الثقة بين الإخوة: نظرة على “مشروع خوري”  

The Khoury brothers photographed by Jean-Baptiste-Millot

نظرة على “مشروع خوري”

“مشروع خوري” الموسيقي هو فريق يضم ثلاثة إخوة هم إيليا وباسل وأسامة خوري، يتقن كلٌ منهم العزف على آلة موسيقية. أكبرهم إيليا يعزف على العود، وباسل على الكمان، أما أصغرهم أسامة فيعزف على آلة القانون. والشيء اللافت والمميز في تجربة الإخوة خوري هو أنهم

مضوا قدماً في مشروعهم في الوقت الذي تردد فيه الآخرون. ولم تقتصر تجربة الثلاثي خوري على ميدان التراث الموسيقي العربي بل عملوا بنجاحٍ وتميز على مشاريع تضم مختلف أنواع الموسيقى كالأوبرا والفلامنكو والجاز والسيلتيك والموسيقى الهندية.

ينحدر الإخوة خوري من عائلة فلسطينية، عاشوا وتربوا في الأردن وبدؤوا حياتهم الموسيقية هناك في سنٍ مبكرة، في العام 2007، قرروا الانتقال للعيش في باريس مما أتاح لهم العمل مع مختلف الفنانين والمؤسسات من كافة أنحاء العالم، وأضحوا يُعتبَرون مرجعيّة في مجال عملهم، فضلاً عن أنهم يحملون عدداً من الشهادات الجامعية في التربية الموسيقية.

التقت مجلة ثروات مع إيليا، 38 عاماً، وأسامة، 25 عاماً، في باريس، وتحدثت إليهم حول عدة أمور من بينها الثقة المتبادلة بين أفراد العائلة الواحدة، وتواصلهم الموسيقي الروحاني مع جمهورهم عبر خشبة المسرح، والعمل الموسيقى بشكلٍ عام.

Osama Khoury in Concert

هل كنتم تخططون لأن تصبحوا موسيقيين؟

إيليا: لطالما أدرك أسامة ذلك، إذ أنه بدأ العزف على الكمان لكن سرعان ما شعر بالملل والضجر، ووقع في حب آلة القانون، فقمت بشراء أفضل آلة قانون كانت متوفرة في ذلك الوقت!

أنا أكبر من أسامة بثلاثة عشر عاماً، ولهذا اعتدت اصطحابه معي إلى كل مكانٍ أذهب إليه. أتذكر أننا ذهبنا يوماً إلى متجر في عمان، وصاحب المتجر سأل أسامة ماذا يريد أن يكون عندما يكبر، فأجاب أسامة: “أنا عازف قانون!” كان عمره سبع سنوات! هل يمكنك أن تصدق ذلك؟

أسامة: بالنسبة لي كان الأمر بسيطاً، فأنا لم أفكر أبداً في اختيار أي مهنةٍ أخرى.

هل شعرتم بالأمر ذاته حيال العمل في مجال الموسيقى؟

إيليا: لقد تعلمت العزف على آلتيّ العود والتشيلو في سنٍ مبكّر، ومن ثم تركزت دراستي الجامعية كلها على الموسيقى سواء كان ذلك في عمان أو في اسطنبول التي انتقلت اليها لاحقاً. وبعد ذلك عدت إلى عمان وقمت بتدريس الموسيقى في الجامعة.

أما باسل، فقد تعلم العزف على آلة الكمان في سنٍ مبكّر وهو فنان مبدع وموهوب.

متى تحول العزف الموسيقي للثلاثي خوري إلى “مشروع خوري”؟

إيليا: أطلقنا “مشروع خوري” كمشروع تجاري في العام 2002، من خلال إقامة الحفلات الموسيقية وبذل كل جهدٍ ممكن لضمان بيع كل التذاكر. لكن جمهورنا في عمان كان صغيراً بعض الشيء وسرعان ما أصبح مشبعاً بالموسيقى التي كنّا نعزفها. في العام 2007، تخرج أسامة من المدرسة الثانوية وحصل باسل على شهادته الجامعية، أدركنا حينها أنه قد حان الوقت المثالي لمغادرة الأردن والانتقال إلى باريس.

أسامة: أردنا أن نكون في مدينةٍ أكبر تكون مصدر إلهام لنا وأن نكون قادرين على التقاء جمهورٍ أكبر. فانتهى بي المطاف في دراسة التأليف الموسيقي للأفلام في باريس.

