذي كان حينها في أوائل العشرينيات من عمره. وقام فيروتشيو الذي طالما عرف بتصميمه بتسليم ابنه المفاتيح بشكل غير رسمي وأخبره بأنه سيكون مستعداً لمساعدته على الفور بكل ما يتعلق بالشركة لمدة عام. وبدأ تونينو لامبورجيني بتولي المسؤولية الموكلة إليه بشيء من القلق. وهذا ما يعترف به تونينو قائلاً: “لاشك أنني شعرت بالخوف”. ويضيف: “لقد كنتُ في المرحلة الجامعية فقط حين عهد إلي والدي بمسؤولية إدارة الشركة التي عمل على تأسيسها طيلة حياته. لقد فضل والدي الاستقالة من العمل في ذلك الوقت تحديداً لأنه رجل يؤمن بالتميز والتوقيت المناسب”.

وبالنسبة لشاب في عمر تونينو، قد تبدو المهمة شاقة جداً لكنها كانت في الوقت ذاته مألوفة بالنسبة له. وهذا ما يشرحه تونينو قائلاً: “منذ نعومة أظفاري وأنا أعتبر المصنع بمثابة بيت لي. لقد اعتدت اللعب مع العاملين وتناول الطعام برفقتهم في المطعم. وعندما أصبحت أكبر سناً، بدأت العمل خلال فصل الصيف في ميكانيك الجرارات الزراعية، وبذلك تعرفت على كل ما يتعلق بأعمال الشركة الداخلية والخارجية”. ويضيف تونينو: “لقد تعلمتُ من والدي الكثير من الأشياء، ولطالما وضع والدي الجودة والمضمون في قائمة الأولويات”.

ورث تونينو شغف والده في كل ما يتعلق بالأمور التقنية والميكانيكية وهذا ما جعله يشعر برغبة عارمة في إثبات قدراته ودفعه إلى اتخاذ قرار بتأسيس شركته الخاصة بعد أن قامت العائلة ببيع علامتها التجارية الخاصة بالسيارات والتي تملكها اليوم علامة أودي من مجموعة فولكس فاجن. ويتذكر تونينو قائلاً: “لم يشجع والدي في البدء فكرة تأسيسي لشركات الأزياء والمنتجات الفاخرة”. ويضيف: “لكنه كان رجالاً منصفاً وقال لي ذات يوم: “تعلم جيداً يا بني أنني لطالما فعلتُ كل ما أريد فعله، فلمَ لا تحصل على فرصتك التي ترغب بها؟” ولطالما أكدّ لي بأن اسم لامبورجيني مرتبطٌ بالخبرات التقنية والتميز الميكانيكي”. وبذلك أسس تونينو نجاحاً يضاف إلى اسم لامبورجيني في الثمانينات من القرن العشرين مركّزاً جل اهتمامه في قطاع الأزياء الفاخرة. ويشير تونينو بكل تواضع إلى الامبراطورية التي أسسها على مدار ثلاثة عقود قائلاً: “بدأنا بصناعة الإكسسوارات والساعات الخاصة بالرجال. وقد استغرق الأمر بعض الوقت حتى تعرّف الناس على منتجاتنا الجديدة وقدموا إلينا ليس لشراء السيارات أو الجرارات الزراعية التي طالما ارتبط اسمها باسم الإرث التاريخي للعائلة بل لشراء منتجات الأزياء الفاخرة. لكننا صممنا على المضي قدماً في هذا المجال”.

حصد اسم لامبورجيني اليوم المزيد من الشهرة. وتدير مجموعة “تونينو لامبورجيني” أعمالها عبر أرجاء العالم وتنشط بإنتاج مجموعة من البضائع الخاصة بقطاع الضيافة والمنتجات الفاخرة، ونذكر منها الساعات والنظارات الشمسية والهواتف المتحركة. ويشرح تونينو قائلاً: “لا نزال نعمل ضمن مجال الميكانيك”. ويضيف: “يشكل الميكانيك جزءاً من حياتنا. ونختص اليوم بصناعة عربات رياضة الجولف وقمنا مؤخراً بتصميم سيارة البلدة الإلكترونية. لا يمكننا السيطرة على أنفسنا فشغف بالميكانيك متأصل فينا”.

