فون بارثا

فون بارثا

فون بارثا

فنون العائلة

 في مدينة بازل السويسرية أمام مضخة البنزين الحمراء تقع صالة عرض للفنون المعاصرة، ويعلو أبوابها الزجاجية الواسعة عبارة “فون بارثا” مكتوبة بأحرفٍ بيضاء، وهو الاسم الذي يحكي قصة عمرها 45 عاماً من الموروث العائلي في جمع اللوحات الفنيّة وبيعها. خلال توجهنا إلى صالة العرض التي تضم أيضاً مرآباً للسيارات، قام باستقبالنا والترحيب بنا السيد ستيفان فون بارثا صاحب الصالة النشيط. ينتمي ستيفان، البالغ من العمر 33 عاماً، للجيل الثاني من عائلة فون بارثا، والتي كانت تنظم أنشطتها ومعرضها الفنيّ داخل منزلها الخاص في مدينة بازل، إلى أن أقنع ستيفان والديه بالمجازفة وفتح الصالة في العام 2008، وهو ما شكّل تغييراً ومنعطفاً هاماً في تاريخ العائلة.

التقت مجلة ثروات مع ستيفان ووالده ميكلوس فون بارثا حول طاولة خشبية طويلة وُضِعت في منتصف الصالة الفسيحة والمشرقة، بهدف مناقشة عدّة قضايا منها الجمع بين هواية جمع اللوحات ومهنة المتاجرة بها، وكونها شغف يصعب وصفه وتعليمه للآخرين، وما هي الأمور التي تمكنهما من النوم بضميرٍ مرتاح.

هل فكرت يوماً بالانضمام إلى شركة العائلة؟ 

ستيفان: لقد نشأت وترعرعت في معرضٍ فنّي، وأنا أعني ما أقول حرفياً فقد كنّا بالفعل نعيش في منزلٍ كان أيضاً مقرّ صالة العرض الخاصة بوالديّ، وشكّل ذلك بالنسبة لي شعوراً طبيعياً بالانتماء إلى عالم الفنون، ولطالما عملت على مساعدة والديّ لأنّ قضاء بعضاً من وقتي مع الفنانين كان أكثر متعةً من القيام بواجباتي المدرسية. (وهنا يضحك ستيفان)

في البداية، وعندما كنت في الثامنة عشرة من عمري تركزت اهتماماتي حول التصميم أكثر من تركيزي على الفنون بحد ذاتها. بدأت التعامل في تصميم القطع الكلاسيكية القديمة وقمت بتنظيم أول معرضٍ لي في ذلك الوقت شمل عرض 420 لعبة كلاسيكية، بعتها كلها إلاّ واحدة، تقبل والديّ حقيقة أنني وأخي متعلقان بالفنون إلى درجة كبيرة، وعملا على تشجيعي ودعمي وساعداني على إنجاح المعرض من خلال توفير مكانٍ لإقامته وأعطياني 800 فرنك سويسري، وقدموا لي دعماً لوجستياً من خلال إخبار الآخرين بضرورة تقديم الدعم والتشجيع لي. حتى أننا أكملنا المشوار وقمنا بتصميم اسمٍ تجاري لهذه اللعب الكلاسيكية، ولكن في وقتٍ لاحق وعندما أصبحت في سن الواحد والعشرين أدركت أنّ حبي الحقيقي كانت الفنون وليس التصميم. أما أخي فيمتلك حالياً صالة عرضٍ للفنون المعاصرة في العاصمة البريطانية لندن.

إذا كبرت في عالم الفنون ولم يكن لديك معلم غير والديك، فإنك ستواجه بالتأكيد بعض المشاكل والصعوبات عند العمل لديهم. والأمر الذي ساعدني كان شركة العائلة! حاولت في تلك الفترة العمل مع والديّ، ومن الأمور التي كانت تشغلني هي كسب الاحترام داخل شركة العائلة، لهذا قررت الالتحاق ببرنامج دار كريستيز التعليمي للفنون المعاصرة في نيويورك، ومن ثم عملت لدى دار سوثبي للمزادات في مدينة زيوريخ السويسرية، وكذلك لدى إحدى صالات العرض في العاصمة الألمانية برلين. وخلال ذلك الوقت التقيت بأشخاصٍ زودوني بمنظورٍ ووجهات نظرٍ جديدة كنت بأمسّ الحاجة لها، إذ كان لديهم تأثير كبير على نظرتي لعالم الفنون.