هل كان قرار انتقالكم معاً إلى باريس قراراً صعباً؟

إيليا: لا أظن أن أحدنا فكّر في الانتقال دون الاثنين الآخرين.

أسامة: نعم، لم يحدث ذلك أبداً.

إيليا: لقد فتح لنا الأوروبيون الأبواب على مصراعيها إلى عالم الموسيقى، لذلك كان من المنطقي الانتقال إلى باريس.

Osama Khoury in concert

هل تغيرت طبيعة تعاونكم بمجرد اعتبار “مشروع خوري” عملاً تجارياً؟

إيليا: لا، لأننا لا نعمل من أجل الحصول على المال، بل لطالما آمنا بأن المال سيأتي في نهاية الأمر من خلال ضمان تقديم عملٍ بمستوً وجودة عاليين. بالنسبة لنا لطالما كان محور وهدف “مشروع خوري” هو السمعة الحسنة. كثيرٌ من الناس في الأردن لم يتوقع نجاحنا، لكن تذاكر حفلاتنا كانت تباع كلها، وتأكدنا من حضور الجميع لأننا ننشد الكمال ونبذل الكثير من الجهد والعرق في موسيقانا. عندما تعتلي خشبة المسرح، لا أحد يرى كم من المال لديك، بل ما يمكنك القيام به حقاً.

كيف تتواصلون مع بعض على خشبة المسرح؟

أسامة: نعزف المقطوعات الموسيقية عادةً، وهناك أيضاً قدرٌ كبير من الارتجال، ولكنه بطبيعة الحال يتوقف على طاقة وتفاعل الجمهور.

إيليا: تجمعنا علاقة تواصل عفوية، فعلى سبيل المثال نتوقع من أسامة أن يعزف مقطوعةً موسيقية معينة ولكنه في لحظةٍ ما قد يقرر أن يعزف شيئاً مختلفاً كليّاً، لأنه يدرك أن بإمكاننا مجاراته وأن ندعم قراراته العفوية والارتجالية أمام الجمهور. عندما يحدث ذلك، نبدأ بالضحك ويبدو الأمر وكأننا نقيم حفلةً خاصةً بنا على خشبة المسرح.

يبدو أنكم تثقون ببعضكم بعضاً لدرجة كبيرة على خشبة المسرح. هل الأمر له علاقة بأنكم من عائلة واحدة؟

إيليا: لا، لدينا ثقة بالموسيقيين الآخرين كذلك.

أسامة: لقد عزفنا مع الموسيقيين في مشروعنا لفترة طويلة، ويمكننا التواصل معهم بواسطة العين.

إيليا: أحياناً لا نحتاج حتى للاستعداد، وقد لا نتمرن معاً لأسابيع، والسبب في ذلك يعود للثقة المتبادلة بيننا. وهو أمر ينجح لأننا نثق ببعضنا ونعرف بعضنا بعضاً بشكلٍ جيد.

Basil Khoury in concert

هل تقصدان أن شعور الثقة هذا لا علاقة له بكونكم إخوة؟

إيليا: (يضحك) بالطبع له علاقة بذلك!

أسامة: بمناسبة الحديث عن الثقة والعائلة، أعتقد أن قصتنا بدأت بدعمٍ من أبي وأمي. في ثقافتنا العربية، قليلون جداً هم الآباء والأمهات الذين يسمحون لأبنائهم بأن يصبحوا موسيقيين، لكنّ الأمر كان مختلفاً مع أبي وأمي اللذّين وثقا بنا وآمنا بنجاحنا منذ البداية.

إيليا: لقد سمحا لنا أن نصبح موسيقيين. أشعر أحياناً بالأسى تجاههما لأن أبناء عمومتنا أصبحوا أكاديميين ورجال أعمال وأطباء أسنان، وهي مهن يسهل شرحها بشكلٍ أفضل وأسهل عندما يُسأَل المرء عن طبيعة عمل أولاده.

أسامة: يعتقد الكثير من الناس أنّ كونك موسيقيّاً معناه أنك عاطل عن العمل، وفي كثيرٍ من الأحيان يظهر الارتباك على وجوههم عندما يدركون أننا حقاً سعداء في حياتنا.

هل لغة التناغم هي اللغة السائدة بينكم دائماً بسبب المستوى العالي من الثقة المتبادلة بينكم؟

أسامة: لا، فنحن نتشاجر!