تونينو لامبورجيني

الجيل الثالث

يشرح تونينو علاقته بوالده بأسلوبه المباشر قائلاً: “أخاف من والدي بقدر عشقي له”. وينظر تونينو إلى ابنه الأكبر الذي سُمي تيمناً باسم جده مؤسس الشركات، ويتحدث قائلاً: “لم يكن والدي يضربني أو حتى يقوم بتوجيه اللوم لي. ولطالما تمتع والدي بسلطته القوية. لقد كان من الطبيعي في ذلك الوقت أن يعيش الآباء بعيداً عن أبنائهم. لكن الزمن تغير وأصبح الأمر مختلفاً كلياً بالنسبة لجيلنا. فأنا أتعامل اليوم مع أبنائي كأصدقاء وأجري معهم حواراً ودياً وصادقاً”.

يطل أمامنا فيروتشيو وهو شاب في الرابعة والعشرين من العمر يمتاز بقامته الطويلة وعينيه الزرقاوين ويعمل حالياً مع والده باعتباره فرداً من أفراد الجيل الثالث في لامبورجيني. ويتحدث فيروتشيو بقدر كبير من المسؤولية تجاه الإرث العريق لعائلته قائلاً: “أجل يجب علينا أن نكون عند حسن ظن هذه العلامة التجارية أو هذه الأسطورة إن جاز التعبير. ولكن الشيء الأكثر أهمية هنا يتمثل في معرفة مكانتنا لدى العملاء”. ويردف قائلاً: “لقد شهدت طريقة تفكير عملائنا تغييراً جذرياً عما كانت عليه منذ زمن جدي. يمكن للعملاء اليوم معرفة آخر التطورات من خلال شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ويجب علينا أن نحافظ على مكانتنا في الصدارة بشكل دائم”.
وبالنسبة لجينفرا، ابنة تونينو الكبرى والتي تؤدي حالياً دوراً أكثر فاعلية في الشركة، فلديها جدول الأعمال الخاص بها عندما يتعلق الأمر بإسهاماتها في شركة والدها. وبصوت أنثوي ناعم وبريق في العينين ينم عن إصرار الأجيال السابقة لعائلة لامبورجيني، تتحدث جينفرا قائلةً: “أرى مستقبلي في هذه الشركة العائلية. وأود حقاً أن أضيف إليها المزيد من النجاح لأكون عند حسن ظن ذلك الشرف العظيم الذي أورثه والدي وجدي لنا. كما أرغب أيضاً في إضفاء اللمسات الأنثوية على هذه العلامة التجارية الذكورية بامتياز”.

تونينو لامبورجيني

في متحف فيروتشيو لامبورجيني

الاحتفاء بالماضي

قام تونينو لامبورجيني بما هو أكثر من مجرد استلام قيادة الشركة العائلية وتأسيس شركته الخاصة، فهو يرغب في أن يخلد ذكرى والده وخدماته للأفراد والميكانيك في ذاكرة العالم أجمع. ومن خلال الوقوف في متحف فيروتشيو لامبورجيني المكرس لتخليد حياة المؤسس فيروتشيو لامبورجيني، يدهش المرء بالقدر الكبير من الانجازات التي قدمتها العائلة خلال 70 عاماً.
وأثناء التجول في الصالة الطويلة التي تستعرض الجرارات الزراعية والسيارات وطائرات الهليكوبتر والزوارق المزودة بمحركات وعربات الجولف وغيرها من المنتجات التي تحمل اسم لامبورجيني، يخبرنا تونينو قائلاً: “كان من المهم جداً بالنسبة لنا افتتاح هذا المتحف الذي يخلد إنجازات الآباء”. ويضيف: “وأود أيضاً أن أؤكد على الدور العظيم الذي لعبته والدتي أنيتا. ما كنا لنحقق جميع هذه الانجازات لولا دعمها. ولاشك أن وراء كل رجل عظيم امرأة ذكية. لقد شاركت والدتي بتأسيس هذه الشركة مع والدي وشكلا معاً فريقاً رائعاً. وأود أن أقول بأن هذا المتحف ليس مخصصاً فقط لتخليد ذكرى والدي بل لتخليد ذكرى العديد من الأشخاص الذين ساهموا في نجاح شركتنا العائلية”. واتضح على الفور المعنى الذي يقصده تونينو من وراء جملته هذه إذ تزخر الصالات بصور للأليات والعمال المشاركين والذين كانوا جزءاً من فريق عمل لامبورجيني في مرحلة ما من تاريخها الحافل. ويضيف: “كما يهدف هذا المتحف أيضاً إلى تعريف أجيال المستقبل أن بلوغ النجاح والتميز يحتاج إلى تكاتف العديد من الأشخاص وأداء الكثير من العمل وتكريس الكثير من الجهد الجماعي”.

