رامي التركي، مجموعة التركي، السعودية

التركي

المشروعات المشتركة بين الشركات العائلية والشركات غير العائلية متعدّدة الجنسيات

سوف يؤكد جميع مالكي الشركات العائلية -ومما لا شك فيه- على أن إقامة مشروعات وتحالفات مع شركات متعددة الجنسيات ما هي إلاّ عملية معقّدة. علاوة على هذا فالاحتمال الأرجح أن يصرّ جميعهم على أهمية البحث عن الشريك المناسب للنمو. تحظى الشركات العائلية -وربما بصفة خاصة في العالم العربي- بمكانة متميزة تتيح لها تمكين الشركات متعددة الجنسيات من وصول متميّز وإنفتاح على الأسواق، وبالرغم من  ذلك فإن إدراك كل طرف ورؤيته للآخر كشريك مفيد للتوسّع مستقبلاّ لا يكفي لضمان نجاح المشروع . يروي رامي التركي، رئيس شركة خالد التركي وأولاده في السعودية تجربته الشخصية وتوصياته بشان تكوين تحالفات استراتيجية وإقامة مشروعات مشتركة مع شركات متعددة الجنسيات ويحدّد أهم الأوامر والنواهي.

البدايات أو “كيف تهيأت الظروف”

انضممت إلى شركة العائلة في عام 1999 وذلك بعد إكمال دراساتي والسنوات الأولى من العمل في الولايات المتحدة. كانت مهمتي الأولى بعد أن بدأت متعلقة بجزء من مشروع مشترك جديد، فقد كنّا قد أقمنا شركة جديدة للعمل كمركز رئيسي لمنح تراخيص الاتصالات عبر الأقمار الصّناعية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. كانت الصناعة مزدهرة حينذاك وكان شريكنا في هذا المشروع شركة أمريكية. عندما بدأت مهام عملي، كانت شركة العائلة قد شرعت للتّو في التفاوض مع الأمريكيين للحصول على حقوق الامتياز الرئيسي، وأصبحت أنا أشغل منصب مدير التطوير الإقليمي، بمعنى إنني كنت مسؤولاً عن اختيار الشركات التي سوف تصدر التراخيص الفرعية. لقد كان هذا أول مشروع مشترك أساهم فيه منذ البداية. وبعد أن عملت عليه ما يقارب العامين ، انتهى الحال بشركائنا وللأسف بتحقيق خسائر نظراً لتراجع الصناعة بشدة آنذاك. كان علينا تدارك الموقف لأن هذه الأوضاع قد تتدهور بإيقاع سريع ومباغت. لحسن حظنا، لم نكن قد وصلنا بعد إلى مرحلة القيام باستثمارات كبيرة الحجم.

عملت عائلتنا دائماً وفق رؤية تدفعنا نحو إقامة شركات مختلفة ومتميزة، حيث تقوم الفكرة على الدخول في علاقة شراكة مع شركات متعددة الجنسيات لتأسيس فرص غير مسبوقة لم تكن لتتحقق إذا ما أقدم أحد الطرفين على العمل منفرداً. نجحنا وعلى مدار السنوات الماضية في إضافة الكثير من المشروعات المشتركة هذه إلى مجموعة أنشطتنا وأعمالنا، حيث شاركت خلال مشواري المهني بفعالية في قيادة مشروعات “جريس” و”إكسوفا” و”فيلوسي”. ولقد تعلّمت العديد من الدروس المهمة من كل مشروع وبالتأكيد سوف أواصل التعلّم مع كل شريك جديد نحصل عليه. ومع ذلك، فأنا أعتقد أن التعاون مع الشركات متعدّدة الجنسيات يفرض بعض التحدّيات على الشركات العائلية. لهذا السبب قمت بإعداد قائمة تشمل -من وجهة نظري- الأوامر والنواهي الأساسية لتحقيق تحالفات ومشروعات ناجحة بين هذين الكيانين.

علاقات الشراكة أو “لماذا نحتاج إلى الآخرين”

قبل الشروع في البحث عن أو التحدث مع الشركاء المحتملين، من الضروري أن تدرك أسباب حاجتك إلى التعاون مع مؤسسة أخرى. هل يمكنك التعبير بوضوح ودقة عن ما الذي سوف يضيفه الشريك إلى شركتك وكيفية قيامه بذلك؟ هل ستكون تقنية جديدة، أم وصول وانفتاح إلى السوق، أم قنوات توزيع، أو منشآت للإنتاج، أم جميع ما سبق وأكثر؟ إذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة واضحة، فسوف يسهّل ذلك من مهمة العثور على المؤسسة المناسبة والتعاون معها. علاوة على هذا، سيصبح الحمل الملقى على كاهلك أخف بمجرد وجود الشركاء المناسبين في الصورة ، ويفترض أن تتمكن من تحقيق ما هو أكثر مما لو كنت تعمل بمفردك. أما إذا كان الشريك الجديد يشكّل إضافة إلى أعبائك، فقد يترتّب  عليك إعادة النظر في اختيارك.