إيليا: الشخص الشقي ليس هنا! أعني باسل. فهو بالتأكيد له دور في شجاراتنا، ولكننا نؤمن بصدق بأنه لا يوجد شجار لا يمكن حله والتغلب عليه. فنحن لا نترك أحداً على متن سفينتا يغرق!

أسامة: طبيعة عملنا تفرض وجودنا مع بعض لفترة طويلة، ولم يُحدِث ذلك أيّ تغييراتٍ جذرية في طبيعة العلاقة التي تجمعنا. فأنا أعزف مع إخوتي الاثنين منذ كنت صبياً، ولم أعرف شيئاً غير ذلك.

إيليا: كان عليك أن تقابله قبل ثلاثة عشر عاماً لتتعرف على سلوكياته وأخلاقه، كانت لديه أخلاقيات عملٍ أفضل بكثير من بعض الموسيقيين الكبار الذي عملنا معهم. نحن متشابهون لكننا أيضاً مختلفون، كلٌ منا لديه صفات وميزات خاصة به، ولا يوجد تسلسل هرمي بيننا، وهو أمر نادر جداً في أي عائلة. أسامة هو المدرب والقائد على خشبة المسرح، وأنا معني بالشق التجاري، في حين أنّ باسل هو المعجزة الإنتاجية.

أسامة: (يضحك) سنضيع دون باسل. فهو الأنيق جداً ونحن الفوضويان جداً!

إيليا: باسل هو مصدر الرزانة والاتزان لفريقنا. أعتقد أن كلاً منا يسعى لتحقيق التوازن فيما بيننا. فأنا على سبيل المثال لا يمكن أن أقوم بإرسال رسائل تجارية عبر البريد الإلكتروني دون استشارة إخوتي الاثنين أولاً.

أسامة: لطالما عكس تشاورنا بشأن العمل وجهات نظر مختلفة، والأمر كله متوقف على مشاركة القيم ذاتها.

إيليا: إنها مسألة ثقة برأي الطرف الآخر وإيمان بأننا أقوياء معاً.

The Khoury brothers photographed by Jean-Baptiste-Millot

ما هي خططكم لتوسيع نطاق أعمالكم ومشاريعكم التي تتمحور حول الثلاثي خوري؟

إيليا: نبحث حالياً فكرة التحول إلى شركة مساهمة واستقطاب المستثمرين للانضمام إلينا. حتى هذه اللحظة، قمنا فقط بادخار ما يمكن ادخاره من المال واستثماره في مشاريع جديدة، ونسعى الآن إلى مزيدٍ من التطور والنمو لكن ذلك يحتاج إلى إعداد وتجهيزات كبيرة. 

أسامة: لدينا مستشار أعمال.

إيليا: نقوم حالياً بصياغة خطة العمل الخاصة بنا وكل شيءٍ يسير على ما يرام. كل النجاحات التي حققناها والسمعة التي اكتسبناها والمهارات التي طورناها على المستويين الفني والتجاري حتى الآن عليها أن تجتمع كلها لنقوم بتأسيس الشركة.

أسامة: بما أنّ كل مشروع لديه اتجاه مختلف، لا نعرف حقاً ما هي الخطوة التالية من حيث الأسلوب وطريقة العمل.

كيف تتعاملون مع خيبات الأمل؟

إيليا: لا نهتم بذلك، بل نسعى إلى طرق بابٍ آخر ومحاولة فعل شيءٍ آخر. لا ندري إلى أين نحن ذاهبون لكننا على يقين أننا سنصل إلى هدفنا.

أسامة: أصبحنا نتمتع بقدرٍ أكبر من العناد والتحدي!

هل ينبع مصدر قوتكم من كونكم معاً؟

أسامة: من المنطقي بالنسبة لنا أن نقوم بتأليف الموسيقى معاً، ولا أعتقد أننا نريد العمل منفصلين. الأمر كله متوقف على الثقة المتبادلة. إذا كان لدي مبلغ من المال، لماذا أتقاسمه مع شخصٍ لا أعرفه ولا أتقاسمه مع إخوتي؟

إيليا: لن نحظى بالنجاح الذي نحظى به الآن لو أنّ كلّ واحدٍ منا عمل لوحده. نحن نعمل معاً والناس يثقون بنا ونحن نثق بهم، وكلمتنا ملزمة.

Tags from the story