ربط الحياة بالعمل في الشركات العائلية

ربط الحياة بالعمل في الشركات العائلية

بقلم مير كروس، محررة في فريق العمل

كان القرن العشرين نقطة انطلاق للعديد من المفاهيم المألوفة في عصرنا الحالي والتي هدفت جميعها إلى توفير حياة سعيدة وناجحة: إيجاد التوازن بين العمل والحياة. ومع الارتفاع الحاد في نسبة الأشخاص الذين نطلق عليهم اسم مدمني العمل وظهور الأمراض الناجمة عن التوتر والتغييرات الجذرية في الأجيال، أصبح من الضروري جداً فهم العلاقة التي تربطنا بالحياة من ناحية وبالعمل من ناحية أخرى.

مراحل ربط الحياة بالعمل على مر التاريخ

بدأ استخدام مفهوم التوازن بين الحياة والعمل للمرة الأولى خلال الحربين العالميتين، عندما دعت الحاجة إلى مشاركة النساء في القوى العاملة. وعندما وضعت الحرب أوزارها وحلّ السلام، لم تعد هؤلاء النساء إلى ممارسة دورهن المعتاد في المنزل. ونتيجة لهذا التحول، ظهر مفهوم “التوازن بين الحياة والعمل” في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ليصف حالة التناغم بين الحياة الشخصية والحياة العملية.

لا شك أن التناقض بين در المرأة في رعاية أسرتها الكبيرة وبين دورها في العمل لساعات مماثلة للرجل، دفع بالمرأة إلى المطالبة بالدعم لإيجاد التوازن بين هذين الدورين. ويهدف الدور المتوازن بين الحياة والعمل إلى تحقيق النجاح في كلا الصعيدين. وجاءت قوانين الثمانينات من القرن العشرين في المجتمعات الغربية لتدعم الأمهات العاملات، لكن الاهتمام بمسألة إيجاد التوازن بين الحياة والعمل لم يصل إلى ذروته إلا في التسعينيات من القرن ذاته. وبدأ التكامل بين الحياة والعمل يظهر بوضوح في ثقافة الشركات وفي سياسات الموارد البشرية مما ساهم في إحداث النقلة النوعية بشكل تدريجي. وجاءت الفرضية الأساسية أو بالأحرى البسيطة لتوضح بأن التوازن بين العمل والحياة يمكن تحقيقه من خلال العمل لمدة 40 ساعة أسبوعياً والاستمتاع بعدها بالحياة بعيداً عن العمل. وقد عبرت هذه الفرضية عن واقع الرفاهية المختصرة والتي سرعان ما شارفت على الانتهاء بفضل التقدم الكبير وغير المسبوق الذي أحرزته التكنولوجيا الحديثة.

ولعل التطور السريع في مجال التقنيات الحديثة على مر العقود الماضية، أدى مجدداً إلى تغيير مفهوم العلاقة بين الحياة والعمل. وبدأ الانتقال من مسألة إيجاد توازن بين الحياة والعمل نحو مسألة تكامل الحياة والعمل. وهكذا أحدثت الألفية الجديدة تحولاً جذرياً في مسألة التوازن والتي تغيرت من فصل الحياة الشخصية عن العمل إلى عدم القدرة على التخلي عن أي منهما. وظهر مفهوم التكامل بين الحياة والعمل كنقيض للمفهوم السابق ليركز على احتواء الحياة الشخصية والمستقبل المهني معاً، الأمر الذي سمح بالجمع بين الجانب المهني والجانب الشخصي وأدى إلى ازدهار كل منهما. ربما تكون تلك هي بداية القضية المطروحة؛ لكن مع حلول القرن الحادي والعشرين أصبحت صحة هذه القضية موضع شك بسبب ظهور حالات التوتر الناجم عن العمل.

نموذج الشركات العائلية

لاشك أن التوازن المنشود بين العمل والحياة الشخصية سوف يتأثر بشكل رئيسي بالمهنة التي وقع اختيارنا عليها. لكن ماذا عن أفراد الشركات العائلية؟ الأفراد الذين اختاروا العمل إلى جانب أفراد يتشاركون معهم الحياة الشخصية ذاتها؟ تستحق حالة الشركات العائلية تسليط الضوء عليها عند الحديث عن تكامل الحياة مع العمل وذلك للأسباب التالية:

الحدود الوهمية

يصعب حقاً على الشركات العائلية تحديد مهام خاصة ومميزة لكل فرد من العائلة ينضم إلى الشركة. وبغض النظر عن الخلفية الثقافية أو المهارات التي يمتلكها هذا الفرد، سوف يتم تقييم هذا الفرد وفقاً لمكانته أو مكانتها في العائلة. وبذلك ينتقل السلوك المنزلي إلى العمل بشكل طبيعي مما يضفي المزيد من الغموض على الحدود بين هذين الصعيدين.

الالتزام العاطفي

تُعرف الشركات العائلية بتسخير قلوبها وأرواحها لصالح الشركة، وقد يختلف هذا الأمر من شخص لآخر. لكن مما لا شك فيه مطلقاً أن أفراد العائلة العاملين في الشركة، سوف يبذلون كل ما بوسعهم لتحقيق النجاح الذي تطمح إليه الشركة. وبالنتيجة ينجم عن هذا السلوك مستويات ثابتة ونسبية من التوتر والقلق.

العبء المفروض على المجموعة

لا يجب على أفراد العائلة المشاركين في الأعمال اليومية للشركة تحمل عبء إنجاز أعمالهم الخاصة فحسب، بل تفرض عليهم روح العمل الجماعي المطلوبة مستويات لا يستهان بها من القلق لتسيير الشركة العائلية، فغالباً ما يعتبر فشل أحد أفراد العائلة بمثابة فشل للعائلة بأكملها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمان المالي لا يعتمد فقط على صاحب الشركة، بل يعتمد أيضاً على موقف العائلة بأسرها تجاه العمل والمشاركة وهذا أمر مرهق بكل تأكيد.

لكن وعلى الرغم من كافة التحديات، تبذل الشركات العائلية مجهوداً عظيماً لتوفير بيئية عمل مناسبة تسمح للأفراد بتحقيق التكامل بين العمل والحياة الشخصية. لا شك أن ميدان العمل يتغير باستمرار، فإذا نظرنا إلى العديد من الدول، نجد أن الأفراد يمتلكون القدرة على اختيار بيئة العمل التي تناسبهم، مما يمكنهم من تحقيق التوازن المنشود بين الحياة والعمل. نشهد اليوم مرحلة من المرونة في التعامل مع مفهوم الحياة والعمل، الأمر الذي يفرض بأن هدفنا الحالي يتمثل في تحقيق التناغم بين الحياة الشخصية والحياة المهنية.

وفي مستقبل تسيطر عليه التطورات التكنولوجية، تملك الشركات العائلية فرصة لا مثيل لها لوضع معايير تحدد فيها أساليب توفير حياة سعيدة للأجيال المتعددة المشاركة في العمل، وذلك بفضل ارتفاع مستويات الوعي لدى الشركات العائلية إزاء التحديات التي تقف في وجه تحقيق التوازن بين المهام العائلية والتطلعات المهنية للأفراد. 

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 27, 2015

Tags from the story