Alturki-Holdings

الشفرة الوراثية أو “ما يميّزنا”

بغض النظر عن عدد المشروعات والتحالفات التي تشارك فيها الشركة العائلية، فلا بد أن تعي  قيمها الأساسية وتسعى جاهدة للالتزام بها. يمكنك من خلال الدخول في عملية الشراكة تغيير مظهرالشركة العائلية كلية وتحديث أساليب التمييز التجاري والتسويق، لكن يجب أن تتذكر من أنت في جميع الأحوال. وبالتالي، فقبل أن تدخل شركة عائلية في شراكة مع شركة متعددة الجنسيات، قد يرغب أفراد العائلة في الجلوس سوياً لتحديد مواقع تميّز شركتهم واكتشاف الشفرة الوراثية لشركة عائلتهم. سوف يساعدك هذا أيضاً على تمييز نفسك عن الآخرين، فالشركة التي لديها رؤية واضحة لإمكانياتها وقيمها سوف تحظى بمكانة متميّزة بين غيرها من الشركات. وسوف يتمكن الشريك الخارجي تلقائياً من إدراك السّبل التي يمكنه من خلالها المساهمة والاستفادة منكم كشركة عائلية.

المبادئ أو “لا للحلول الوسط”

يجب عليك إدراك واستيعاب مبادئك والحرص على عدم المساومة عليها أو التخلي عنها مطلقاً. بغض النظر عن مدى حاجتك للدخول في شراكة مع مؤسسة معينة، فإذا تظاهرت بأنك شخص آخر خلاف حقيقتك، فسوف تصيبك عاقبة هذا إن عاجلاً أو آجلاً. إن التظاهر بقدرتك على الالتزام برؤى لا تتماشى مع مبادئك لن يجدي نفعاً وسوف يتكبّد كلا الطرفين خسارة الكثير من الوقت والجهد.

الثقافة أو “محاولة استيعابها”

إذا كنت كشركة عائلية تريد التعاون مع شركة متعدّدة الجنسيات، فلا بد لها من استيعاب ثقافتها المؤسسية جيداً. حيث يعتبر عامل الثقافة المؤسسية من أهم عناصر التوافق لاحتمالية حدوث تعاون إيجابي.  إن عدم استيعاب ثقافة الشركة يعني في النهاية عدم استيعاب كيفية اتّخاذها القرارات والتي تعتبر بلا شك إحدى المقدّمات السيئة لبدء مشروع استثماري مشترك. تعتبرعملية اتخاذ القرارات بالإضافة إلى الأنشطة اليومية من المعلومات الأساسية التي قد ترغب في التعرّف عليها والإلمام بها. وبعد استيعاب ثقافة الشركة، فبالطبع من المهم استيعاب الثقافة المحلية بالمثل. دائماً ما تكون التعاملات في هذه الشراكات مع أفراد تحكمهم خلفيتهم سواء كانت نابعة من خبرتهم في الشركة أو من تراثهم الحضاري.

جهات الاتصال الرئيسية أو “من الذي يجب وضعه على قائمة الاتصال السريع”

تمتلك معظم الشركات متعددة الجنسيات نظام تعاقب سريع فيما يتعلق بموظّفيها وبالتالي يصبح من المحال أن تستمر في التعامل مع نفس الشخص أثناء العمل على مشروعك حتى نهايته. وتقوم أغلب الشركات متعددة الجنسيات بتبديل موظفيها بصفة دورية وبالتالي يجب عليك توسعة هذه العلاقات مع عدّة أفراد ينتمون إلى جميع مستويات المؤسسة. يجب الحرص على وجود علاقة شخصية مع رئيس مجلس الإدارة وأعضاء مجلس الإدارة والمدير التنفيذي الأعلى. وفي أغلب الأحيان، يكون المدراء الأقليميون هم الأشخاص الذين سوف تتعامل معهم في المرحلة المبدئية.

إن وجود علاقات مع هؤلاء الأشخاص على درجة كبيرة من الأهمية وقد تسهم في نجاح أو فشل المشروع ولهذا السبب ستكون إمكانية الوصول إلى مستويات متعددة من المؤسسة عاملا مؤثراً في الحد من عامل المخاطرة.

التواصل أو “التصريح بالفكرة علانية أو تدوينها كتابة”

لا يسعني التأكيد على هذا الجانب بما فيه الكفاية: إن 99,99% من المشكلات التي أواجهها يومياً يمكن إرجاعها إلى رداءة عمليات التواصل أو انعدامها كلية سواء كانت شفوية أو كتابية. لاحظت من خلال تجربتي أنه وفي أغلب الأحيان لا يكون هناك ما يكفي من التواصل المكتوب والذي يجب استخدامه للنصّ بوضوح على المناصب التي تشغلها الأطراف المعنية. ويرتبط هذا كذلك بتوفير المستندات القانونية المناسبة؛ فمن الضرورة أن تقضي الوقت الكافي مع محاميك لتحديد سبل التواصل والتعاقدات على الوجه المناسب. إذا كان عليك الدخول في مشروع مشترك أو علاقة شراكة وكنت تفتقر إلى أساليب تواصل فعّالة، فسوف تتضاءل احتمالات النجاح مع حدوث إي حالة سوء تفاهم.