فون بارثا

وعندما بلغت عمري 26 سنة، عدت إلى بازل وأوضحت لوالديّ بشكلٍ صريحٍ ومعلن أنني قد انضم لشركة العائلة فقط في حال سمح لي بالمساهمة بأفكاري الخاصة، اعتقد والديّ أنني مجنون، لكنهما كانا متحمسين للفكرة، وأدركا أنني جدي ولدي رغبة حقيقية في نقل المعرض إلى الجيل القادم. كنّا في ذلك الوقت في خضم التحول نحو التركيز على الفنون المعاصرة، وكنت أرغب بتحويل شركة العائلة لتصبح الحاضنة المهنية والمميزة للفنون المعاصرة. وبعد ذلك وجدنا هذا المعرض وقررت شراءه. كان ذلك قبل 7 سنوات. وقمت بإنجاز مقترحي المكتوب الأول الذي قدمته لوالديّ حول فكرتي بافتتاح المعرض الجديد، وضحكت كثيراً، لأنّ النتيجة كانت مغايرة لما كنت أخطط له في ذلك الوقت، لكنّه كان أمراً ممتعاً، ومع أنّ تجهيز المعرض كان شاقاً بعض الشيء لكنّه كان يستحق ذلك.

أعتقد أنه بمرور الوقت تتعلم أشياء سبقك إليها جيل ويفكر فيها جيلك. فأنا كفرد أنتمي للجيل الثاني من العائلة، وكنت دائماً أحصر تفكيري وتركيزي في الأشياء التي أردت أنا القيام بها. وعندما كبرت، بدأت أدرك أيضاً أنّه من الصعوبة بمكان على الجيل الأول أن يتكيف مع الأمر.

هل كان لديك دافع لمواصلة دعم تعلق ولدك بالفنون؟

ميكلوس: أجل بالطبع، فأنا لا أثق أبداً بتاجر لوحاتٍ فنيّة لا يمارس هواية جمع اللوحات الفنية واقتنائها ولا يمكن أن أشتري منه أبداً، ذلك لأن الشغف أمرٌ غاية في الأهمية، والبعض يتعامل مع هذا النوع من العمل كما لو أنّه لا يختلف عن بيع السيارات أو الغسالات. لكنّ الحقيقة أنّ الفنون مسألةٌ مختلفةٌ تماماً تتطلب التزاماً وشغفاً خاصاً، وإلا ستكون كسواها من الأعمال.

ستيفان: قام والديّ بجمع واقتناء مجموعةٍ كبيرة من اللوحات الفنية، كذلك قمت أنا وأخي بفعل الشيء ذاته. حتى صار لدى أخي مجموعة رائعة، وأنا قمت للتو بشراء شقةٍ جديدة ويؤسفني أنّه لا يوجد بها سوى عددٌ قليلٌ جداً من الجدران لتعليق لوحاتي.

ميكلوس: إنّ فكرة جمع نوع واحد من الفنون هي فكرة خاطئة. وأن تكون أحد هواة جمع اللوحات الفنيّة يعني أن يكون لديك حساسية مرتفعة لكل ما هو جميل في هذا العالم، ولكن هذا لن ينفع إذا تمسكت بنمطٍ أو نوعٍ واحدٍ من الفنون، فجمع اللوحات الفنية يعني أن تبقي عينيك مركزتين على الجمال الحقيقي من حولك، وليس من الضرورة أن يكون مكلفاً.

فون بارثا

هل تتعرضون لمزيدٍ من المجازفات كونكم شركة عائلية؟

ميكلوس: نحن نجازف بطبيعة الحال، ولكننا نتعرض لمزيد من المجازفات. 

ستيفان: نجازف كثيراً عند قبولنا عرض مختلف لوحات الفنانين. وعندما يعمل جيلان من العائلة ذاتها ستحدث الكثير من الاحتكاك والمشادات، ولكن كوننا ننتمي لعائلة واحدة فإن الولاء يصل لمستوياتٍ قياسية واستثنائية عندما يكون العمل شاقاً.

