استراتيجيات الفوز

استراتيجيات الفوز

إن الهدف لأي مؤسسة هو تقديم أداء متميز ومستدام. حيث يعني “الأداء” بالنسبة للمؤسسة “العائد على الاستثمار”، و”مستدام” تعني أن يستمر هذا الأداء على المدى البعيد بدلا من مجرد تحقيق الأرباح الفصلية القادمة المستهدفة. أما كلمة “متميز” فتعني أنه أفضل من المنافسين بحيث تصبح الشركة دائمًا في المقدمة عند الحاجة إلى المزيد من رؤوس الأموال، وهذا ما يجعله أكثر استدامة. فما الذي يتطلبه الأمر من إحدى المؤسسات لتقديم أداء متفوقًا ومستدامًا؟ أولا يحتاج الأمر إلى استراتيجية جيدة، وتكاملا بين الخيارات الخاصة بموضع وكيفية المنافسة. وثانيًا، يحتاج الأمر إلى تنفيذ جيد، وتكامل الإجراءات من أجل تنفيذ الاستراتيجية. وكلا هذين الأمرين يتطلبان قيادة جيدة لضمان تبني الخيارات الصحيحة، والقيام بالإجراءات الصحيحة. وسنجد في هذا التقرير الخاص الذي يقدمه الدكتور جون ويلز، رئيس المعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD) بسويسرا، أن التركيز موجه استراتيجيات الفوز وواقع المنافسة، والميزة التنافسية، والأرباح.

الإمكانية الحقيقية للربح

إن تقييم أي فرصة أعمال تبدأ بتحديد القيمة المقدمة للعميل. وهذا مقياس لأقصى سعر يكون العميل مستعدًا لدفعه. ونحن نحتاج إلى مقارنة هذا السعر بتكلفة تزويد العميل بالخدمة أو السلعة. والفرق بينهما يكون مقياسًا لاحتمالية الربح.

ومع ذلك فإن العملاء نادرًا ما يدفعون السعر الأعلى، ويكون السعر الفعلي نتاج لمستوى التنافس في السوق. وإذا كانت المنافسة منخفضة، فإن الأسعار تقترب من الحد الأقصى لما يمكن للعميل دفعه. وفي حال احتدام المنافسة، فإن الأسعار يمكن أن تهبط سريعًا لتصل إلى قيمة تكلفة توريدها أو حتى أقل من ذلك، وفي هذه الحالة يُحتمل أن تتعرض الشركة للإفلاس. ويتنوع مستوى المنافسة بشكل كبير من نشاط تجاري لآخر، كما يؤثر على مستوى الربحية التي يمكن لإحدى الشركات المتوسطة توقعها.

مصادر المنافسة على الأرباح

عند تقييم مستوى المنافسة في أحد المجالات، يكون من السهل الوقوع في خطأ التركيز فقط على المنافسين المباشرين. ومن المؤكد أن عدد المنافسين المباشرين أمر مهم؛ فكلما ارتفع عدد المنافسين واشتدت منافستهم، كلما انخفض متوسط الأرباح. ومع ذلك، فإنه من الأهمية بمكان إلقاء نظرة أشمل على المنافسة. هناك العديد من مصادر المنافسة على الأرباح [انظر مايكل بورتر، الاستراتيجية التنافسية، والشكل رقم 17]. ويمكن للعملاء ذوي النفوذ استخلاص معظم الربح من إحدى الشركات، وهو ما تفطن إليه العديد من الشركات عندما تقوم بتقديم خدمة لمتاجر التجزئة الكبرى مثل وول مارت. ويمكن لكبار الموردين أيضًا أن يحصلوا على قدر كبير من الربح، فصناعة الحاسبات الشخصية على سبيل المثال ليست مربحة بقدر كبير لأن معظم الأرباح في خط التوريد تسيطر عليها شركتا إنتل ومايكروسوفت.

