شركة طوقان

شركة طوقان

مقابلة مع السّيّد فاروق طوقانرئيس مجلس إدارة شركة طوقان

تعدّ صناعة الصابون من أقدم الصناعات في الشرق الأوسط، وقد اشتهرت مدينة نابلس بصفة خاصة بالجودة العالية لما تنتجه من صابون وأصبحت مركزاً مهماً للتصنيع في المنطقة منذ عهد الحملات الصليبية. كيف تطوّرت شركة طوقان خلال تاريخها الطويل في المنطقة؟

أنا أعرف مكانين مشهورين بصناعة الصابون من زيت الزيتون: مدينة نابلس في فلسطين وطرابلس في لبنان. أعتقد أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو اشتهار تلك المدينتين  بأشجار الزيتون ذو الجودة العالية. تحيط بمدينة نابلس أشجار الزيتون، وبإمكانك رؤية هذه الأشجار أينما ذهبت و في كل مكان وهي أشجار قديمة ومميّزة.

قام بتأسيس شركتنا جدي حافظ وأخوه عبد الفتاح، ومن بعدهم جاء عمي داوود وأبي خليل وعمي قدري ثم أبناء عمي حافظ وأمين رحمة الله عليهم جميعاً. تنحدر أصول عائلتنا من سوريا من عرب الموالي، فقد أتى جدي الأكبر إبراهيم أغا الشوربجي إلى فلسطين في القرن السادس عشر و تم بناء بيتنا القديم في نابلس حوالي عام 1725، تنتمي عائلة طوقان وعائلة أبو ريشة من سوريا إلى نفس القبيلة، وما زلت أحتفظ بكتاب قديم يذكر أن هناك مكان في سوريا يسمّى “تلّ طوقان”.

في الماضي، كنا نصنع الصابون باستخدام مادة تُسمى “القلي” و هي عبارة عن جذور عشبة صحراوية كُنا نحصل عليها من البادية. ما زلت أذكر مثقال باشا الفايز وهو شيخ قبيلة بارزة في وسط الأردن – قبيلة بني صخر- عندما كان يأتي الى مصنعنا حيث كان هو المورّد الوحيد لمادّة القلي حينها، لأنه وخلال الحرب العالمية الثانية لم يكن بالإمكان إحضار الصودا الكاوية (هيدروكسيد الصوديوم) من انجلترا و التي كُنا نشتريها من شركة ICI (Imperial Chemical Industries) حسبما أتذكر يقيناً. كان ذلك يتم عن طريق المرحوم عبد الهادي حمودة مؤسس أكبر شركة منتجة للألبان في الأردن؛ ألبان حمّودة. قبل هذا أتذكّر كذلك أننا كنا نحصل على زيت الزيتون محمولاً من القرى على ظهور الجمال والتي كانت تنام في المصبنة. كان يتم وضع زيت الزيتون فيما كان يسمّى بالـ “ضرِف” (وعاء مصنوع من جلد الماعز) ثم يضع العمّال زيت الزيتون في “الحلّة” (الوعاء الكبير الذي كان يُستخدم لطبخ الصابون) لطبخه، وتحت الحلة كنا نستخدم “الجفت” (ما يتبقى من الزيتون بعد استخراج الزيت منه) كوقود للطبخ، أما “الدّق” فهو ما كان يطلق على الجفت المحروق والذي كنّا نستخدمه في منازلنا للتدفئة في فصل الشتاء وكنا نهديه أيضاً لأصدقاء العائلة. أتذكر في ليالي الشتاء عندما كنت طالباً أننا كنا نتجمّع حول “الكانون” أو “المنقل” للتدفئة ونقوم أيضاً بتحميص الخبز والجبنة النابلسية وأباريق الشاي على النار. وما يتبقى بعد استخدام “الدق” كنا نستخدمه لتنظيف أواني الطهي. لم يكن لدينا مواد منظفة عندئذ لتنظيف أواني الطهي النحاسية. وكما يتضح لك، كان الزيتون جزءاً من حياتنا اليومية وكان حاضراً في كل ما نقوم به تقريباً.

إلى أيّ مدى شاركت شخصياً في صناعة الصابون؟ وهل كان هناك أي فرد من عائلة طوقان مشاركاً في تصنيع الصابون؟

أنا عن نفسي لم أكن مشاركاً. في عائلتنا كان المرحوم عبد الفتاح شقيق جدّي ووالد الشاعرين إبراهيم وفدوى طوقان هو رجل الأعمال. ذهب والدي وشقيقه داوود في عامي 1910 و1911 للدراسة في مدينة اسطنبول، ودفعتهما هذه الخلفية على إضفاء شيء من الاحترافية على العمل العائلي، فلم يكن هدفهما مجرّد صناعة وبيع الصابون وإنما رغبا في إدارة شركة متطوّرة، وهذا ما دفع والدي الى تحويلها إلى شركة محدودة المسؤولية سنة 1929 وهو الأمر الذي قام به غيرنا من المؤسسات والمصابن (مصانع الصابون) الأخرى بعد عدة سنوات من ذلك التاريخ. بدأنا هذه الشركة باثنين من المساهمين والآن لدينا 35 مساهماً.