 يوجد بالتأكيد نزاعات وخصومات داخل العائلة الواحدة لكن لا أحد يشكك بالصورة الأكبر والأشمل، وهذا ما يجعلنا أقوياء، ففي الشركات غير المملوكة للعائلات، يمكنك أن تترك عملك الشاق وتستقيل، لكن هذا لا يحدث في الشركات العائلية. وهي ميزة في غاية الأهمية ولا سيما في عالم الفنون الذي شهد مثل هذا التحول الدراماتيكي خلال العشرة إلى الخمسة عشرة سنة الماضية. وقد سمعنا عن العديد من المعارض العائلية التي أقفلت أبوابها لافتقار الجيل الثاني والثالث للابتكار والإبداع، أو لرفض الأجيال الأكبر سناً لفكرة التغيير والتطوير.

ميكلوس: في كافة الحالات السلبية التي سمعت عنها، لم يعرف جيل الشباب شيئاً عن الفنون وطبيعتها، وهذا لا يعني أنهم لم يكونوا أشخاصاً ناجحين، لكنهم افتقروا للرؤية.

ستيفان: عليك أن تمتلك التركيبة الصحيحة. نحن في العائلة ندخل في الكثير من المناقشات والمداولات قبل اتخاذ القرارات، ولدينا هيكلية موحدة في المعرض ونعقد اجتماعاتنا كل شهرين. 

ميكلوس: أهم شيئ تأخذه بعين الاعتبار عن إدارة صالة عرض من هذا النوع هو فريق العمل، ومن هنا نتعامل مع الجميع كعائلة واحدة، ولدينا أشخاصاً مميزين واستثنائيين، وهذا مصدر ثروتنا الحقيقية.

فون بارثا 

ما السر وراء هذا الدافع لمواصلة الابتكار والابداع؟ 

ميكلوس: لا خيار أمامك في هذا النوع من العمل سوى الابتكار والابداع، ولا يمكنك الوقوف في مكانك دون حراك في هذا المجال الذي ينمو ويكبر بخطى سريعة.

ستيفان: يوجد حالياً معادلة خاصة بمعارض اللوحات الفنية، تتلخص بامتلاكك صالةً للعرض وزيارتك لصالات العرض الأخرى، وفي نهاية الأمر تحصل على المال من خلال بيع اللوحات الفنيّة.

ميكلوس: لا يمكنك فهم الابتكار دون فهم الماضي، ولا يمكنك خوض غمار مجال الفنون دون معرفة تاريخية بهذا المجال.

ستيفان: في وقتنا الحالي يشتري الناس الأشياء بناءً على ما سمعوه أكثر ممّا شاهدوه، أي أنّ السمعة هي كل شيء. وفي عالم الفنون هناك قاعدة مهمة وهي أنّه في المعارض الفنيّة لا نتكلم إلا بالفنون، ولا نخبر الآخرين بالأسعار إلا إذا طلبوا ذلك، ومعظمهم يطلبون معرفة الأسعار ومن ثم يناقشون اللوحات وأفكار الفنّانين.

ما هي القيم التي تنادي بها فون بارثا؟

ستيفان: نعمل على إعادة تقييم ما نقوم به ومراجعة استراتيجيتنا. ما زالت صالة العرض قائمة منذ 45 عاماً وتمكنت دائماً من إعادة تقييم ذاتها، وباعتقادي أنّ هذه إحدى أهم ميزاتنا.

ميكلوس: في شركتنا نتعامل مع الفنّانين باحترامٍ وتقدير، وندفع مستحقات الجميع في الوقت المحدد، فنحن في النهاية شركة لديها سمعتها وعلينا الحفاظ عليها.

ستيفان: أحب أن آتي إلى المعرض كل يوم وأحب وظيفتي كثيراً. ورغم أنني في الواقع أعمل كثيراً دون توقف، وآخذ قسطاً من الراحة في الوقت القليل المتبقي لي، إلا أنني أشعر بالسعادة والرضا أثناء ممارستي هذا العمل. فأنا أحب النوم بشكلٍ جيد وبضميرٍ مرتاح، وهذا أمرٌ مهم في النهاية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 25, 2015

 

Tags from the story