وبالرغم من ذلك، حتى إذا كان هناك عدد قليل من المنافسين، وكان نفوذ الموردون والعملاء محدودًا، فإن الأرباح أيضا لن تستمر طويلا إذا كان من السهل الدخول إلى هذا المجال. ومن أجل تحقيق ربحية جيدة على المدى البعيد، فإن الحواجز والعوائق أمام دخول المجال يجب أن تكون مرتفعة. ويفشل رجال الأعمال غالبًا في أخذ هذا الأمر في الاعتبار. ربما تبدو الفكرة الجديدة قيمة بشكل مدهش، لكنها لن تكون مربحة لوقت طويل إذا كان من السهل تقليدها، فعند الدخول في أحد المجالات، يكون من المهم بالنسبة للشركة أن تقوم ببناء حواجز وعوائق لمن يأتي من بعدها.

وأخيرًا وليس آخرًا، فإن المنتجات البديلة تضع حدًا أقصى للسعر الذي سيدفعه العميل، وبالتالي يكون هناك حد أقصى للأرباح التي تستطيع الشركة تحقيقها.

ويشير التقييم الدقيق للقوى الخمس إلى مستوى الربحية الذي يمكن أن تتوقعه شركة متوسطة. كما يشير إلى الطرق التي تستطيع الشركة من خلالها وضع نفسها في وضع يمكنها من تحقيق عوائد فوق المتوسط، وذلك على سبيل المثال من خلال اختيار تقديم الخدمة لقطاعات عملاء أقل نفوذًا. وتقدم التوجهات في القوى الخمس أيضًا مؤشرا على ما إذا كان متوسط ربحية المجال سوف يرتفع أم ينخفض. ويتطلع المستثمرون الأذكياء إلى الاستثمار في صناعات يُرجح أن تزيد الأرباح فيها في المستقبل، ويقومون بشراء أسهم منها بسعر مخفض. وبالمثل، يتطلع هؤلاء المستثمرون إلى بيع الشركات بسعر متميز عندما يعتقدون أن الأرباح سوف تنخفض على المدى البعيد.

وعند تقييم إحدى الشركات، فإنه من المفيد كذلك إلقاء نظرة أشمل على نظام القيمة الإجمالي؛ بحيث يتم النظر لأعلى تجاه سلسلة التوريد ولأسفل تجاه قنوات التوزيع. وسيكون من المفيد بنفس القدر أيضا النظر للمنتجات المجانية على الجانبين. والهدف هو تحديد المكان الذي يمكن منه تحقيق الأرباح في الوقت الحالي داخل نظام القيمة، وكيف سيتغير هذا مستقبلا. فعلى سبيل المثال، كانت الأرباح منذ 25 عامًا في مجال صناعة الموسيقى تحصل عليها شركات التسجيلات الكبرى. ومنذ 10 سنوات كانت متاجر التجزئة الكبرى التي تقدم تخفيضات على الأسعار تجني جزءًا كبيرًا من الأرباح، أما الآن سنجد أن توزيع وانتشار التسجيلات عبر الإنترنت يضيق الخناق على متاجر التجزئة، ويمارس قدرًا أكبر من الضغوط على شركات التسجيلات الموسيقية.

وبالتالي فإن الاستراتيجية تتعلق بالاختيار، والخيار الأول والأكبر الذي يجب على الشركة اتخاذه هو اختيار ميدان المعركة الذي ستنافس فيه. بعض الميادين أكثر جاذبية من البعض الآخر. ولهذا فعليها أن تسأل: أي الأعمال أكثر جاذبية؟ أي القطاعات الموجودة بداخل المجال ستدر عوائد أعلى من المتوسط؟ أيهما أكثر جاذبية: أن تكون في قمة الهرم أم في قاعدته؟ كيف يمكن أن يتغير هذا بمرور الوقت؟ وكيف تستطيع الشركة الاستفادة من هذه المعطيات كي تختار لنفسها موضعًا يمكنها من تحقيق عوائد أعلى من المتوسط؟