لم نشارك كأفراد عائلة طوقان في عملية تصنيع الصابون لسبب بسيط وهو أنه كانت تعمل لدينا عائلات صغيرة أخرى تتولى كل مرحلة من مراحل تصنيعه. المرحلة الأولى هي الطبخ والتي تستغرق خمسة أيام ويسمّى العُمال القائمون عليها باسم “الطبّيخة”. ثم بعد ذلك يتم بسط الصابون ليجف، عمال المرحلة الثانية هم “البسّيطة”. هذه في الواقع مهمة تسلتزم الكثير من الدقة والإتقان: يقوم العمال ببسط الصابون السائل وللحفاظ على السماكة كان يتعين عليهم استخدام أدوات بدائية للغاية ما زالوا يستخدمونها إلى الآن. بعد ذلك يستغرق الصابون يومين أو ثلاثة لكي يجف حسب الظروف المناخية حيث يستغرق فترة أطول في فصل الشتاء. بعد ذلك يأتي دور عملية التقطيع؛ “القطّيعة” و هم من يقومون بتنعيم سطح الصابون أوّلاً ثم تقطيعه إلى قطع صغيرة باستخدام حبل يسمى “البيكار”. بعد انتهاء عملية التقطيع يأتي “الختّيمة” لختم كل قطعة صابون بشعار شركة طوقان و هو (المفتاحين). وفي النهاية، يأتي دور “اللّفيفة” للف قطع الصابون بالورق.

كل مرحلة يتولى مسؤوليتها عائلة مختلفة تشتهر بتخصّصها وبراعتها في مجال عملها. على سبيل المثال، لدينا عائلة “طبيلي” التي تعمل على بسط الصابون وعائلة “العاصي” التي تتولى طبخ الصابون وبعض أفراد عائلة “الجوهري” يقومون بعملية لفّ الصابون. يعمل لدينا إلى الآن موظفون من هذه العائلات في المراحل المختلفة للإنتاج. وتنتج مصبنتنا طن صابون يومياً، وهو ما يقدّر بحوالي 360 طن سنوياً حيث نعمل بكامل طاقتنا الإنتاجية.

عندما أصبحت الضفة الغربية جزءاً من الأردن في عام 1950، كنّا من بين أول 50 شركة نتقدم للتسجيل في وزارة التجارة، كما يوجد لدينا علامات تجارية أخرى للصابون. علامتنا التجارية الرئيسية هي المفتاحين لكن لدينا كذلك ثلاث علامات تجارية أخرى؛ نستخدم هذه الأختام كل 5 أو 6 أعوام حتى تبقى ولا تندثر.

هل زاد أو أنخفض عدد العاملين في كل مرحلة من مراحل إنتاج الصابون بمرور الوقت؟

أعتقد أنه انخفض لأنه يوجد لدينا الآن آبار نضع فيها زيت الزيتون ثم نقوم بضخه مباشرة إلى الحلّة. لم نعد بحاجة إلى عمال لهذه المرحلة وبالتالي انخفض العدد بنسبة ضئيلة.

ما هو أكبر سوق لصابون مصنع طوقان؟

توزّعت الأسواق فيما مضى على النحو التالي وفقاً لأشهر ثلاث علامات  تجارية في فلسطين حينها: المفتاحين بدأت في شمال فلسطين ثم انتشرت شهرة العلامة التجارية في إربد وما حولها. علامة مصنع عائلة المصري “النعامة” كان سوقها الأساسي الأردن وظلت هناك بعد سنة 1948. بدأت العلامة التجارية لمصنع عائلة الشكعة “الجمل” نجاحها في جنوب فلسطين وهي مشهورة الآن في الخليل كذلك. بالطبع لدينا قليل من العملاء في عمّان، وقد بدأنا مؤخراً في التصدير إلى أمريكا، وهناك أيضاً متاجر في سان دييجو تبيع إنتاجنا من الصابون، كما نرسل أيضاً كميات صغيرة إلى ايطاليا.

كان هناك دائما ومازال اتفاقات غير مكتوبة وكلمة شرف بين أصحاب مصانع الصابون وينطبق الأمر على المصانع الثلاثة التي ذكرتها سابقاً، فعندما نشتري الزيت نحصل عليه جميعاً من نفس المصدر ونفس الحال بالنسبة للصودا الكاوية، وإذا نفذ لدينا المخزون من أي مادة مستخدمة للتصنيع، نستعيرها من بعضنا البعض. لقد كان ومازال سعر الصابون محدوداً كطابع البريد في أي فترة من الفترات باتفاق الشركات الثلاثة ولا تتم زيادته أو تخفيضه إلا بالاتّفاق المُسبق بينهم.