تونينو لامبورجيني

وتوضح جينفرا بكل حماس قائلةً: “يذكرنا هذا المتحف أيضاً بالإرث العريق الذي نشكل نحن جزءاً منه. كما يعتبر مكاناً ملهماً يمنح المتعة لكثير من الأشخاص. نحن أبناء الجيل الثالث ولدينا إرث عريق ونشعر بحجم المسؤولية الموكلة إلينا”. ويضيف فيروتشيو قائلاً: “نسعى جاهدين لنثبت قدرتنا في تحقيق المزيد من التطور! وسوف نواصل عملنا الدؤوب للحفاظ على هويتنا بينما نستمر في المضي قدماً في عالم الرفاهية والأزياء”.

التخطيط للمستقبل

لم يكن ماضيه الحافل بإرث عريق ليوقف تونينو لامبورجيني من التركيز على المستقبل. وعند الحديث عن المستقبل، يبستم تونينو بدهاء ويحدثنا قائلاً: “نظهر اليوم شغفاً كبيراً بالساعات الخاصة بنا. وأرى أن السبب وراء ذلك يعود إلى كونها منتجات تعتمد على الميكانيك. لطالما شُغفنا بهذا المجال وسوف نبقى كذلك. وبالحديث عن أعمال الشركة، يشهد نطاق أعمالنا توسعاً كبيراً من حيث العلامات التجارية الخاصة بقطاعي الضيافة والعقارات. لا شك أن العملاء اليوم يرغبون في الحصول على أكثر من مجرد منتج جميل المظهر فهم يودون الحصول على اسم يضمن تميز المنتج وهذا تماماً ما نقدمه لهم. لطالما شدد والدي على أهمية ربط كل ما نقوم به بالمضمون الجيد. فالتصميم الذي يفتقد إلى المحتوى الجيد هو مثل امرأة جميلة تفتقد إلى الذكاء وسرعان ما تجعلك تشعر بالضجر”.تونينو لامبورجيني

يخبر تونينو أبناءه باستمرار أن التميز في العمل يحتاج إلى المواظبة والصبر. وهذا ما يشرحه قائلاً: “تتعلق المسألة في النهاية بقدرتك على إضفاء شيء جديد وتجنب تقليد ما يفعله الآخرون. فما الفائدة التي سوف نحصدها عندما نقوم بتقليد الآخرين؟”. لا يختلف تونينو عن والده عندما يتعلق الأمر بريادة الأعمال في مجال توسيع نطاق الأعمال. وهذا ما يشرحه فيروتشيو قائلاً: “لقد كنا من أوائل الأشخاص الذين دخلوا إلى السوق الصيني في الثمانينات من القرن الماضي. كانت تجربة لا تنسى وتعلمنا منها الكثير”. ويضيف قائلاً: “ندرك اليوم بأنه لا يمكننا العمل بمفردنا فنحن بحاجة إلى التعاون مع الثقافات الأخرى لنحصد المزيد من الخبرات. لا شك أن أصالة اسمنا تمنحنا فرصة كبيرة في هذا الإطار. ونحن نفتخر بإرثنا العريق لكن لا يمكننا التنبؤ بما يمكننا انجازه في المستقبل”. توافقه أخته الرأي من صميم أعماقها وتؤكد كلامه قائلة: “أجل هذا صحيح! أرجو أن يتحول كل ما هو مستحيل بالنسبة لنا اليوم إلى إنجاز نتمكن من تحقيقه في الوقت المناسب. وسنواصل القيام بالمجازفات كما يتوقع الجميع منا”.

ينظر تونينو إلى أبنائه بكثير من العاطفة الأبوية بينما يقفون معاً في المتحف المكرس لتخليد ذكرى والده. ويختتم تونينو لقاءنا هذا قائلاً: “أتمنى أن يتمكن أبنائي من إنجاز كل ما هو مميز ومبتكر وأن يتمكنوا من اكتشاف العالم بأسره. كما أتمنى أيضاً أن يحظى أبنائي بفرصة العيش واكتشاف المعنى الحقيقي للإبداع تماماً كما حظيتُ ووالدي بهذه الفرصة”.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 26, 2015

Tags from the story