البحث عن الميزة التنافسية

بالرغم من احتمالية تمكن إحدى الشركات من إيجاد قطاع جذاب داخل إحدى الصناعات، فالاحتمالية قائمة بأن تعثر عليه الشركات الأخرى بالمثل. والأمر الآن أصبح متعلقًا ببناء ميزة تنافسية لمساعدة الشركة على الفوز. وأحد الأساليب تقوم على تقديم قيمة أكبر للعملاء حتى تستطيع الشركة مطالبتهم بأسعار أعلى، وهو ما يُسمى باستراتيجية المفاضلة. وهناك بديل بديهي يتمثل في تخفيض التكاليف لتصبح أقل من المنافسين لتحسين هوامش الربح. وغالبًا يكون من الصعب التركيز على القيام بالأمرين في نفس الوقت، وهنا يكمن الخيار الاستراتيجي الرئيسي الثاني الذي يجب على الشركة الأخذ به. ما الأسلحة التي تختارها الشركة لتفوز؟ وهل ستلجأ إلى أسلوب المفاضلة أم أسلوب التكلفة الأقل؟

وبالتالي، فإن احتمالية الربح لدى الشركة تتألف من ثلاث مكونات: المتوسط الحقيقي للربحية داخل المجال، والربح المتنامي من إيجاد قطاعات جذابة داخل المجال، وحجم الميزة التنافسية مقارنة بالمنافسين الآخرين في نفس القطاع.

المفاضلة: تحفيز عملية تحقيق سعر أعلى

المفاضلة لا يمكن تلخيصها في مجرد الاختلاف والتفرد. أنا عن نفسي أعرف العديد من الشركات التي تقدم منتجات متفردة لكنها غير مربحة. فالهدف من المفاضلة هو أن تكون الأفضل من منظور العميل. والاختبار الحاسم الذي سيحدد ما إذا كانت الشركة لديها منتجات أفضل هو ما إذا كان بوسعها الحفاظ على سعر مرتفع لما تقدمه وفي نفس الوقت يكون لديها حصة من السوق. وإذا قامت الشركة بالبيع بنفس السعر، عندئذ ينبغي لها الحصول على حصة أكبر من السوق نظرًا لتفضيل العملاء لها على المنافسين. ومع ذلك، فإن مجرد وجود أحد المنتجات بسعر مرتفع لا يعني أن لديه ميزة تنافسية. فتعريف الميزة هو أنها تتحول إلى أرباح أعلى؛ وبالتالي فإن فرق السعر يجب أن يتجاوز أي تكاليف إضافية. والعديد من الشركات ترتكب خطأ إضافة دولارين إلى تكلفة منتجها كي تجعل نفسها أفضل، لكنها لا تحقق سوى دولار واحد كفرق سعر. وهذا شكل معقد من أشكال العمل الخيري. تتطلب المفاضلة نظامًا اقتصاديًا صارمًا. ويجب على الشركة معرفة تكلفة الوحدة التي تقوم بإنتاجها مقارنة بمنافسيها ومعرفة أيضًا ما يتعلق بتحقيق سعرها النسبي. حيث يجب عليها الاكتفاء بالإضافة إلى قاعدة التكلفة لديها حيث تدرك إمكانية تحقيقها لفرق سعر يغطي التكاليف الإضافية.

ومن الأهمية بمكان الإلمام الكامل باحتياجات العملاء لتحقيق فرق سعر. على سبيل المثلا، العملاء في صناعة رولمان البلي مستعدون لدفع أكثر من الضعف في مقابل طاقم رولمان بلي يستمر لضعف الوقت الذي يعيشه طاقم آخر، لأنهم في هذه الحالة لن يشتروا نصف الكمية التي يُضطرون لشرائها فحسب، وإنما سيوفرون كذلك تكاليف التركيب. ولهذا فإن فهم اقتصاديات العملاء توفر نظرة أعمق لفرق السعر الذي سيتحمله السوق. والأسلوب السليم للتعامل مع مسألة التفاضل يتطلب تقديرات سليمة لمسألة الاستعداد للدفع.