ما زالت مصبنة طوقان القديمة موجودة وتعمل الى يومنا هذا، ما هي التحديات والفرص التي تواجهها الشركة حالياً؟

أتعرف أنه منذ البداية ومبيعات الصابون ثابتة كما هي لا تزيد أو تنقص. حالياً، قد يشكّل الطلب الكبير على الصابون والمطهّرات الأوروبية اليوم تحدياً لنا.

لدينا في الوقت الحالي موزعين أحدهما في عمان والآخر في إربد. نحن نعمل مع نفس الأفراد منذ البداية، ففي عمان نحن نعمل مع نفس الشركة العائلية منذ جيل جدهم الأكبر ثم الجد والآن أبنائه. أما الآن، ليس لدى الأحفاد اهتمام بهذا المجال، فقد انتقلوا إلى الولايات المتحدة وليس لديهم رغبة في مواصلة العمل والابقاء على شركة العائلة. وبالتالي فالتحدي بالنسبة لنا الآن إذا صحّ لنا أن نسميه تحدياً هو العثور على شخص آخر يمكننا الوثوق به والعمل معه من جديد.

لدينا ثقة كبيرة في التغلب على أي تحديات كما فعلنا دائماً. لقد قمنا بحوسبة نظام المحاسبات لدينا وكنا أول من يقوم بهذه الخطوة في مجالنا، فهناك دقة وتفاصيل أكثر الآن والنظام يوفر لنا رؤية عامة ثاقبة. أقوم شخصيّاً بزيارة نابلس مرة كل شهر وألتقي بالمدير المسؤول عن المصبنة كما تصلني منه تقارير نصف شهريّة . المدير العام الحالي هو من خارج العائلة، وقد كان قبل ذلك المدير المالي ثم قمنا بترقيته لاحقاً.

هل ترى مستقبلاً للشركات الصغيرة والمتوسطة في العالم العربي؟ هل يمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تكون نماذج يُحتذى بها كما هو الحال بالنسبة لمصنع طوقان للصابون؟

في فلسطين أعتقد  أن هناك فرصة لكن إمكانيات التوسع والنمو محدودة. على الرّغم من ذلك، هناك نماذج ناجحة جداً للشركات العائلية الصغيرة مثل شركة الحجاوي للطباعة وهي شركة تقوم بالطباعة على الورق وألواح الكرتون، وهناك الشركات التي تعمل في صناعة الطّحينة (عصارة حبوب السمسم) مثل عائلة العالول و عايش.

ما هي رؤيتك لمستقبل شركة طوقان على المدى القريب والبعيد؟

صناعة الصابون لها مكانة خاصة في قلبي ويصعب عليّ أن أراها تندثر ولا أعتبرها مسألة مادية على الاطلاق. انني أقوم بزيارة نابلس كل شهر لأن المصبنة تعني الكثير بالنسبة لي شخصياً ولجميع أبناء عمي وأقاربي. أنا أفكّر حاليّاً في استخدام علامة المفتاحين التجارية الخاصّة بشركتنا لتصميم شعار خاص بمكتبتي؛ و سأقوم أيضاً بكتابة اسمي أسفلهما و كلمتي “إيمان” و “عقل” بالانجليزية Reason Faith -.

أمّا على صعيد المصبنة، فنحن نفكر في الاندماج مع مصنع صابون آخر وبدء تصنيع الصابون بأحجام صغيرة من أجل تصديره إلى دول الشرق الأقصى. سوف نبقي على الجانب التقليدي للصناعة لكن سوف ندخل تحسيناً على قطع الصابون لتصبح أصغر حجماً. وربما نعمل على مكننة العمليات الإنتاجية والانتاج خارج فلسطين مما قد يجعل الأمور أسهل بالنسبة لنا، ففي بعض الأحيان يكون من الصعب التصدير من مدينة نابلس.

هل هناك فرد آخر بعائلة طوقان يبدي اهتماماً بصناعة الصابون؟

ليس  بحسب معلوماتي ، لكن إذا دعت الحاجة فبإمكانهم الانضمام إلينا. نحن نفكر في الوقت الحالي بضمّ بعض سيّدات العائلة إلى مجلس الادارة. يعيش اليوم معظم أبناء عمومتي الذين هم من جيلي في الخارج، وللأسف الجيل الشاب من العائلة غير المقيم في نابلس لا يعرف شيئاً عن صناعة الصابون.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 10, 2011

Tags from the story