التفاوض أو “تعلّم الصرامة”

عند السعي إلى إقامة علاقات شراكة مع شركات متعددة الجنسيات يجب عليك المحاولة والتفاوض من موقع القوة، ومن الضروري أن تتجنب الشعور بأن عليك نيل الصفقة بأي ثمن. تكمن الخطورة في أنه بمجرد أن تبدأ بإعتبار أن هذه هي أهم صفقة فزت بها على الأطلاق، فسوف تبدأ في التنازل عن مبادئك لأجل هذه الصفقة. يغفل الكثيرون أن الحصول على الصفقة ما هي إلا خطوة أولى في مشوار طويل، فإياك أن تنسى أنه سوف يتعين عليك التعايش مع هذه الصفقة لفترة طويلة فيما بعد. بالطبع، لا يمكن دائماً التفاوض من موقع القوة، حيث لا توجد وصفة شاملة لاتباع هذه التوصية وأحياناً لا يمكن تحقيقها على الإطلاق. ، ستكون هناك دائمًا احتمالية كبيرة أنك سوف تعاني وتتكبد خسائر عند دخولك في أي علاقة شراكة، ومع ذلك يجب عليك دائماً محاولة الإحتفاظ باليد العليا في المفاوضات. يحرص والدي دائما على سؤالي هذا السؤال لاختبار دوافعي في السعي وراء صفقة ما: “هل ستبيت جائعاً غداً إذا لم تحصل على هذه الصفقة؟” وأجد شخصياً أنّ توجيه هذا السؤال لنفسي أمراً مفيداً وضرورياً فس معظم الأحيان. قد ننشغل أحيانًا بالصفقة لدرجة ننسى معها التفكير فيما سيحدث إذا ما فشلت أو ما هي الخيارات الأخرى المتوفرة لدينا.

 

العواطف أو “إنها ليست مسألة شخصية وإنما أعمال”

من الضروري التحكّم في عواطفك ومشاعرك عند إقامة مشروعات مشتركة. ويجب أن يتمحور الأمر حول الشركة والأعمال فقط لا غير عند التعامل مع الشركة. إذا تركت العنان لعواطفك  بحيث تصبح  هي الموجّه لقراراتك، فسوف تخسر احترام شريكك تلقائياً. قد يشكّل هذا تحدياً كبيراً في الشركات العائلية، ولذلك هو موضوع مهم يجب مناقشته قبل بدء المفاوضات مع شركاء خارجيين. يسألني معظم الناس “كيف يمكنك تحييد العاطفة جانباً؟ إنها شركتك!” أنا اتفق معهم، ومع ذلك فأنا أؤمن أن العواطف تدفعك إلى اتخاذ قرارات لن تتمكن من تبريرها أو قبولها لاحقاً عندما تكون في حالة ذهنية مختلفة.

نموذج الأعمال أو “يجب عليك الإلمام بالأمر جيدًا”

توصية أخرى: لا تدخل مشروعاً أو علاقة شراكة بدون الإلمام بنموذج الأعمال الذي يطبقّه شريكك؛ ما الكيفية التي يتبعها لإدارة شركته؟ لا تدخر جهداً في البحث والتنقيب عن الأمور المالية: عند مناقشة صافي الأرباح، احرص على أن تضع في ذهنك جميع رسوم الامتيازات والأعباء والتكاليف الإضافية على الشركة والتي غالباً لا تُذكر في المفاوضات المبدئية. فإذا لم تتوخ الحذر، سوف ينتهي بك المطاف مثقلاً بمصاريف ورسوم عالية مع عدم تحقيق أرباح على الإطلاق. سوف يتسنى لشريكك في النهاية جني كل الإيرادات من المستهلك النهائي وعندما تنظر إلى أرباحك ستجد إنك أنفقت نصفها بالفعل على الرسوم، وقد يكون من المستحيل الخروج من ورطة كهذه.

القيادة أو “السُّلطة في يد من هم على قمة الهرم”

قد  تكون القيادة مسؤولية فرد واحد حتى في الشركات العائلية: يجب عليك تولّي المسؤولية والعناية بنفسك وبمرؤوسيك. إن وجود مستشارين هو لأمر بالنسبة للقادة، لكن في النهاية سوف يتحتم عليك تولي المسؤولية والإلمام بأدق التفاصيل. يجب عليك الاستمرار وعدم التوقّف عن استثمار مجهوداتك في المعرفة وإياك أن تكتفي بالاعتماد على ما يقوله لك الموظفون الآخرون. بالطبع، من المهم أن تحرص على وجود فريق عمل ممتاز من حولك سواء كان من داخل العائلة أو خارجها.

هذه هي الدروس التي تعلمتهامن خلال تجاربي والتي لم تكن سهلة على الإطلاق. كان والدي يجنبني الشعور بالإحباط وخيبة الأمل ويشاركني خبرته في بعض الأحيان. ومثلما هو الحال في العلاقات الشخصية، لا توجد مشروعات مشتركة أو علاقات شراكة مثالية، ولكن قد تزيد الدروس والنصائح التي أوردتها أعلاه من احتمالات النجاح.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 12, 2011

Tags from the story