مجموعة أنشطة تحقيق القيمة

عندما تقوم إحدى الشركات بتحديد كيفية إيجاد قيمة إضافية، فإنها تضطر إلى اختيار الكيفية التي ستحقق بها هذه القيمة. فما هي الأنشطة التي ينبغي عليها الاستثمار فيها؟ على سبيل المثال، في حالة مصنّع رولمان البلي الذي يقوم بتصنيع منتج عمره الافتراضي ضِعف عمر منتجات المنافسين، هناك خيار بديهي يتمثل في بيع الرولمان البلي، لكن ربما يكون من المنطقي تقديم خدمة صيانة الماكينة لأن هذا سيسمح للشركة بتوفير المزيد من تكاليف التركيب. كما قد تختار الشركة البدء في امتياز عرض خدمات صيانة الماكينات. ويمكنها كذلك أن تمنح ترخيصًا لمنتجي الرولمان البلي الآخرين لتصنيعه. هناك الكثير من الأساليب للتنافس، وكل منها ينطوي على أشكال مختلفة للاستثمار، وإمكانيات مختلفة لتحقيق القيمة، ومستويات مختلفة من السيطرة الاستراتيجية. فالاستراتيجية مسألة اختيار!

التكلفة الأقل

لتحقيق مستويات عالية من الربحية، فإن التكلفة المنخفضة ليست كافية؛ فالهدف هو أن تكون لديك تكلفة أقل من المنافس. وبالإضافة إلى هذا، ليس من المقبول أن تكون لديك تكلفة أقل، ولكنك تقدم منتجًا أقل جودة. فالهدف يجب أن يكون التكلفة الأقل لنفس المنتج أو الخدمة. وإذا طالب العملاء بتخفيض، فإنه يجب أن يكون أصغر من أفضلية التكلفة المنخفضة حتى يمكن تحقيق ربحية متميزة.

وسواء اختارت الشركة أن تكون ذات تكلفة منخفضة أو أن تحظى بالتميز، فمن الواضح أنه يجب أن تكون لديها إدراك جيد جدًا لموقع تكلفتها النسبية. ومن الصعب الحصول على هذه المعلومات من الحسابات المنشورة. ومن الأفضل للشركة النظر إلى تكلفة كل نشاط تشارك فيه ثم تضع نموذج للتغيرات التي تطرأ على كل تكلفة من هذه التكاليف (مثلا مع حجم العمليات، وطبيعة التكنولوجيا، وموقع المصنع وما شابه ذلك). وبهذا الفهم لتحولات التكلفة، ينبغي أن تسأل الشركة عندئذ السؤال التالي: “كم ستكون تكاليفنا إذا كنا نعمل في نفس المكان وبنفس الكيفية التي يعمل بها منافسونا؟” وهذا يقدم تقديرًا معقولا لموقع التكلفة النسبية، كما يساعد أيضًا في تحديد كيفية تعديل الأنشطة لإيجاد أفضلية التكلفة.

مجموعة أنشطة خفض التكلفة

بمجرد قيام الشركة بتحديد كيف يمكنها تحقيق تكلفة أقل، يجب عليها اختيار نطاق أنشطتها. فربما تختار أن تتجنب الأنشطة التي يكون فيها عدد كبير من الموردين بتكلفة منخفضة والكثير من المنافسة، والأفضل لهذه الشركة شراء مثل هذه المنتجات أو الخدمات من السوق. وعلى الجانب الآخر، الأنشطة المهمة بالنسبة للأفضلية التنافسية أو ذات الربحية العالية تحتل أولويات أعلى للاستثمار فيها.

استباق المنافسين

لا يمكن أن تكون هناك استراتيجية بينما أنت في عزلة عما حولك. فالامر يعتمد على موقع المنافسين، وما يُتوقع قيامهم به. وما هي المزايا التي يمتلكونها؟ وما هو هدفهم الأساسي؟ كيف تصرفوا في الماضي؟ ماذا يخبرنا هذا عن كيفية تحركهم المتوقع في المستقبل؟ كيف يمكن أن يكون رد فعلهم على أي تحركات قد تقوم بها الشركة؟ تتيح هذه المعرفة العميقة للشركة توقع واستباق التحركات والتحركات المضادة، وتقرير تحركاتها هي.

ويجب على الشركة تقييم السرعة المحتملة لرد فعل المنافس على أي شيء تقوم به الشركة، وما الذي سيكلفها عندما ترد، وما تأثير هذا التحرك على الميزة التنافسية للشركة. وفي الظروف المثالية، ينبغي على الشركة أن تتطلع للقيام بتحركات يُتوقع أن تكون استجابة المنافس لها بطيئة، وتكون تكلفة الاستجابة مرتفعة للغاية، وتكون الشركة، نتيجة لهذا التحرك، قد ارتقت بمكانتها النسبية.

وعندما يتأخر رد فعل أحد المنافسين بسبب التكاليف التي يقتضيها هذا الأمر، فهذا يسمح للشركة بمساحة كبيرة من الوقت في الاستمتاع بالأرباح الإضافية جراء فكرتها الجديدة. ومع ذلك، فبما أن التحرك يؤدي إلى تأخر المنافس عن الركب بمجرد قيامه برد الفعل، فإن الشركة ينبغي عليها أن تظل تنظر إلى مثل هذه التحركات كأمر محمود من الناحية الاستراتيجية، حتى إذا كان رد فعل المنافس سريعًا. والصعوبة تكون عندما يصبح المنافس أكثر تنافسية بمجرد قيامه برد الفعل. وفي هذا الحالة، طالما كان رد المنافس بطيئًا، فمازال من المنطقي عندئذ بالنسبة للشركة أن تقوم بتقديم الفكرة الجديدة طالما استطاعت حصد قدر جيد من العائدات قبل أن يرد المنافس. ومع ذلك، فبمجرد أن يقوم المنافس بتقليد الفكرة، فإن الشركة لا يكون أمامها خيار سوى أن تجد فكرة جديدة أخرى لتحقيق أرباح متميزة، لأن المنافس أصبح الآن أقوى. تدور فكرة هذه الاستراتيجية حولة كيفية استباق المنافسين والبقاء في مقدمة الركب.

ولكن ينبغي التنبيه إلى أن الفكرة الجديدة الأكثر خطورة هي الفكرة التي يستطيع المنافس تقليدها سريعًا وبتكلفة أقل. وأي شركة تعتزم تقديم مثل هذا المنتج تكون بمثابة من يقترف خطيئة استراتيجية لا تُغتفر.

الميزة التنافسية – الأسرع والأذكى

شركة “كابيتال وان” مثال على شركة قامت بإيجاد ميزتها التنافسية اعتمادًا على قدرتها على الرد بنحو أسرع من المنافسة. ولكي تحافظ على مكانتها في السوق، قامت بإنشاء مؤسسة قادرة على إنتاج واختبار 50 ألف فكرة جديدة سنويًا، بمعنى آخر ماكينة ابتكار. وبالتالي تحصل الشركة على معلومات قيمة مملوكة لها نتيجة لكل اختبار من الاختبارات التي تقوم بإجرائها. كما تلعب الشركة لعبة أكثر ذكاءً لأن لديها معلومات متميزة عن المواضع التي يجب استهدافها لتحقيق الأرباح. وبالتالي، يمكن القول أن الأفضلية التنافسية ليست مجرد تكلفة أقل وتميز عن الآخرين. كما يمكن للشركات التفكير في ممارسة لعبة أسرع وأذكى.

استراتيجية وحدة الأعمال في مقابل استراتيجية الشركة

معظم الشركات تعمل في أنشطة تجارية متعددة. واستراتيجية الشركة تركز في العادة على اختيار مجموعة الأنشطة التجارية المراد الاستثمار فيها، وما إذا كان من الممكن إحداث تعاون بين هذه الأنشطة التجارية أم لا. أما استراتيجية وحدة الأعمال فهي المجموعة المتكاملة من الخيارات التي تتخذها الشركة لتحقيق أداء آمن ومستدام داخل نشاط معين.

وعند النظر إلى التباين في ربحية الشركات ذات الأنشطة التجارية المتعددة، فإن 20 بالمائة تقريبًا من الربحية يرجع إلى المستوى المتوسط من ربحية المجالت التي تستثمر فيها الشركة. بينما يعود 30 بالمائة منها إلى قوة موقع كل نشاط من هذه الأنشطة التجارية. وأقل من 5 بالمائة يكون نتيجة للتعاون بين الأنشطة المختلفة. بينما يعود 45 بالمائة من الربحية إلى التنفيذ الجيد. وهذا يمثل دليلا مفيدًا للشركة على المجالات التي ينبغي أن تستثمر فيها جهودها.

ولا تتبع جميع الشركات هذا الأسلوب. بعض الشركات في الواقع تشتري أنشطة في صناعات ذات إمكانية ربح منخفضة ومكانة ضعيفة في السوق، وتضمها معًا أملا في أن يؤدي التعاون إلى تحسين الأداء. وهذا عادة ما يفشل. والحقيقة أن التوليف بين مجموعة من الكلاب لن يؤدي في النهاية إلى الحصول على فرس سباق، وإنما سيؤدي إلى الحصول على نزل للكلاب. وعند القيام بخيارات استراتيجية عليك تركيز الاستثمارات في المجالات الجذابة والسعي لاحتلال المواقع التنافسية القوية. ثم عليك التركيز على التنفيذ الجيد.

مزايا استراتيجية الشركة

إذا كان للتعاون مزايا منخفضة عند التنافس في شركات متعددة، فيجدر عندئذ التساؤل عن سبب رغبة أي شركة في القيام بهذا. فباستثناء التعاون، هناك ثلاثة أسباب رئيسية أخرى: تنويع المخاطر التجارية، وتنويع مخاطر دورة الحياة، وبناء أسواق داخلية فعالة لرأس المال والموهبة الإدارية والمهارات والمعلومات.

تنويع المخاطر التجارية

الشركات المختلفة تحصد بشكل أساسي أشكالا مختلفة من التدفقات النقدية خلال دورة العمل. وبالنسبة لأي شركة مستقلة، فإن الحصول على التدفق النقدي قد يكون متقلبًا للغاية، هذا إلى جانب خطر الإفلاس في نهاية دورة العمل. وبشراء مجموعة من الشركات المختلفة التي لا ترتبط تدفقاتها النقدية ببعضها، سيصبح بالإمكان فرض الاستقرار والثبات على التدفقات النقدية المتعددة والمتقلبة، وهو ما يوفر عوائد ثابتة للمستثمرين ويقلل احتمالية حدوث إفلاس مكلف وغير ضروري. ولا يتطلب هذا الأمر سوى الاستثمار في حوالي ثمانية مجالات للاستفادة من هذه التأثيرات.

لكن بعض خبراء الاستراتيجيات يشككون في المبررات التي تدفع إحدى الشركات إلى الرغبة في الاستثمار في نشاطات تجارية متعددة على هذه النحو. ويحتج هؤلاء بأنه من الأفضل للشركة أن تركز على نشاط تجاري واحد لأن حملة الأسهم يمكنهم التنويع بأنفسهم، فلماذا ينبغي على الشركة أن تقوم بتنويع الأنشطة؟ لكن هذه الحجة لا تنطبق على الشركات العائلية لأن المديرين هم أنفسهم المالكون. وبالإضافة إلى هذا، فإنه من السهل فهم سبب رغبة الإدارة العليا في أي شركة في تنويع مثل هذه المخاطر من أجل الحفاظ على وظائفهم وتوفير مصادر ثابتة للإيرادات.

تنويع مخاطر دورة الحياة

الشركات في العادة لديها أشكال مختلفة للغاية من التدفقات النقدية اعتمادًا على مرحلة دورة الحياة التي يصادف مرور الشركة بها. والأسواق الجديدة بشكل عام سريعة النمو. وفي العادة، هناك العديد من الشركات التي تتنافس، ولكل شركة حصتها الصغيرة من السوق. بالطبع لن يمكن لجميع الشركات مواصلة العمل والبقاء، وفي الواقع جميع الشركات تثير “علامة استفهام” question mark. [انظر الشكل 40. المصدر: مجموعة بوسطن للاستشارات]. في العادة تستنفذ مثل هذه الشركات الأصول النقدية لمجاراة النمو. ومع ذلك، ففي حالة توافر الكثير من الأصول النقدية لديها، سيصبح هناك إمكانية كبيرة لتنمية حصتها من السوق وتأسيس موقع رائد، وتحويل علامات الاستفهام إلى “نجوم” stars. والشركات ذات المواقع المتقدمة في الأسواق سريعة النمو تميل إلى عدم التأثر بالأصول النقدية. فعندما يتباطأ النمو، تبدأ في استخلاص الكثير من النقد بسبب موقعها التنافسي المتميز، حيث تتحول إلى ما يعرف بتعبير cash cows أو المصادر التي تدر أرباحًا عالية ثابتة. وهذه التدفق النقدي القوي يمكن استخدامه في “تغذية” علامات الاستفهام وتطوير نجوم جديدة للمستقبل. وبهذه الطريقة، تستطيع المؤسسة أن تحافظ على مجموعة من الشركات ذاتية التمويل في مراحل مختلفة من دورة حياتها.

ويبقى السؤال حول ما ينبغي على الشركة القيام به إذا وجدت أن لديها موقعًا ضعيفًا في السوق في نشاط تجاري متنامٍ. فالأمر يكلف قدرًا كبيرًا من المال للحصول على حصة من السوق في نشاط ضعيف داخل سوق بطيء النمو، ونادرًا ما يؤتي هذا الجهد ثماره. فهذه الأنشطة غير جذابة، فإما أن يتم التخلص منها أو إغلاقها.

ومجددًا، يقول بعض خبراء الاستراتيجيات إنه لا توجد حاجة للإبقاء على سوق داخلي لرأس المال لأنه من الممكن دائمًا إيجاد مستثمرين من الخارج إذا كانت الشركة لديها فكرة جيدة في المجال. والأزمة المالية الحالية كفيلة بتوضيح أن هذه الرؤية غير صحيحة. فالأسواق المالية غالبًا ما تفشل. وهناك في الحقيقة العديد من الشركات القوية استراتيجيًا والتي تتجه حاليًا نحو الإفلاس لأن إمكانية حصولها على رأس المال اختفت بشكل مفاجئ. وفي مثل هذه الأوقات، تأتي السيولة النقدية في المقام الأول. ووجهة نظري هي أنه من السهل عليك تجميع رأس المال عندما لا تحتاج إليه، ولهذا احرص على جمع رأس المال في وقت الرخاء.

إن الإبقاء على مجموعة متوازنة من الشركات في مراحل مختلفة من دورة الحياة أمر منطقي بالنسبة لأي مؤسسة، وهذا الأمر يكون أكثر منطقية بالنسبة للشركات العائلية التي لا يكون فيها فصل بين المدير والمالك. وباستثناء مزايا التمويل الذاتي للمجموعة، فهذا الأمر يوفر أيضًا للجيل القادم فرصة تكوين خبرة تجارية؛ المنتمون إلى الجيل القادم غالبًا ما يرغبون في بدء نشاط جديد في سوق يشهد ارتفاع في معدلات النمو بدلا من إدارة شركات مستقلة تدر أرباحًا مرتفعة ثابتة. وبالإضافة إلى هذا، فإنه من المهم أن يبرهنوا على قدراتهم القيادية أمام أنفسهم وأفراد العائلة والعاملين من خارج العائلة، قبل مطالبتهم بتولي المسئولية.

وثمة تحدٍ أمام الشركات العائلية يتمثل في أنه غالبًا ما يصعب عليها التخلص من الشركات المتعثرة. فكثيرًا ما تواجهها معضلة أن النشاط الذي كان في وقت من الأوقات يمثل العمود الفقري لشركة العائلة أصبح الآن في وضع مزري ويحقق نتائج ضعيفة. ولكن لأسباب تتعلق بالاحترام، تعجز الشركة عن التعامل مع قرار الخروج من السوق. وفي ظل هذه الظروف، يتمثل التحدي في تحديد قطاع داخل النشاط يمكن من خلاله تحقيق عوائد فوق المتوسط. ورغم أن هذا لن يغير من حقيقة أن النشاط لا يدر أرباحًا ضخمة، فإنه يقلل من الخسارة وفي الوقت نفسه يحافظ على الاحترام الذي يحافظ على تماسك العائلة.

إيجاد سوق داخلي فعّال للموارد الرئيسية

إن تنويع المخاطر التجارية وتنويع مخاطر دور الحياة يُعتبران أمثلة على مزايا إيجاد سوق داخلي لرأس المال. ومن الممكن أيضا تكوين سوق داخلي فعّال للموارد الحساسة الأخرى مثل الموهبة الإدارية والمهارات والمعلومات. فشركة جنرال إلكتريك على سبيل المثال تستثمر بقدر كبير في بناء تجمع قوي من المواهب الإدارية. وفي الواقع، لعل هذه الشركة واحدة من أفضل مدارس الأعمال في العالم. فبدلا من الاعتماد على شركات التوظيف في إيجاد المسئولين التنفيذيين الجيدين، فإن جنرال إلكتريك تبحث في سوقها الداخلي لإيجاد المرشحين الجيدين، كما أن ما لديها من معلومات عن هؤلاء المسئولين التنفيذيين أفضل بكثير مما يمكن أن تحصل عليه من خلال عملية توظيف لعنصر خارجي. وتعتمد الشركة كذلك على كوادرها الداخلية من المستشارين الحاصلين على الحزام الأسود في شهادة six Sigma للمساعدة في تحسين كفاءتها بدلا من استقدام مستشارين من الخارج. وبهذه الطريقة، تستطيع الشركة المحافظة على أسلوبها الخاص في نقل المعرفة والخبرات. كما تعتمد الشركة على تبادل المعلومات والخبرات الداخلية بطرق عدة. فمن الصعب على الشركات أن تثق في المعلومات الآتية من مصادر خارجية، ولكن عندما تأتي من وحدة أعمال داخلية، فإن إمكانية الاعتماد عليها والثقة بها تكون أكبر.

ولكي تعمل الأسواق الداخلية في جنرال إلكتريك بكفاءة، فإن روابط الانفتاح والثقة التي تربط موظفي جنرال إلكتريك معًا يجب أن تكون وطيدة. ونفس هذه الروابط داخل الشركة العائلية هي التي تزيد من إمكانية الاستفادة من إدارة أسواق داخلية فعالة.

الدكتور جون ويلز

الرئيس

المعهد الدولي للتطوير الإداريIMD

سويسرا

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story